الاستقواء بالخارج.. «الإخوان» تعاونوا مع بريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى ومع أمريكا بعد «الثانية»
الاستقواء بالخارج.. «الإخوان» تعاونوا مع بريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى ومع أمريكا بعد «الثانية»
كتب: سلمى عبدالمنعم
منذ ما يقرب من قرن، ارتبط اسم تنظيم الإخوان بتاريخ طويل من التحالفات مع قوى خارجية، استخدمتها لخدمة أهدافها على حساب الدولة المصرية، هذه التحالفات لم تكن محض المصادفة أو مواقف مؤقتة، بل كانت جزءاً أساسياً من استراتيجية ممتدة تعكس طبيعة الجماعة وأسلوب عملها.
فى هذا السياق، قال الدكتور جمال شقرة، أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة عين شمس، إن جماعة الإخوان، منذ تأسيسها عام 1928 على يد «حسن البنا» فى الإسماعيلية، ارتبطت بعلاقات مع جهات أجنبية، مشيراً إلى أن أول تمويل حصلت عليه كان 500 جنيه من مدير شركة قناة السويس وقتها، الذى كان على صلة بالمخابرات البريطانية.
وأضاف «شقرة»، لـ«الوطن»، أن الجماعة انخرطت فى العمل السياسى عام 1938، واصطدمت بالقوى السياسية الكبرى فى ذلك الوقت، وعلى رأسها حزب الوفد، قبل أن تنتقل سريعاً إلى ممارسة العنف والاغتيالات، مثل اغتيال النقراشى باشا وأحمد ماهر والقاضى أحمد الخازندار، إلى جانب تنفيذها عمليات إرهابية أخرى.
وتابع: «الإخوان اعتمدوا عبر تاريخهم على الدعم الخارجى، بدءاً من المخابرات البريطانية بعد الحرب العالمية الأولى، ثم الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث احتفظت القوى الغربية بالجماعة كورقة ضغط يمكن استخدامها عند الحاجة، وهو ما تجلى بعد ما عُرف بثورات الربيع العربى».
وأشار إلى أن الاحتماء بالخارج والتحريض على الدولة أسلوب قديم لدى الجماعة، مستشهداً بهروبهم إلى سوريا بعد صدامهم مع الرئيس جمال عبدالناصر ومحاولة اغتياله، والهجوم على اتفاقية الجلاء، ومواصلة العداء ضد الدولة وقيادتها الوطنية بعد فشلهم فى حكم مصر والثورة عليهم فى العام 2013، سواء من خلال الخلايا النائمة فى الداخل أو عبر نشاطهم الدولى.
وكشف أستاذ التاريخ المعاصر عن فضيحة سياسية تمثلت فى اكتشاف تنظيم إخوانى داخل إسرائيل عام 1971 بدعم من الموساد والشاباك، متسائلاً عن غياب الجماعة عن الساحة منذ اندلاع أحداث غزة فى 7 أكتوبر 2023، واقتصار ظهورهم على التظاهر ضد مصر والمطالبة بفتح معبر رفح، متجاهلين سياسات الاحتلال.
وشدد على أن تاريخ الإخوان مزيج من الانتهازية والعنف، واصفاً إياهم بـ«أسوأ فاشية دينية عرفتها مصر».
من جانبه، أكد حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن جماعة الإخوان منذ تأسيسها عام 1928 على يد حسن البنا، ارتبطت منذ اللحظة الأولى بعلاقات مع قوى خارجية، كان أبرزها بريطانيا التى كان لها دور فى دعم نشأتها ضمن سياق صعود الإسلام السياسى فى المنطقة.
وأشار إلى أنه خلال العقد الأول من تأسيسها، ركزت الجماعة على نشر أفكار دعوية واجتماعية قبل أن تكشف فى عام 1938 عن طموحات سياسية واضحة، مع ترشح «البنا» للبرلمان وإصدار مجلة «النذير» التى جمعت بين الإشادة بالملك فاروق والتقرب من سلطة الاحتلال البريطانى، وتابع أن هذه البراجماتية والانتهازية السياسية، بحسب سلامة، ظلت سمة ملازمة للجماعة، سواء كانت تعمل فى العلن أو تحت الحظر.
ولفت إلى أن تاريخ الجماعة حافل بالصدام مع السلطة، فقد واجهت الحظر قبل ثورة يوليو 1952، ثم اقتربت من السلطة الجديدة قبل أن تتصادم معها مجدداً فى عهد جمال عبدالناصر، والذى دفعها إلى العمل السرى وتأسيس مراكز قوة خارجية استعانت بها لاحقاً اقتصادياً وفكرياً، وفى السبعينات تجدد الصراع، وخرجت من عباءتها العديد من التنظيمات المتطرفة والتكفيرية، والتى كان أبرزها تلك التى شاركت فى اغتيال الرئيس أنور السادات.
