د. كازوشي ياماموتو يكتب لـ«الوطن»: التعايش الاستراتيجي في الشرق الأوسط الجديد
د. كازوشي ياماموتو يكتب لـ«الوطن»: التعايش الاستراتيجي في الشرق الأوسط الجديد
مع دفع إدارة «ترامب» فى ولايتها الثانية نحو «صفقة السلام (إطار السلام والازدهار)» التى تجمع بين الردع العسكرى والتعاون الاقتصادى، يواجه الشرق الأوسط مفترق طرق يتمثل فى اصطفافات جديدة وسط تآكل النظام التقليدى.
لقد كشف الصراع المحدود بين إسرائيل وإيران عن «الوضع الطبيعى الجديد» الذى تحدد فيه الهيمنة فى الحرب التكنولوجية والسيبرانية أمن حياة الناس اليومية، متجاوزة مجرد النصر أو الهزيمة العسكرية.
كما تواجه الدول العربية السؤال الجوهرى: كيف تعزز التعاون مع احترام أصوات مواطنيها وروابط مجتمعاتها، فى ظل جمود الأطر المركزية وتضخم المصالح الثنائية؟
تقترح هذه الورقة دلالات سياسية تستند إلى احترام الثقافة والعدالة التاريخية من ثلاثة أبعاد ضمن «التعايش الاستراتيجى القائم على الاحترام المتبادل والمكاسب المشتركة»:
1- المزايا متعددة الطبقات لإسرائيل وتردد الدول العربية
عززت إدارة «ترامب» قدرات إسرائيل الدفاعية فى مجالات «الجو، البر، والفضاء السيبرانى» عبر دعم الضربات الجوية، والمناورات العسكرية المشتركة، وتزويدها بالطائرات دون طيار وتقنيات الدفاع السيبرانى.
على وجه الخصوص، عملت ضربات صواريخ «توماهوك» ضد المنشآت النووية الإيرانية كاستراتيجية ردع منخفضة المخاطر وعالية الأثر، لكنها أثارت فى المقابل أعمالاً انتقامية طالت المدنيين فى سوريا ولبنان، ما أدى إلى زيادة اللاجئين وتدمير سبل عيشهم.
من ناحية أخرى، تتمتع السعودية والإمارات ومصر بفرص استثمار وفيرة وثمار التعاون التكنولوجى، لكنها تتحمل أيضاً مسئولية إعادة اللاجئين الفلسطينيين والمساعدات الإنسانية والاستقرار الاجتماعى الإقليمى.
ما هو مطلوب هنا ليس «عداء غير مشروط» ولا «مصالحة أحادية»، بل نهج يؤكد على الوسطية وبناء الثقة، ويشمل تحديداً ما يلى:
■ عملية سلام فلسطينية قائمة على مؤشرات الأداء الرئيسية: تنفيذ تطبيع تدريجى للعلاقات الدبلوماسية استناداً إلى التقدم فى ضمان حق العودة وإعادة بناء البنية التحتية المعيشية.
■ برنامج تجريبى ثلاثى مشترك للطائرات دون طيار والأمن السيبرانى: تأمين طرق المساعدات الإنسانية بإشراف الأمم المتحدة مع تحسين القدرات الأمنية من خلال تبادل التكنولوجيا.
ومن خلال مثل هذه الإجراءات، يمكن إعادة توظيف التقنيات الإسرائيلية فى القطاعات المدنية مثل التعليم والصحة والرى، ما يعزز السلامة العامة ويحقق استقراراً طويل الأمد فى المنطقة.
2. إعادة هيكلة عملية تركز على مشاركة المواطنين فى المجتمع العربى
واجهت جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجى تحديات بسبب الصراعات السياسية بين الدول الأعضاء وجمود عمليات اتخاذ القرار المركزية.
ومع ذلك، أظهرت نماذج التعاون الدولى المتنوعة التى أبرزتها «اتفاقيات إبراهيم» إمكانيات نماذج التعاون الصغيرة الموجهة نحو النتائج مثل «الإطار المصغر لاتفاقيات إبراهيم» الذى أنشأته مصر والأردن والسعودية والإمارات.
