حرمان سيدات من الميراث: «نادية» اضطرت للعمل «خادمة» و«هانم» تسلك طريق المحاكم

كتب: محرر

حرمان سيدات من الميراث: «نادية» اضطرت للعمل «خادمة» و«هانم» تسلك طريق المحاكم

حرمان سيدات من الميراث: «نادية» اضطرت للعمل «خادمة» و«هانم» تسلك طريق المحاكم

كتبت : سارة جمال

ورثت «نادية»، مع أخت وأخين، منزل والدهم وقطعة أرض زراعية فى إحدى قرى محافظة الشرقية، كانت الأسرة تقيم بمنزل من ثلاثة طوابق، حصل الأخوان، عند زواج كل منهما، على شقة بناها الأب وجهزها لأجلهما، بينما أقامت الأم فى الطابق الأول. بعد وفاة الأب، قررت الأم أن لكل من الولدين شقته، وأن الأرض لهما كذلك، وأن على البنتين أن تنتظرا رحيلها لتحصلا على الشقة التى تقيم بها كنصيب لهما فى المنزل.

ونظراً لظروف «نادية»، ربة منزل، بعد إصابة زوجها فى حادث منعه من العمل لسنوات، طلبت من أخويها شراء نصيبها فى الميراث، الذى لم تتسلمه فى الأصل، فغضب الجميع منها، وفى مقدمتهم الأم، التى اتهمتها باستعجال رحيلها.

أمام هذا الوضع، اضطرت «نادية» للصمت، وكانت تخرج سراً للعمل فى البيوت «خادمة»، فى إحدى المدن القريبة من قريتها، حتى تستطيع تلبية احتياجات أطفالها، وبعد 7 سنوات، رحلت الأم، وكانت القسمة التى أقرتها مسبقاً مقبولة تجنباً للمشكلات، رغم أن «نادية» تعتبرها «غير عادلة»، نظراً لاختلاف قيمة الشقة التى كانت تقيم بها الأم عن الشقتين الأخريين، لوقوعها بالدور الأرضى، وتهالك حالتها بفعل طول الإقامة بها، خلافاً لشقتى أخويها اللتين بناهما الأب وجهزهما حديثاً، وبعد عام من وفاة والدتها، طلبت «نادية» بيع نصيبها فى الشقة المغلقة التى ورثتها عرفياً مع شقيقتها، إلا أن الأخين رفضا ذلك بدعوى عدم قبولهما أن يقيم غريب معهما فى بيت العائلة، كما رفضا أن يشترى زوج الأخت الثانية نصيبها، باعتباره غريباً عن العائلة، وأن الخيار الوحيد المتاح للأختين أن تقيما بالشقة، وعدم بيعها لطرف ثالث.

تفهمت «نادية» الوضع مجدداً، وعرضت أن يشترى نصيبها أحد الشقيقين، ولكنها فوجئت بعرضه ثمناً يقل عن ربع سعر الشقة، بحسب أسعار السوق والمنطقة، وبرر ذلك بتهالك الشقة وحاجتها للتجديد، مطالباً إياها بمراعاة «الأخوة»، وتحت «ضغط الحاجة» اضطرت لقبول عرض شقيقها، وقالت: «لم يكن أمامى خيار آخر، لن أغضب عضم التربة بمنازعة إخوتى فى المحاكم، ولا أملك مالاً ولا وقتاً لحبالها الطويلة، تعبت من الخدمة فى البيوت، وقبلت بـ100 ألف جنيه، بدلاً من لا شىء»، واختتمت بقولها: «الله يسامح أمى واخواتى ظلمونى».

