تجار يكشفون الأساليب الخفية لذبح الحمير وتهريب جلودها.. وخبراء يقترحون إنشاء مزارع رسمية لتربيتها

كتب: منى السعيد

تجار يكشفون الأساليب الخفية لذبح الحمير وتهريب جلودها.. وخبراء يقترحون إنشاء مزارع رسمية لتربيتها

تجار يكشفون الأساليب الخفية لذبح الحمير وتهريب جلودها.. وخبراء يقترحون إنشاء مزارع رسمية لتربيتها

لم يتخيل إيهاب محمود، مُزارع بسيط من قرية مجاورة لشبين الكوم فى محافظة المنوفية، أنه سيبيع حماره العجوز الذى رافقه لأكثر من عقدين، بعدما وهن بفعل الزمن. لكن خلال وجوده فى السوق عرض عليه أحد التجار شراء حماره بمبلغ 3 آلاف جنيه، فى البداية ظنّ أنه يمزح معه أو يحاول السخرية منه، لكن مع إصرار التاجر، لم يلبث أن وافق على العرض الذى قدَّمه خلال دقائق قصيرة.

شعر «إيهاب»، وهو اسم مستعار، بالحزن بعد أن عاد لمنزله دون حماره الذى شهد العديد من الأحداث بداية من ذهابه إلى المدرسة الابتدائية، وحتى مساعدته فى حرث الأرض، وإعادته إلى منزله مرة أخرى، لذا حاول البحث لاحقاً عن ذلك التاجر لكنه لم يجده، وما لفت انتباهه بشدة هو أنه فى نفس اليوم تم شراء ما بين 10 إلى 15 حماراً من أهل القرية ومن نفس التاجر.

بعد أيام قليلة فزع «إيهاب» وأهالى قريته عندما عثروا فى مياه المصرف الزراعى على جثث عدد من الحمير المذبوحة، وكانت الصدمة كبيرة بالنسبة لـ«إيهاب» الذى تعرَّف على حماره العجوز، حيث كان على وجهه علامة مميزة وهى جرح قديم، ما جعله يشعر بالندم.

انخفاض أعداد الحمير

تساؤلات كثيرة خطرت على بال «إيهاب» بعد تلك الواقعة عن سبب ذبح الحمير، لكنه استبعد أن تكون لحومها هى السبب، لأن أجساد الحمير وُجدت فى المصرف، لكن بقى سؤال عالق فى ذهنه: لماذا يتم دفع مبلغ لشراء حمار طاعن فى السن لا فائدة منه فى العمل أو التنقل.. تلك الواقعة التى كشف عنها الشاب كانت شبيهة بعدة حوادث كشفت عنها وزارة الداخلية، فخلال عام 2023 فقط تم إعلان ضبط عدة تشكيلات إجرامية متخصصة فى ذبح الحمير وسلخ جلودها، فى محافظات مختلفة، مثل الشرقية والغربية والمنوفية والمنيا والفيوم والبحيرة.

أبرز تلك القضايا وقعت فى فبراير 2023 بمدينة العاشر من رمضان بمحافظة الشرقية، حيث انتشر فيديو لرؤوس حمير مذبوحة وملقاة على قارعة الطريق، ما أثار رعب الأهالى الذين اشتبهوا أولاً فى أن تلك الواقعة كان الهدف منها الحصول على لحومها وبيعها بشكل غير قانونى بسبب ارتفاع أسعار اللحوم، لكن اتضح فيما بعد أن الحمير كانت مسلوخة فقط بغرض الحصول على جلودها.

وفى مارس من العام نفسه عثر الأهالى فى إحدى قرى الغربية على 25 حماراً مسلوخة ومنزوعة الكبد، وأعلن الطب البيطرى بالمحافظة وقتها، فى بيان رسمى، أن هذه الواقعة كانت ضمن 11 حالة مماثلة تم رصدها فى المحافظة خلال أشهر قليلة، مؤكداً أن الهدف الأساسى من الذبح هو استغلال جلود الحمير للتصدير أو التصنيع.

