ثروة عقارية مهملة.. «البحوث الاجتماعية»: 11.8 مليون وحدة سكنية شاغرة في مصر

كتب: كريم روماني

ثروة عقارية مهملة.. «البحوث الاجتماعية»: 11.8 مليون وحدة سكنية شاغرة في مصر

ثروة عقارية مهملة.. «البحوث الاجتماعية»: 11.8 مليون وحدة سكنية شاغرة في مصر

«الشغور السكنى» أو الوحدات الشاغرة.. مُعضلة ظهرت جلياً فى حالة عمرو عمار، صاحب 4 عمارات سكنية فى منطقة شبرا مصر، إذ يصل إجمالى القيمة الإيجارية التى يتحصل عليها شهرياً من العقارات الأربعة إلى 1500 جنيه، فى الوقت الذى تخطت فيه القيمة الإيجارية للشقة الواحدة أكثر من 1500 جنيه، وأضعاف هذا الرقم، حسب المنطقة السكنية. ما بين 7 جنيهات ونصف جنيه، و37 جنيهاً تتراوح القيم الإيجارية للوحدات المملوكة لـ«عمرو»، فيما تتراوح إيجارات المحال بين 108 و213 جنيهاً، موضحاً أنه يتحصل من إجمالى وحدات إحدى العمارات الخاصة به على 320 جنيهاً فقط فى الشهر، وأن هناك 6 وحدات مؤجرة فى الأربع عمارات مُغلقة، وحوالى 5 وحدات يزورها مستأجروها مرة أسبوعياً: «عندى مستأجر سايب كرسى فقط فى الشقة».

ثروة عقارية مُهدرة

بعد أن كبر أبناء «عمار»، فكر كيف يوفر لكل منهم وحدة سكنية، ليكون لكل منهم أسرة، إلا أن فكرته اصطدمت أيضاً بـ«إشكالية الإيجار القديم»: «المستأجر غالبا يرفض ترك الشقة، حتى لو كانت خالية»، مؤكداً أنه حتى الآن لم يتمكن أيضاً من عملية تقسيم العمارات لمنح أشقائه حقهم فى الميراث، مشيداً بما توصلت إليه الدولة فى مسألة الإيجار القديم. تفسيراً لذلك، صدرت دراسة من المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية بعنوان «الشغور السكنى: الحجم والأنماط والتداعيات» للدكتور أحمد حسين حسن، أستاذ علم الاجتماع بالمركز، التى وصفت مشكلة الشغور بأنها ليست جديدة على الفضاءين العمرانى والاجتماعى فى التكوين المصرى المعاصر، بل هى شاخصة منذ أمد بعيد، حيث قُدرت مشكلة الشغور السكنى فى مصر بنحو 11.800.000 وحدة فى مختلف المحافظات.

بحسب الدراسة، فإن ما يعنى بالشغور السكنى، تلك الوحدات الشاغرة سواء المغلقة أو الخالية لمبررات وظروف متباينة على مستوى المعمور المصرى «ريفه وحواضره»، موضحة أن جوهر المشكلة هو الفجوة بين الطلب الظاهر على الوحدات السكنية والمعروض منها على أرض الواقع، وحالة التناقض بين الطلب على الوحدات الموجودة والمعروض منها، وهى مشكلة ما زالت تمثل إحدى القضايا الرئيسية التى تواجه قطاع الإسكان فى مصر، لكنها تقف كأحد المتغيرات الحاكمة فى مؤشرات الإسكان فى المدن المصرية بوجه عام. ذكرت الدراسة التى حصلت «الوطن» على نسخة منها، أنه من المتعارف عليه فى المجتمعات المتقدمة أن ارتفاع نسبة الشغور السكنى يُنتج على الجانب الآخر خفضاً فى أسعار المتاح من الوحدات والعقارات فى نطاق محدد، لكن ذلك يخالف ما يحدث فى الحالة المصرية، فهناك نسبة عالية من الشغور السكنى، بينما فى الوقت نفسه ما زالت أسعار العقارات مرتفعة إلى حد كبير، لذا تنطوى قضية الشغور على أبعاد ليست فقط عمرانية، بل اقتصادية واجتماعية على حد سواء، وعلى الرغم من الجهود الحثيثة التى تبذلها الدولة للاستجابة للرغبات والتفضيلات السكنية للمصريين، فإن التقارير المتاحة تؤكد أن ما يقرب من 30% من الرصيد الإسكانى المتاح فى مصر ما زال معطلاً وغير مستخدم.