«هانم»، سيدة أخرى من محافظة القليوبية، قرر أشقاؤها حرمانها وشقيقتيها الأخريين من الحصول على نصيبهن من ميراث والدهم، الذى يتضمن أراضى زراعية، وأراضى مخصصة للبناء، وعقارات، ومبالغ مالية، ما دفع الشقيقات الثلاث إلى الخروج للعمل، والعيش من الموارد المحدودة المتاحة لهن، رغم ما يمتلكنه من «ثروة»، منعهن إخوتهن من الذكور، 3 أشقاء، من الحصول على نصيبهن، لتعيش كل منهن فى ضيق من الحال، وفشلت محاولاتهن الودية، طوال سبع سنوات، للحصول على إرثهن، ليبدأ الصراع بين الأبناء، الذين كبروا فى ظل حرمان أمهاتهم من حقوقهن، فاضطرت الأخوات، فى نهاية الأمر، إلى اللجوء للمحاكم للمطالبة بحقوقهن، ولحماية الأبناء، ومنذ ذلك الحين، تتعرض الشقيقات الثلاث لضغوط كبيرة من العائلة، لدفعهن للتنازل عن الدعاوى القضائية، بدعوى أنها «عيب»، ولا يجوز أن يقاضين أشقاءهن، وبلغ الأمر حد مقاطعة الأشقاء لشقيقاتهم، فيما ما زالت القضية منظورة حتى الآن.

تحدثت «هانم» لـ«الوطن» عن الظروف التى دفعتها وشقيقتيها إلى رفع دعاوى قضائية ضد أشقائهن الذكور، فقالت: «اللجوء للمحكمة كان قراراً صعباً وثقيلاً على نفوسنا، ولكننا حاولنا لسنوات طويلة، وإخوتنا الذكور للأسف رفضوا إعطاءنا حقوقنا، ومع إصرارنا وحاجتنا لإرثنا، عرضوا علينا أقل من ربع قيمة أنصبتنا الشرعية، خشينا على أولادنا أن يؤذى بعضهم البعض، وننتظر قرار المحكمة».

حالة ثالثة من القاهرة، بطلتها «سماح» وبناتها الثلاث، حيث تزوجت، قبل أكثر من 30 عاماً، من رجل يعمل بأحد المصانع فى العاصمة، ولكن أسرته وأصوله تعود إلى عائلة من صعيد مصر، أنجب الزوجان ثلاث بنات، وعاشوا سعداء، إلى أن بدأت تلوح مشكلة الإرث بعد وفاة الجد، حاول أشقاء الزوج إقناعه بالحصول على إرثه نقداً، بدعوى عدم إنجابه ذكوراً، وأنهم لن يسمحوا بوصول أرضهم إلى «أغراب»، فى إشارة للبنات وأزواجهن، رفض الأب، الذى كان يُخطط للعودة للاستقرار فى قريته بعد بلوغه سن المعاش، إلا أن القدر لم يمهله، إذ توفى وانتقل الحق فى الإرث إلى بناته وزوجته، اللائى دخلن فى نزاع طويل للحصول على حقوقهن، حيث رفض أعمام الفتيات منحهن إرث والدهن، بدعوى الحفاظ على أرض العائلة، وعدم السماح بتسرب أرضهم إلى أغراب من خارج العائلة، وأن هذا هو المتبع مع جميع الورثة من إناث العائلة، حيث لم ترث أى منهن فى الأراضى والبيوت، واكتفى الأعمام بتجهيزهن للزواج، وتوفير «مواسم» لهن، وترضيتهن بمبلغ مالى، كما عرض الأعمام على الفتيات ووالدتهن الحصول على مبلغ مالى كتعويض عن الإرث، وهو ما رفضنه نظراً لضآلة المبلغ، مقارنةً بحقهن الشرعى، وبالمصادفة، تواصلت الأم مع أحد الأشخاص المعروفين بحل المنازعات فى البلدة «قاضٍ عرفى»، وطلبت منه التدخل لتسوية الأمر مع أعمام بناتها ودياً، وفى جلسة عرفية، تم الحكم على الأعمام بمنح الفتيات وأمهن «مقابلاً عادلاً» لثمن الأرض والبيوت التى ورثنها عن الأب، وهو ما اعتبرته «سماح» انتصاراً لحقوقها وحقوق بناتها، وقالت: «لم يكونوا ليسمحوا لنا بالحصول على الأرض أو البيوت، وأقصى ما أمكننا الحصول عليه هو أن يشتروها مقابل سعر يقل كثيراً عن ثمنها الحقيقى كما أرادوا فى البداية».