نقيب الفلاحين: 2 مليون حمار اختفت خلال العقد الأخير

نقيب الفلاحين، حسين أبوصدام، أكد، لـ«الوطن»، أن أعداد الحمير انخفضت فى مصر بشكل ملحوظ، إذ اختفى خلال العقد الأخير نحو 2 مليون حمار، لتصبح الثروة التى تمتلكها مصر من الحمير تُقدَّر بمليون حمار فقط، مقابل 3 ملايين عام 2011، حسب قوله.

وبحسب اعتقاد «أبوصدام»، فإن هذا الانخفاض يحدث أساساً بسبب ذبح هذا الحيوان للحصول على جلده وليس لحمه كما يعتقد الكثيرون، وذلك بسبب زيادة الطلب على جلود الحمير من الصين وارتفاع سعرها، بالإضافة إلى تخلى جانب من الفلاحين المصريين عن الحمير لارتفاع تكلفة أعلافها ورعايتها، والتحول إلى وسائل نقل حديثة مثل «التروسيكل».

وكان رئيس الإدارة المركزية للخدمات والإرشاد بالهيئة العامة للخدمات البيطرية الدكتور بركات محمد قال، فى تصريحات صحفية فى مايو الماضى، إن أعداد الحمير فى مصر مستقرة ولم تشهد التراجع الحاد الذى يتم تداوله، إلا أنه أوضح أن آخر إحصاء رسمى صادر عن جهاز التعبئة العامة والإحصاء أظهر أن عدد الحمير والبغال والخيول بلغ نحو 523 ألف رأس عام 2020، فيما ارتفع العدد وفق أحدث حصر لعام 2024 إلى أكثر من 632 ألف رأس.

بينما كان رئيس إدارة الخدمات والإرشاد بالهيئة العامة للخدمات البيطرية يحاول نفى ما يتم تداوله عن الانخفاض الحاد فى أعداد الحمير فى مصر، فإنه كشف عن رقم يقل بوضوح عن الرقم الذى سبق أن أشار إليه نقيب الفلاحين، ناهيك عن أنه يضم معه أيضاً الخيول والبغال إلى جانب الحمير.

الصين.. المستورد الأكبر

وبحسب تقارير لمنظمة «بروك» الدولية، المتخصصة فى رعاية الحمير والأحصنة حول العالم، ومقرها المملكة المتحدة، فإن الصين هى المستورد الأكبر لجلود الحمير فى العالم، حيث تدخل فى صناعة مُستحضر كان يُستخدم فى الطب الشعبى الصينى القديم، يُعرف باسم «إيجياو»، وهو مادة جيلاتينية يتم استخراجها بعد تسخين وغلى جلود الحمير، وحديثاً تدخل مادة «إيجياو» فى صناعات متعددة للغاية فى الصين، بداية من مستحضرات التجميل والعلاج، وحتى بعض المواد الغذائية، ويُقبل على شرائها نسبة مرتفعة من الطبقة المتوسطة الصينية، وهو ما أدى لزيادة الطلب على جلد الحمير، طبقاً لمنظمة «بروك».

وبحسب تقرير للصحيفة الصينية «ساوث شاينا مورنينج بوست»، الناطقة باللغة الإنجليزية، التى تصدر فى هونج كونج، فإن الصين تواجه نقصاً حاداً فى أعداد الحمير محلياً، ففى عام 1990 كان عدد الحمير حوالى 11 مليون رأس، لكنه انخفض إلى نحو 3 ملايين فى عام 2017، ثم وصل إلى حوالى 1.74 مليون حمار فى 2022، يأتى هذا فى الوقت الذى تقوم فيه بكين باستهلاك نحو 6 ملايين جلد حمار سنوياً لتغطية طلب السوق، وهو ما يجعلها تنظر إلى الدول الأفريقية كمصدر رئيسى للحصول على جلود الحمير.