مجلس الوزراء: تشكيل لجان حصر تختص بتقسيم المناطق إلى «متميزة ومتوسطة واقتصادية»

للوحدات السكنية التى تنطوى تحت مفهوم «الشغور السكنى»، فى مصر، نمطان: الأول هو الوحدات الخالية التى تم إنشاؤها ولم تتم حيازتها أى غير مباعة سواء كانت مُشطبة أم غير مُشطبة، وبالتالى فهى وحدات لم تسكن ولم يسبق إشغالها بأى شكل من الأشكال حتى وقت الحصر، وتكون هذه الوحدات عادة خالية من الأثاث، وهناك من يُعرّف الوحدة الخالية بأنها الوحدة التى لم يتضح بعد نوع استخدامها لعدم استغلالها وقت الحصر، كما يشتمل تعريف الوحدات الخالية على الوحدات المعروضة للإيجار أو البيع أو لحداثة الإنشاء أو أن قاطنيها مهاجرون أو لاجئون.

أما النمط الثانى، فهو الوحدات المغلقة، وهى وحدات مباعة ولها حائزون فعليون ولكنها غير مأهولة بأصحابها لأسباب مختلفة فى مدينة ما من المدن، وقد يرجع ظرف الإغلاق إلى وجود سكن آخر تقطنه الأسرة وقت الحصر، أو أن الأسرة كانت تشغل الوحدة فيما مضى لكنها انتقلت للسكنى بمكان آخر وتركتها، أو ربما لسفر الأسرة الحائزة خارج البلاد، أو ربما ادخارها العقار الحالى للاستخدام المستقبلى لحين زواج أحد الأبناء كشراء الأسرة لوحدة سكنية أو قطعة أرض لأطفالها يستخدمونها للسكنى بعد سنوات عندما يصلون إلى سن الزواج، أو ربما رغبة فى الاستثمار المستقبلى فى العقار أو ما يطلق عليه ظاهرة «مخزن القيمة»، أى تخزين وتسليع العقارات، حيث الانتظار لعقود من الزمن لحين انتعاش سوق العقارات ثم المضاربة بالشقة أو قطعة الأرض فى سوق العقارات لتحقيق أرباح طائلة.

أسعار الأراضي بمنطقة القاهرة الكبرى ارتفعت لنحو 16 ضعفا خلال السنوات العشر الفائتة

جاءت ظاهرة الشغور السكنى فى مصر كرد فعل لعوامل تاريخية عديدة، منها الديموغرافية والاجتماعية والعمرانية والتشريعية والاقتصادية وغيرها، ما دفع كثيراً من السكان إلى تخزين العديد من الوحدات، رغم الوعى بأهمية الالتزام بقوانين أو تشريعات ونظم ولوائح التخطيط العمرانى، ثمة اتفاق على أن أكثر أسباب الشغور السكنى شيوعاً فى المدن المصرية هو الاستخدام المستقبلى، أى احتفاظ الأسر المصرية بالعقار بنية استخدامه فى المستقبل، والاستثمار المستقبلى أى لاستثماره فى المستقبل أيضاً، وقد يرجع ذلك لكون الإسكان آلية ادخارية جيدة ومضمونة، لذا يحمى المصريون مدخراتهم فى شكل مساكن مُجمدة تستوعب الزيادة فى التضخم، بحسب تحليل الدراسة. هناك أسباب أخرى من بينها عدم وجود أى عقوبة على الاحتفاظ بوحدات خالية، وضآلة الضرائب المقررة على العقارات ومحدودية قيمتها، ما أسهم فى إبقاء هذه المساكن خالية، كما أن هناك عدداً كبيراً من الوحدات غير المباعة بالمشروعات الإسكانية سواء التابعة للمجتمعات العمرانية الجديدة أو القطاع الخاص بسبب ارتفاع أسعارها وارتفاع قيم مقدمات الحجز بما يفوق إمكانات الأسر المستهدفة، وكذا ارتفاع نسبة الفوائد على القروض، فضلاً عن عدم الرضا عن مواقع بعض المدن، وأيضاً هناك أسباب أخرى ولكن ورودها جاء بنسب ضعيفة مثل استمرار النزاع على الإرث أو الجودة الرديئة للمسكن فى ظل عدم قدرة الأسرة على إصلاح العقار وإعادة تشطيبه أو عدم وجود تصريح بناء، أو عدم توافر بنية تحتية فى منطقة السكنى أو نقص الخدمات وعدم توافر المواصلات، بحسب دراسة عبدالفتاح السيد عبدالفتاح، بعنوان «التحليلات التوزيعية والجيو - إحصائية لتركز ظاهرة الوحدات السكنية الشاغرة فى مصر».