باحثة فى علم الاجتماع: ضمان حصولهن على إرثهن يمكنهن من الوصول للموارد وتحسين مستواهن الاقتصادى

وعن التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية لحرمان المرأة من الميراث، كشفت دراسة حديثة بعنوان «العلاقة بين ملكية المرأة للأراضى الزراعية وتأنيث الفقر فى الريف المصرى»، لمدرس علم الاجتماع، نعمة السيد محمد، أن النساء فى ريف مصر ما زلن يعانين من الحرمان من ميراثهن الشرعى، وأن التمييز ضد النساء فى الملكية والحيازة ما زال القاعدة فى كثير من المناطق الريفية لأسباب متعددة، وأشارت الباحثة فى علم الاجتماع، فى دراستها المنشورة عام 2023، إلى أن إحدى أبرز نتائج حرمان النساء فى الريف من إرثهن، من الأراضى والأموال، تتمثل فى ما يُعرف بـ«تأنيث الفقر»، أى زيادة نسبته وحدته بين النساء، وأوصت الدراسة بضرورة حصول النساء فى الريف على إرثهن من الأموال والأراضى، والتصدى للموروثات الثقافية والاجتماعية، التى تعوق تمكين النساء وتملكهن للأراضى، للقضاء على ظاهرة الفقر المنتشرة خصوصاً بين النساء فى الريف، وشددت على أن «ضمان حصول النساء على إرثهن، سيمكنهن من الوصول للموارد، وتحسين مستواهن الاقتصادى».

دراسة للأمم المتحدة: استيلاء الذكور على الأراضى وحرمان النساء من تملكها ممارسة شائعة فى المناطق الريفية

وكذلك، كشف الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء أن 5% فقط من النساء اللاتى سبق لهن الزواج فى الفئة العمرية بين 15 و49 عاماً يمتلكن مسكناً، فيما تمتلك 2% فقط منهن أرضاً، فيما أشارت دراسة للأمم المتحدة، حول «المساواة فى الحقوق.. مسار لمكافحة التصحر فى المنطقة العربية»، والصادرة فى مايو 2023، إلى انخفاض ملكية النساء للأراضى، إذ تبلغ فى مصر نسبة لا تتجاوز 5.2%، مقابل 94.8% تعود ملكيتها للذكور، ولفتت الدراسة، التى تتناول مشكلة ضعف تملك النساء للأراضى بالمنطقة العربية، إلى أن الأعراف الثقافية والقوانين العرفية تحول دون حصول المرأة على حقها فى تملك الأراضى والإرث، وأن استيلاء الذكور على الأراضى وحرمان النساء من تملكها هو ممارسة شائعة، خاصةً فى المناطق الريفية.

استشاري «تمكين النساء»: الحرمان من الميراث أحد أشكال العنف الاقتصادي

منى

وفى هذا الصدد أكدت منى عزت، رئيس مجلس أمناء مؤسسة «النون» لرعاية الأسرة واستشارى التمكين الاقتصادى للمرأة، أن حرمان النساء من المواريث بصوره المختلفة، يمثل أحد أشكال العنف الاقتصادى، حيث يحرمهن من فرص التمكين الاقتصادى وتنمية مواردهن الاقتصادية، مشيرةً إلى أن تلك الظاهرة ما زالت متفشية فى المجتمع، فى حماية شبكة معقدة من الموروثات الثقافية والاجتماعية. وأشارت «عزت» إلى أن تعويض النساء عن الإرث مقابل مبالغ مالية، لا يُعد عادلاً، لأنه يتم بالإكراه والاضطرار عادةً، وليس اختياراً من صاحبة الحق، كما أنه يكون، فى كثير من الحالات، أقل من القيمة الحقيقية للإرث. وأكدت أن زيادة قيمة الأصول، سواء من الأراضى أو العقارات، التى يستحوذ عليها الذكور بصورة مستمرة، فى مقابل تراجع قيمة العملة أو استهلاكها، بحيث يتم إنفاقها فى مستلزمات منزلية، أو توزيعها على الأبناء، يحرم المرأة مجدداً من تنمية مواردها المالية، وتحسين وضعها الاقتصادى. ولفتت استشارى التمكين الاقتصادى إلى أن مواجهة هذا النوع من العنف ليست سهلة، بفعل ما قد يرتبط به من عنف نفسى أو جسدى عبر الضغط على المرأة، أو إكراهها على التنازل عن إرثها، أو الحصول على تعويض دون رغبتها، والمواجهة العنيفة لمحاولتها اللجوء للقضاء، حتى لا تتجرأ أخريات على سلوك ذات المسار.