مسئول بـ«الخدمات البيطرية»: عدد الحمير والبغال والخيول ارتفع من 523 ألف رأس فى 2020 إلى 632 ألفاً عام 2024

ويؤكد الدكتور يوسف العبد، عضو مجلس النقابة العامة للأطباء البيطريين، أن ارتفاع طلب الصين على جلود الحمير، أدى بالفعل إلى تراجع أعدادها بشكل كبير حول العالم، موضحاً أنه يتم استخدام تلك الجلود فى استخراج مادة الـ«إيجياو»، التى باتت سوقاً اقتصادية ضخمة فى القارة الآسيوية، وتدخل فى مستحضرات التجميل والطعام سريع التحضير، وحتى الأدوية.

ويضيف «العبد»: «على الرغم من أنه لا يوجد دليل علمى أو طبى عالمى يثبت أو ينفى تلك المعلومة فإن المعتقدات الشخصية لدى المواطنين تجعل استهلاكها بين الطبقات العاملة يرتفع يوماً بعد يوم»، مشيراً إلى أن زيادة الطلب تؤدى إلى زيادة أعداد الحمير التى يتم ذبحها سنوياً.

عضو بمجلس الأطباء البيطريين: ارتفاع الطلب الصينى على مادة «إيجياو» المستخلصة من الجلود وراء تقلص أعدادها عالمياً

ويشير عضو مجلس نقابة الأطباء البيطريين إلى أن مصر بالفعل شهدت فترات كان فيها ذبح الحمير يتم بشكل غير مشروع، مشيراً لاعتقاده بأن الدولة شددت الرقابة فى السنوات الأخيرة وواجهت هذه التجارة، لتصبح الظاهرة نادرة جداً الآن، حسب تعبيره.

بيزنس جديد

غير أن «نقيب الفلاحين»، حسين أبوصدام، يرى أن ذبح الحمير من أجل الحصول على جلودها لا يزال مستمراً على نطاق واسع، حسب تأكيده، حيث: «أصبح هناك بيزنس جديد مبنى على جلد الحمار، ليس على فائدته الحقيقية فى الزراعة أو النقل، لكن من خلال الحصول على جلد الحمار فقط»، وإن كان هذا البيزنس، وفقاً لنقيب الفلاحين، لا يعود بأى فائدة تُذكر على الفلاح، الذى يبيع الحمار بأسعار متدنية مقارنة بالمكاسب التى يحققها الوسطاء والمصدرون.

«وتسبب هوس بعض التجار بشراء الحمير، فى رفع أسعارها»، بحسب ما يذهب «أبوصدام»، حيث أصبحت تتراوح ما بين 4 إلى 15 ألف جنيه، فى حين كانت منذ نحو 10 سنوات ما بين 2 إلى 5 آلاف جنيه، ويؤكد أن السبب الرئيسى لهذا الارتفاع هو أن سعر جلد الحمار الواحد قد يصل فى بعض الأحيان إلى 600 دولار، أى ما يعادل «29 ألف جنيه» تقريباً، بينما يباع الحمار الحى بأقل من ذلك بكثير، ما يشجع على ذبح الحمير وتهريب جلودها خارج الأطر الرسمية، والأخطر مما سبق، وفق ما يقول نقيب الفلاحين، أن لجوء هؤلاء التجار إلى ذبح الحمير من أجل الحصول على جلودها بشكل غير شرعى، قد يدفع البعض منهم لتحقيق مكاسب أكبر من خلال بيع لحومها لبعض المطاعم، حسب قوله.