دراسة أخرى بعنوان «تضخم ظاهرة الوحدات الشاغرة بالمدن الجديدة بمصر، تحليل الأبعاد الكمية والنوعية وسيناريوهات مستقبلية للتدخل» للباحثة غادة محمود أحمد حسن، ذكرت أن أهم أسباب ارتفاع نسبة الوحدات الشاغرة فى المدن الجديدة، هو صعوبة الحصول على التمويل العقارى لمحدودى الدخل، حيث يستبعد التمويل العقارى الأسر التى يقل دخلها عن حد معين 23 ألف جنيه سنوياً، ما يعنى أنه يستبعد النصف الأفقر من السكان، وفقاً لبيانات مسح الدخل والإنفاق، وكذا ارتفاع تكلفة المساكن وقلة المعروض من الإيجار، والاتجاه إلى التمليك فى أغلب الحالات وعدم تناسب تكلفة السكن مع قدرات ذوى الدخل المنخفض أو المتوسط أو عدم ملاءمة الوحدات للشريحة المستهدفة.

وحول مبررات ارتفاع نسبة الوحدات الشاغرة فى الإسكان المتوسط والفاخر، فقد أبرز الباحثون، وفق الدراسة، عملية المضاربة العقارية وتحوّل الوحدة السكنية إلى «مخزن للقيمة»، حيث شهدت سوق المضاربات العقارية على مدى العقدين الأخيرين تزايداً مستمراً، ما جعل الطلب متزايداً على الأراضى بهدف بيعها عندما ترتفع الأسعار لتحقيق أرباح طائلة، وهنا تحولت الوحدات السكنية إلى «مخزن للقيمة»، فمنطقة القاهرة الكبرى على سبيل المثال ارتفعت أسعار الأراضى بها لنحو 16 ضعفاً خلال السنوات العشر الفائتة، وهناك أيضاً بُعد طبقى مُهم، مفاده زيادة مسطحات أراضى الشرائح الطبقية الثرية أو العليا، حيث أظهر توزيع الأراضى فى القاهرة الجديدة الفوارق الهائلة بين مساحة الأراضى المخصصة لمساكن الطبقة العليا مقارنة بتلك التى تم تخصيصها للشرائح الطبقية الوسطى والفقيرة، فقد تم تخصيص حوالى 90% من الأراضى لأعلى فئتين للدخل واللتين تشكلان فقط 40% من السكان، وهذا يشير إلى زيادة المعروض عن حجم الطلب الحقيقى لهذه الفئة، ما يحوّل تلك الوحدات إلى نوع من الاستثمار ويفاقم من مشكلة الشغور السكنى، وفق ما ذكرته دراسة المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية بعنوان «الشغور السكنى: الحجم والأنماط والتداعيات».

للشغور السكنى أبعاد وتداعيات، فلا يُمكن النظر له فى مصر بمعزل عن تداعيات النمو الحضرى المتسارع الذى شهده المجتمع خلال العقود الأخيرة، والذى أنتج مشكلات اقتصادية واجتماعية وديموغرافية، وكان من بين إفرازات هذا النمو الحضرى المتسارع ظهور مشكلة الوحدات الشاغرة، أى 11.8 مليون وحدة شاغرة، ما يعنى وجود ثروة عقارية مهدرة قدَّرها البعض بأكثر من تريليونى جنيه، بما يبلغ عشرات أضعاف ميزانية الإسكان خلال العقود الأخيرة، بحسب دراسة الدكتور أحمد حسين حسن. بعبارة أخرى تُشير معدلات الشغور العالية إلى الثروة العقارية المتاحة فى مصر، التى من المُمكن أن تتم الإفادة الاقتصادية منها بشكل جيد، حيث تمثل كل وحدة شاغرة وغير مأهولة دخلاً محتملاً لم يتحقق، حسب ما أكدته الدراسة، ما يؤثر على العائد الإجمالى للاستثمار الوطنى، وليس هناك أدنى شك فى أن ازدياد عدد الوحدات الشاغرة يمثل فرصة ضائعة لتأمين سكن لائق لقطاعات مهمة من أفراد المجتمع، خاصة بين الطبقات الفقيرة والدنيا، ويتأكد هذا الموقف عبر ما برهنت عليه بعض الدراسات العربية من أن ارتفاع نسب الشغور السكنى يلازمه فى الغالب ارتفاع فى أسعار الوحدات السكنية المعروضة والتى قد تتزايد مدد شغورها عن العامين وأكثر.