وأضافت استشارى التمكين الاقتصادى للنساء أن «التعامل مع مشكلة حرمان النساء من الإرث معقد للغاية، فى ظل خضوع تلك الممارسات لشبكة معقدة من المصالح، حيث تكرس الأسرة لسيطرة الذكور على الممتلكات، باعتبارها ضماناً لهيبة العائلة وسلطتها ونفوذها، وإمكانية وصولها لمكاسب متعددة، سواء اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية». وأشارت «عزت» إلى ضرورة تكامل الجهود والسياسات لمواجهة تلك المشكلة عبر التجريم القانونى، وتشجيع النساء وتمكينهن من اللجوء للقضاء، وتكثيف العمل المجتمعى عبر مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدنى، لتفكيك الأعراف الثقافية والاجتماعية المؤسِّسة لتلك الجريمة، ومجابهة هذا الشكل من العنف الاقتصادى، وشددت على ضرورة الاهتمام بتعليم النساء وتثقيفهن وتوعيتهن بحقوقهن، وسبل المطالبة بها والحصول عليها، بما يصب فى النهاية فى مقاومة الشبكة المعقدة من الأفكار والمصالح التى تكرس لحرمان النساء من حقهن فى الميراث.

وفيما يختص بالجانب التشريعى، فقد أقرت مصر، فى 3 ديسمبر 2017، تعديلات على القانون رقم 77 لسنة 1943، بشأن «المواريث»، تتضمن فرض عقوبات على الممتنع عمداً عن تسليم أحد الورثة نصيبه الشرعى من الميراث، وتنص المادة 49 من «قانون المواريث» على «مع عدم الإخلال بأى عقوبة أشد ينص عليها أى قانون آخر، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه، ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من امتنع عمداً عن تسليم أحد الورثة نصيبه الشرعى من الميراث، أو حجب سنداً يؤكد نصيباً لوارث، أو امتنع عن تسليم ذلك السند، حال طلبه من أى من الورثة الشرعيين، وتكون العقوبة فى حالة العود الحبس الذى لا تقل مدته عن سنة»، كما أرست المحكمة الدستورية مبدأ تجريم الامتناع العمد عن تسليم الإرث، وإقرار عقوبة الحبس والغرامة، بقرارها فى الدعوى رقم 23 لسنة 41 قضائية، والتى حكمت فيها برفض دعوى «عدم دستورية» المادة 49 من قانون المواريث.

وفيما يتعلق بالرأى الشرعى، فقد أكدت دار الإفتاء المصرية، فى فتواها رقم 3982، التى أصدرها الدكتور شوقى إبراهيم علام، أن «حرمان النساء من الإرث من كبائر الذنوب، ومخالف لأحكام الميراث الشرعية الربانية، وواحد من مواريث الجاهلية»، وأشارت دار الإفتاء، فى فتواها، إلى نصوص قرآنية وأحاديث شريفة تجرِّم وترهِّب من عدم تنفيذ أحكام المواريث، ومنها قوله تعالى، بعد آيات الميراث فى سورة النساء: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: 13-14]، وكذلك استندت الفتوى إلى حديث النبى، صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ فَرَّ مِنْ مِيرَاثِ وَارِثِهِ، قَطَعَ اللهُ مِيرَاثَهُ مِنَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وقوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ قَطَعَ مِيرَاثاً فَرَضَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ قَطَعَ اللهُ بِهِ مِيرَاثاً مِنَ الْجَنَّةِ».