حظر قانونى

ويحظر القانون المصرى ذبح الحمير للاستهلاك الآدمى بموجب قرار وزير الزراعة رقم 517 لسنة 1986 الصادر بموجب قانون الزراعة رقم 53 لسنة 1966، ويقيد القرار الذبح بالمجازر الرسمية فقط، وتنص المادة رقم (3) من القرار صراحة على أنه «لا يجوز الذبح لغرض الاستهلاك الآدمى، سوى للأبقار والجاموس والماعز والجمال والخنازير والدواجن»، ومن يثبت قيامه بذبح الحمير، فإنه يعاقب وفق المادة (357) من قانون العقوبات، المختصة بقتل أو إيذاء الحيوانات المستأنسة الأخرى، والتى تنص على «الحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر أو غرامة لا تزيد على 200 جنيه، بينما يُعد بيع لحوم الحمير للاستهلاك جريمة غش تجارى، وفقاً لقانون العقوبات وقانون حماية المستهلك، وتصل عقوبتها إلى السجن ثلاث سنوات وغرامة مالية.

لكن رغم ما سبق، تسمح الدولة بتجارة جلود الحمير طبقاً لنسب وضوابط معينة، وذلك بموجب قرار وزارة الصناعة والتجارة رقم 692 لسنة 2012، الذى يتيح تصدير 8000 جلد حمار سنوياً، على أن تصدر الموافقات التصديرية من الهيئة العامة للخدمات البيطرية بوزارة الزراعة، لكل رسالة على حدة وفى حدود الحصة السنوية.

وتنص المادة الأولى من هذا القرار على أنه: «تُستثنى جلود الحمير من حظر تصدير الجلود الواردة بالقرار الوزارى رقم 304 لسنة 2011، المشار إليه فى حدود كمية مقدارها 8000 جلد حمار سنوياً، على أن تصدر الموافقات التصديرية من الهيئة العامة للخدمات البيطرية بوزارة الزراعة لكل رسالة على حدة وفى حدود الحصة السنوية».

أما المادة الثالثة من نفس القرار فتنص على: «تقوم الهيئة العامة للخدمات بإخطار قطاع التجارة الخارجية بصفة دورية وفورية بصورة من الموافقات التصديرية التى يتم إصدارها، على أن يقوم قطاع التجارة الخارجية بالتنسيق مع مصلحة الجمارك والهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، بالمتابعة وإحكام الرقابة على ما يتم تصديره فى حدود الحصة السنوية المسموح بتصديرها، وتقوم لجنة من هيئة الرقابة على الصادرات والواردات ومصلحة الجمارك بالتأكد من أن الأصناف المصدرة هى جلود حمير وليست من الأصناف المحظور تصديرها».

رغم الضوابط المنصوص عليها لذبح الحمير والتجارة فى جلودها، يشير «نقيب الفلاحين» إلى أن ظاهرة الذبح العشوائى للحمير انتشرت فى عدد من القرى، ووقع العديد من هذه الحوادث، كما حدث فى المنوفية عام 2021، حيث تم العثور على أكثر من 100 حمار مذبوح بهدف الحصول على جلودها، حسبما أفادت بيانات رسمية وقتها، وشدد «أبوصدام» على أنه «يجب تعديل القوانين بحيث تسمح بالتصدير وفق معايير صارمة، ولو من خلال مزارع رسمية، بشكل يُحقق عوائد اقتصادية ويحافظ فى نفس الوقت على الثروة الحيوانية».

«الجباس»: هناك حالات يجرى فيها شحن جلود الحمير داخل حاويات تضم منتجات أخرى مصرَّحاً بتصديرها.. وبعض التجار يستغلون التصاريح الرسمية لتهريب كميات إضافية

ويؤكد عبدالرحمن الجباس، نائب رئيس غرفة دباغة الجلود باتحاد الصناعات المصرية، أن تصدير جلود الحمير من مصر يعتبر تجارة مشروعة، ولكن فى حدود نسبة تُقدر بـ8 آلاف جلد حمار سنوياً، تم الاتفاق عليها بين غرفة صناعة الجلود ووزارتى الزراعة والصناعة والتجارة، وصدر بها قرار من وزارة الصناعة، مشيراً إلى أن هذه الحصة تهدف لتنظيم عملية التصدير حفاظاً على الثروة الحيوانية، خاصة أن الحمير لا تزال تُستخدم كوسيلة نقل، كما تساعد الفلاح فى الأعمال الزراعية.