ينبغى لصانعى السياسات إشراك المجتمع المدنى (المنظمات غير الحكومية، الزعماء الدينيين والقبليين، جمعيات الهلال الأحمر، إلخ) فى المشاورات الحكومية وترسيخ تعاون «فوق إقليمى» مرن فى المجالات الثلاثة التالية:
■ أمن الطاقة: إنشاء محطات إنتاج الهيدروجين الأخضر، ومشاركة محطات الطاقة الشمسية والبنية التحتية للنقل مع خلق فرص عمل للمجتمعات المحلية.
■ الاقتصاد الرقمى: تشغيل مراكز بيانات مشتركة داخل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتوحيد المعايير السيبرانية، مع إقامة إطار للابتكار المفتوح يشمل الجامعات والشركات الخاصة والمبتكرين الشباب.
■ إعادة هيكلة سلاسل الإمداد: تطوير شبكة لوجيستية تربط الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا عبر مسارات متعددة، وتطوير البنية التحتية للموانئ على الساحل المتوسطى بالشراكة مع «الأونكتاد» والقطاع الخاص.
علاوة على ذلك، سيتم إدخال نظام رئاسة دورية ولجان خبراء ومجالس استشارية للمواطنين لكل مشروع لضمان سرعة وشفافية اتخاذ القرارات بما يعكس أصوات السكان المحليين.
3- التعاون التعايشى مع إدارة «ترامب»
طرحت إدارة «ترامب» الثانية ثلاث ركائز قائمة على «السلام من خلال القوة»: توسيع «اتفاقيات إبراهيم»، وتعميق التعاون الدفاعى، وتعزيز التحديث من خلال حزمة اقتصادية.
■ توسيع الاتفاقيات: تسعى الإدارة إلى ضم السعودية والمغرب وحتى لبنان والعراق، وتقديم نموذج للاندماج الإقليمى قائم على تعايش الأديان والأعراق المتعددة.
■ التعاون الدفاعى: من خلال الشراء والتشغيل المشترك لمقاتلات إف-35 وأنظمة الدفاع الصاروخى، تهدف الإدارة إلى تحقيق تقاسم للتكاليف ونقل التكنولوجيا مع تعزيز التعاون الإنسانى مع وكالات الأمم المتحدة، مثل الهلال الأحمر و«يونميس».
■ الحوافز الاقتصادية: تأسيس صندوق لتطوير الطاقة المتجددة والمدن الذكية بالتعاون مع شركات التكنولوجيا الخضراء الأمريكية لبناء قاعدة اقتصادية مستقلة غير معتمدة على مبادرة «الحزام والطريق» الصينية.
عند الاستفادة من هذه الأطر، يُطلب من الدول العربية إعطاء الأولوية الوطنية (حل القضية الفلسطينية، الحياد الدينى والثقافى، واحترام حقوق الإنسان) فى المفاوضات، واعتماد نهج استراتيجى يمكنها من ممارسة قيادة طويلة الأمد.
■ الخاتمة
إن «الشرق الأوسط الجديد» نظام معقد تتقاطع فيه ثلاثة اتجاهات: قوة الردع لتحالف إسرائيل - الولايات المتحدة، التعاون العربى اللامركزى، والتعاون متعدد الطبقات بمشاركة المجتمع المدنى.
يتوقع من صانعى السياسات أن يتجاوزوا السياسات العسكرية والاقتصادية البحتة لبناء «استراتيجية وطنية شاملة» تحترم القيم المحلية، مثل الضيافة وروح المجتمع، مع دمج مجالات التعاون الجديدة كقطاع الطاقة والتكنولوجيا الرقمية والبيئة.
فلنبنِ ازدهاراً مستداماً بقيادة إقليمية يقوم على العدالة التاريخية والثقة المتبادلة من خلال تراكم المشاريع الصغيرة التى تحقق نتائج ملموسة.
* أستاذ القانون الدولى - اليابان