وذكرت الدراسة أنه ربما يحاجج البعض بأن من المهم وجود نسبة من الشغور فى السكن، أى لا بد من وجود نسبة من المساكن الإضافية تُمكّن من تنقلات الأسر أو تحركات السكان لأى سبب من الأسباب أو تحت أى ظرف، كالبحث مثلاً عن فرص عمل أو استخدام بعض الوحدات الشاغرة كمصايف ومشاتٍ، كما أن أى أسرة تريد أن تنتقل من منزلها الحالى، لذا تُعتبر المساكن الاحتياطية عاملاً مهماً فى استقرار أسعار المساكن والإيجارات ومن المهم وجود نسبة من الوحدات السكنية الشاغرة فى الرصيد السكنى لأى دولة لتمكين عملية الحراك أو الانتقال السكانى، والذى يعد بدوره قوة فعالة فى إعادة تشكيل البنى الاجتماعية والاقتصادية والمكانية فى المناطق الحضرية، لكن على الجانب الآخر هناك من يتحدث عن المعدل المقبول للشغور السكنى فى أى مجتمع.

وانطلاقاً مما سبق، استنتجت الدراسة أنه «لا توجد فروق دالة بشأن المستوى الاقتصادى والاجتماعى بين الطرفين تبرر التحكم فى الإيجار لمصلحة المستأجر»، وهو ما يرتبط بأهمية زيادة القيمة الإيجارية بما يواكب ارتفاع الأسعار وتكاليف الصيانة الدورية، ولكسب عائد مادى معقول لأصحاب العقارات، وللحد من ظاهرة الشقق المغلقة، كما تطرقت الدراسة أيضاً لدور الدولة فى تقديم حلول من قبيل فتح الباب لقروض ميسرة لكل من المالك والمستأجر لشراء أو استعادة الوحدة على نهج العديد من المدن الأمريكية.

«المحمدى»: لا توجد فروق دالة بشأن المستوى الاقتصادى والاجتماعى تبرر التحكم فى الإيجار لمصلحة المستأجر

بُعد آخر نوه به الدكتور سامح المحمدى، أستاذ القانون بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، قائلاً: «إن قضية الإيجار القديم تتعلق بالأمن الاجتماعى الذى يعتبر من أهم المبادئ التى ترتكز عليها المجتمعات الحديثة، وقد كان -ولا يزال- الحق فى السكن الملائم من الحقوق الأساسية التى اهتمت بها الوثائق الدولية والإقليمية كافة، وألزمت الدول والحكومات الموقّعة عليها أن تتبناه فى استراتيجيات التنمية كافة التى تقوم بها، وقد نص الإعلان العالمى لحقوق الإنسان على هذا المبدأ، وأكد أن لكل شخص الحق فى مستوى معيشة يكفى لضمان الصحة والرفاهية له ولأسرته، وخاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية».

ختاماً، قدمت الدراسات تصوراً مُهماً لمشكلة الشغور السكنى، وخفض معدلاتها تدريجياً، فمن الضرورة تبنّى سياسات اجتماعية وإسكانية بالأساس تشجع على الحراك إلى التجمعات العمرانية الجديدة وتحفظ الانتقال إليها بالتوازى مع تيسير السبل التنموية لذلك، لتصل معدلات الشغور إلى المعدلات المقبولة عالمياً للدول النامية وهى 8% طبقاً لتوصيات الأمم المتحدة، ويستدعى هذا الموقف عدداً معتبراً من الآليات الاجتماعية والعمرانية والتخطيطية لتحفيز استغلال ورفع كفاءة استعمال الرصيد السكنى غير المستغل أو الشاغر فى مصر، كذلك من المهم تهيئة مناخ جديد يشجع المستثمرين الصغار والمتوسطين على العودة إلى الاستثمار العقارى، هذا بالتوازى مع دراسة أوضاع المستأجرين طبقاً للقانون الجديد بما يضع حلاً لمشكلة تكاليف الإيجار التى تتزايد باستمرار لمدد طويلة، والتى قد تصبح فى مرحلة لاحقة عبئاً على دخولهم، يضطرون معه إلى ترك مساكنهم بحثاً عن مساكن ذات إيجار أقل، وابتكار أساليب جديدة تدفع الفئات وتشجعهم على شغل الوحدات السكنية وأساليب جديدة ربما تتمثل فى فرض ضريبة على الاحتفاظ بالوحدات السكنية خالية أو مغلقة.

واتساقاً مع ذلك، أعلنت وزارة الإسكان والمرافق بدء تلقِّى طلبات المستأجرين المنطبق عليهم قانون الإيجار القديم للحصول على وحدات بديلة فى أول أكتوبر 2025 ولمدة 3 أشهر، وذكرت أن تقديم الطلب سيكون من خلال مكاتب البريد على مستوى الجمهورية، أو المنصة الإلكترونية الموحدة، عن طريق إنشاء حساب إلكترونى يمكن من خلاله متابعة حالة الطلب واستكمال المستندات عند الحاجة، وإدخال البيانات المطلوبة وفقاً للنموذج الإلكترونى للطلب.

حصر الايجارات


مواضيع متعلقة