تصدير جلود الحمير

وأشار «الجباس» إلى أن تصدير جلود الحمير من مصر يتم وفقاً لإجراءات رسمية، حيث يتقدم المُصدِّر المعتمد بتجارة الجلود «وعددهم يتراوح ما بين 6 إلى 10 مصدرين رسميين فقط»، بطلب للحصول على تصريح لتصدير عدد محدد من الجلود وفق تعاقده مع الجانب الصينى، وبناءً على المتاح من كوتة جلود الحمير، يتم منحه الترخيص مقابل رسوم، وبحسب المادة الثانية فى قرار 692 لعام 2012 الصادر عن وزير التجارة والصناعة، بشأن رسوم تصدير جلود الحمير، يتم فرض رسم صادر قيمته 50 جنيهاً على جلد الحمار الخام، و30 جنيهاً على جلد الحمار المحنط.

ورغم الإجراءات التى وضعتها الدولة لتنظيم تلك العملية، فإن زيادة الطلب وارتفاع سعر جلود الحمير، تدفع بعض التجار إلى تهريبها بطرق غير شرعية، من خلال طرق ملتوية، حسبما يؤكد «الجباس» الذى يُعدد هذه الطرق، قائلاً: «هناك حالات تهريب يتم فيها شحن جلود الحمير داخل حاويات تضم منتجات أخرى مصرحاً بتصديرها إلى الصين».

تاجر جلود مُعتمد: ضعاف النفوس يلجأون للتهريب ويحصلون على الجلود من السيرك والحدائق الخاصة

وإلى جانب الطريقة السابقة، يشير نائب رئيس شعبة دباغة الجلود إلى أن بعض التجار الذين يحصلون على تصاريح رسمية للتصدير، يستغلونها لتهريب كميات إضافية، قائلاً: «يعنى ممكن التاجر يكون معه تصريح بتصدير 2000 جلدة مثلاً، لكنه يقوم بشحن 5000، وفى حالة تم كشفه يتحجج بأن معه تصريحاً رسمياً»، ويؤكد «الجباس» أن هذه ممارسات فردية ناتجة عن ضعف الرقابة فى بعض المنافذ الجمركية، مشيراً إلى أن كل القطاعات مُعرضة لمثل هذا النوع من التلاعب، حسب قوله.

أعلى من الأرقام الرسمية

ويؤكد المهندس محمود سراج، رئيس المجلس التصديرى للجلود، ما ذهب إليه نائب رئيس غرفة دباغة الجلود باتحاد الصناعات المصرية، سابقاً، عن تهريب كميات إضافية من جلود الحمير تفوق النسب والأرقام والرسمية، ويقول: «رغم أن هناك قراراً رسمياً يُحدد أعداد جلود الحمير المسموح بتصديرها بـ 8000 جلدة سنوياً، إلا أن الكميات الفعلية التى يتم تصديرها أعلى بكثير»، لافتاً إلى أن التهريب لا يكون فى جلود الحمير فقط، بل ربما يشمل جلوداً خام أخرى غير مرخصة، حسب قوله.

وأضاف: «الرقابة على تصدير جلود الحمير هى مسئولية الجمارك، وذلك من خلال تتبع أوزان الشحنات، لكن الرقابة مش دايماً بتكون صارمة، وده بيخلينا نخاف من احتمالية تهريب جلود خام غير مرخصة»، وتابع: «كل شهادة تصدير لجلود الحمير لازم تُقارن بوزن الشحنة.. يعنى لو عندى كونتينر وزنه 20 طن، ومتوسط وزن الجلد 10 كيلو، يبقى الشحنة دى فيها 2000 جلد حمار، والعدد ده لازم يتخصم من الكوتة الإجمالية.. لكن اللى بيحصل أحياناً إن الأوزان ما بتتطابقش مع البيانات المكتوبة».