هبة

وفى هذا الصدد، أكدت هبة عادل، محامية بالنقض ورئيس مجلس أمناء مبادرة «محاميات من أجل العدالة للنساء»، أن حرمان النساء من حقهن فى الميراث ما زال واقعاً، وأن التعديل القانونى جاء عاماً ولم يكن كافياً للقضاء على تلك الظاهرة، وأشارت إلى أن حرمان النساء من الإرث يتخذ أشكالاً عديدة، سواء بالحرمان التام من الميراث، أو عبر الضغط على النساء عبر العنف النفسى أو الجسدى وإجبارهن على توقيع أوراق صورية تفيد بتنازلهن أو حصولهن على حقوقهن، أو بقبولهن بتعويض مادى محدود عن الإرث، مع حرمانهن من تملك الأراضى والعقارات بدعوى عدم تفتت ملكية العائلة. ودعت «عادل» إلى ضرورة تجريم الإكراه على تنازل النساء عن الإرث، وأن تكون عقوبته مشددة، وضرورة تخصيص مادة قانونية لتجريم وتشديد حرمان النساء من الإرث باعتباره جريمة نوعية تستهدف النساء بصورة أكبر، وترتبط بالموروثات الثقافية والاجتماعية، ما يستلزم جهداً مكثفاً لمواجهتها.

«محامية»: القاضى العرفى ليس بديلاً للقانون

وأكدت المحامية بالنقض أن نموذج لجوء النساء للقاضى العرفى لحل مشكلات المواريث هو نموذج متعارف عليه، ولكنه لا يناسب سوى بعض المجتمعات القبلية التى يمتلك فيها القاضى العرفى سلطة واحتراماً لتنفيذ قراراته، وأضافت أنه يجب ألا يكون القاضى العرفى بديلاً عن القانون والقضاء، خاصةً أنه فى كثير من الحالات يقوم، عبر أحكامه، بإرساء الأفكار التمييزية التى تتعارض مع القانون، مشيرةً إلى أنه غالباً ما يحكم، مثلاً، بتعويض النساء عن الأراضى، ويحرمهن من ملكيتها، ويرسِّخ لتلك الجريمة بالمخالفة للقانون. ودعت «عادل» إلى أن يكون عمل تلك الجلسات العرفية خاضعاً لرقابة الدولة وملتزماً بقواعدها.

انتصار

وقالت انتصار السعيد، المحامية بالنقض ورئيسة أمناء مؤسسة «القاهرة للتنمية والقانون»، إن الوحدة القانونية بالمؤسسة تتلقى كثيراً من الشكاوى والاستفسارات المتعلقة بحرمان النساء من الميراث. وأضافت أن أبرز الشاكيات من قرى الصعيد أو المناطق الريفية فى الوجه البحرى، وأشارت إلى أن النساء فى المدن أقل تعرضاً للحرمان المطلق من الميراث، ولكنهن أكثر تعرضاً للترضية، وهى أحد أشكال الحرمان من الميراث، كما يتم عادةً منح المرأة مبلغاً مالياً أقل كثيراً من نصيبها الحقيقى، مقابل التنازل عن نصيبها من الأصول، كالعقارات والأراضى. ولفتت «السعيد» إلى أن غالبية النساء يضطررن، فى كثير من الحالات، للقبول بالترضية بسبب الضغوط الاجتماعية والعائلية، وخشية القطيعة مع الأهل إذا أصرت على الحصول على حقها، كما تتعرَّض بعض النساء للتهديد وللعنف حال إصرارهن على حقوقهن، وغياب الوعى القانونى لدى بعضهن، فضلاً عن قناعة بعض النساء بالموروثات الثقافية التى تشجع سيطرة الذكور على أصول العائلة.

وفى إحدى قرى المنيا، حيث يشيع حرمان النساء من الميراث، تعيش «هناء» التى نشأت مهتمة بالخدمة المجتمعية، فبدأت، قبل نحو 30 عاماً، رحلتها كمعلمة بفصول محو الأمية، وساعدت العشرات من أبناء قريتها على التعلم والحصول على شهاداتهم الدراسية. كانت «هناء» حسنة الحظ، قوية الحجة، مدعومة بقوة من عائلتها، مما ساعد على تمكينها من إرثها فى الأرض التى تمتلكها أسرتها، ولكن هذا الحظ لا يرافق الفلاحات فى قريتها، وفى كثير من أنحاء مصر. بدأت رحلتها فى العمل النقابى عبر تأسيس نقابة لصغار الفلاحين بقريتها «طحا الأعمدة» تعمل من خلالها على التعامل مع التحديات التى تواجهها الفلاحات خصوصاً، ومنها التوعية بأهمية حصول النساء على إرثهن، وسبل التمكين الاقتصادى للنساء.