وفى أحداث 2011 قفزت الجماعة إلى السلطة لكنها أخفقت فى الحكم، إذ غلبت الولاء على الكفاءة وسعت للسيطرة على كل أركان الدولة، مما قاد إلى رفض شعبى واسع وتدخل القوات المسلحة استجابة لمطالب الشارع بعد عام وصفه سلامة بـ«الظلامى».
ويرى «سلامة» أن الاستقواء بالخارج ليس سلوكاً جديداً للجماعة، بل أداة قديمة تلجأ إليها لتعويض ضعف داخلى، إلا أن هذا النهج يتناقض مع طبيعة المجتمع المصرى، مؤكداً أن الوعى الشعبى إلى جانب الجهود الأمنية والفكرية والتنموية، تسد أى منافذ لمحاولاتهم العودة إلى المشهد، وتجعل من تكرار سيناريو صعودهم أمراً مستبعداً.
وأشار إلى أنه بعد قيام ثورة يوليو 1952، نشأت علاقة تعاون بين الإخوان و«الضباط الأحرار»، خاصة مع جمال عبدالناصر، إذ دعموا الثورة فى بدايتها، غير أن الخلافات ظهرت سريعاً بعد رفض «عبدالناصر» منحهم نفوذاً سياسياً واسعاً، وبلغ التوتر ذروته فى حادث المنشية بالإسكندرية عام 1954، حين اتهمت السلطات الجماعة بمحاولة اغتيال «عبدالناصر» أثناء إلقائه خطاباً جماهيرياً.
أعقب ذلك حملة اعتقالات كبرى، ومحاكمات انتهت بإعدام عدد من قيادات الجماعة وسجن المئات منهم.
وتابع: «فى عهد الرئيس أنور السادات، اتجهت الدولة إلى الإفراج عن أعضاء الجماعة وإتاحة العمل لهم فى المجال الاجتماعى والدعوى، مستفيداً من قوتهم فى مواجهة التيارات اليسارية، إلا أن نفوذهم المتزايد فى الجامعات والنقابات أدى إلى عودة التوتر، خاصة مع اقترابهم من العمل السياسى المنظم».
وأشار إلى أنه مع بداية حقبة التسعينات، ظلت الجماعة تعمل بشكل غير رسمى لكنها شاركت فى الانتخابات عبر مرشحين مستقلين، ووسعت نشاطها داخل النقابات المهنية، مضيفاً أنه بعد ثورة يناير 2011، برز الإخوان كأقوى تنظيم سياسى منظم، وتمكنوا من السيطرة على البرلمان، ثم فاز مرشحهم محمد مرسى برئاسة الجمهورية فى يونيو 2012، لكن فترة حكمهم القصيرة اتسمت بصراعات سياسية وانقسامات مجتمعية وأزمات اقتصادية، وانتهت بعزل «مرسى» فى 3 يوليو 2013 عقب مظاهرات 30 يونيو الحاشدة.
ونوه بأنه رغم هذه الضغوط، سعى عناصر الإخوان لإثبات حضورهم فى المشهد السياسى والاجتماعى من خلال الجمعيات الخيرية، والنشاط الدعوى، ومحاولة التأثير فى الرأى العام عبر منصات إعلامية، سواء داخل مصر أو من الخارج.
وأضاف أن الدولة استمرت فى ملاحقتهم أمنياً وسياسياً، وهو ما جعل نشاطهم العلنى شبه متوقف داخل البلاد حتى اليوم، بينما يحاولون الظهور بين الحين والآخر بوسائل غير مباشرة أو عبر تحالفات خارجية لم تحقق لهم العودة التى يسعون إليها.
وأكمل: «فى ظل المشهد السياسى الحالى، تبدو الدولة حاسمة فى موقفها من جماعة الإخوان، إذ تعتبرها تنظيماً خارجاً على القانون وتهديداً للأمن القومى، ويأتى هذا فى إطار سياسة أوسع تهدف إلى تثبيت الاستقرار الداخلى ومنع عودة أى قوى تسعى لإعادة إنتاج أزمات الماضى».
وأشار إلى أنه على الرغم من محاولات الجماعة الظهور أو التأثير السياسى عبر قنوات مختلفة، فإن الحياة السياسية تسير اليوم فى اتجاه إغلاق أى مساحات يمكن أن تعيدهم إلى الواجهة، مع تركيز الجهود على دعم القوى التى تعمل داخل الإطار الدستورى والقانونى.