أكدت «هناء» أن النساء غالباً لا يتم توريثهن الأراضى الزراعية بدعوى عدم تفتيت الملكية الزراعية، ولئلا يخرج إرث العائلة خارجها فى حال زواج السيدة من خارج العائلة. وتعتز «هناء» بما حققته، وتعلن بفخر أنها أول سيدة تؤسس وترأس نقابة بصعيد مصر، ولكن طريقها لم يكن ممهداً فى ظل ثقافة مجتمعية لا تؤمن بأن النساء يمكنهن القيام بأدوار قيادية، حيث واجهت حملات تحريضية من قبَل بعض الذكور، الذين اعتبروا أن تشجيعها النساء للمطالبة بإرثهن يمثل تهديداً لسلطتهم، وقالت فى هذا الصدد: «أنا فلاحة، وأعرف جيداً ما تعانيه الفلاحات، لذا اخترت هذا الطريق رغم صعوبته، والحمد لله حصلت على ثقة حوالى 700 عضوة نسعى لتحسين حياتهن، ومغالبة التحديات الكثيرة التى يواجهنها، ومنها حقوقهن فى الميراث».

حرمان النساء من الميراث «يؤنث الفقر»

وفى تقريره السنوى لعام 2023، وثَّق مكتب الشكاوى، التابع للمجلس القومى للمرأة، تلقيه 456 شكوى من النساء تتعلق بالمواريث، وتتنوع بين دعاوى للمطالبة بحصة ميراثية، ودعاوى الامتناع عن تسليم حصة ميراثية، ودعاوى حجب مستندات الميراث أو الامتناع عن تسليمها. واستعرض التقرير عدداً من الشكاوى التى انتهت بحصول النساء على حقوقهن، وتمكينهن من المستندات، ومعاقبة الممتنع عن تسليم مستحقاتهن. ويحدد المجلس آلية التعامل مع الشكاوى المتعلقة بالحرمان من الميراث، والتى تبدأ باستقبال الشكوى، ثم تقديم المشورة والدعم النفسى الأوَّلى للشاكية، ثم مخاطبة الجهة المعنية، كالنيابة أو وزارة الداخلية أو شبكة المحامين المتطوعين، ومتابعة مسار الشكوى وصولاً لإغلاقها، كما يوفر المجلس القومى للمرأة دعماً للنساء اللاتى يعانين من الحرمان من إرثهن عبر عدد من خطوط المساعدة، ومنها الاتصال بالرقم 15115 للحصول على المساعدة القانونية والاجتماعية، وعبر البريد الإلكترونى (complain.office.2001@gmail.com)، وكذلك عبر تطبيق واتساب من خلال الرقم (01007525600)، أو عبر موقع المجلس، أو صفحة الشكاوى على موقع التواصل الاجتماعى «فيس بوك» (https: //www.facebook.com/15115wco).

وبينما تنتظر «هانم» قراراً من المحكمة بتمكينها وشقيقاتها من إرثهن، وتفخر «هناء» بكونها واحدة من قليلات نجحن فى الحصول على أرضهن، بدعم من عائلتها، تشعر «نادية» بالغضب كلما تذكرت أن عائلتها اضطرتها للعمل «خادمة» فى البيوت بينما كانت تمتلك إرثاً يغنيها عن ذلك، وأنها بعد طول انتظار حصلت على مبلغ ضئيل لم ينقذها من الفقر. تعرب «سماح» وبناتها عن شعورهن بالرضا بما حصلن عليه بعد نزاع طويل مع أعمامهن، وتبقى كثيرات مجبرات، أو مضطرات للقبول بحرمانهن من حقوقهن الشرعية فى الميراث.


مواضيع متعلقة