وتابع: «المفروض إنه يكون هناك تنسيق ما بين الحجر البيطرى والجمارك وهيئة الرقابة على الصادرات.. الحجر البيطرى مثلاً مسئول عن إصدار الشهادة البيطرية، لكن الأهم أن تكون هناك متابعة دقيقة على أرض الواقع ومراجعة فعلية للكمية اللى بتتصدر».

وكان موقع «ساوث شاينا مورنينج بوست» الصينى، أفرد تقريراً موسعاً عن ضبط عدة عمليات تهريب لجلود الحمير من مصر إلى الصين، كاشفاً عن أن جمارك هونج كونج ضبطت فى الفترة ما بين سبتمبر ونوفمبر 2023 نحو 3 عمليات لتهريب فى حاويات وصل وزنها نحو 17 طناً، حيث يتم تهريب الجلود عبر فيتنام كميناء وسيط وتصل لهونج كونج.

غياب الإحصائيات الرسمية

ويلفت عبدالرحمن الجباس، نائب رئيس غرفة دباغة الجلود باتحاد الصناعات المصرية، إلى أن استمرار تجارة الجلود المهربة يحدث نتيجة أيضاً لغياب منظومة دقيقة لحصر الثروة الحيوانية، ما يُضعف الرقابة ويجعل تتبع حركة الحمير صعباً، لا سيما أن كثيراً منها لا يمتلك أى بطاقة تعريف أو رقم تسجيلى كما هو الحال فى بعض الدول الأخرى، حسب قوله.

ويشير إلى اعتقاده بأنه يمكن تحقيق فائدة اقتصادية عظيمة من تصدير جلود الحمير، مع الحفاظ على الثروة الحيوانية أيضاً، موضحاً أن ذلك يكون من خلال وجود إصلاح تشريعى ورقابى مُحكم يضمن ضبط سوق الجلود وحماية الثروة الحيوانية من التهريب والاستغلال، ومنع التلاعب بحقوق المستهلكين وصحة المواطنين.

وفى هذا السياق، يتحدث سعد عرابى، أحد تجار جلود الحمير المعتمدين لدى اتحاد الصناعات المصرية، واصفاً سوق تصدير جلود الحمير بالواعد، مؤكداً أنه يُمكن أن يصبح مشروعاً استثمارياً دولياً على أرض مصرية، ويُحقق مكاسب اقتصادية تصل لمليارات الدولارات سنوياً فى ضوء الاحتياجات السنوية الضخمة للصين من جلود الحمير، لكن بشرط تقنينه وتنظيمه.

خلال السنوات الأخيرة شهدت سوق الإيجياو فى الصين توسعاً لافتاً، فبحسب تقديرات مركز تشيان تشان للأبحاث الصناعية بلغ حجم السوق عام 2013 نحو 3.2 مليار دولار، وقد قفز إلى 7.8 مليار دولار، ومع استمرار الطلب تُشير توقعات موقع «شاينا آى آر إن» الاقتصادى، إلى أن السوق قد تتجاوز 30.9 مليار دولار مدفوعة بزيادة الطلب على المنتجات التى تدخل تلك المادة فى صناعتها وبالأخص المكملات الغذائية ومستحضرات التجميل، حيث ستصل لـ38.1 مليار دولار بحلول 2033.

كوتة ثابتة تحتاج لزيادتها

وبحسب «سعد عرابى»، تاجر الجلود، فإن التجار يحصلون على جلود الحمير من حدائق الحيوان العامة والسيرك القومى، حيث يتم ذبح الحمير الطاعنة فى السن والمريضة وإطعامها إلى الحيوانات المفترسة، فيما يتم بيع جلودها إلى التجار، وأوضح أنه رغم وجود حركة توسعات فى استيراد الحيوانات المفترسة مع انتشار السيرك الخاص، والحدائق المفتوحة التى تحتوى على حيوانات مفترسة تتغذى على لحوم الحمير، فإن كوتة «جلود الحمير» لا تزال ثابتة منذ أكثر من 12 عاماً، رغم الحاجة المتزايدة من الأسواق العالمية المستوردة، وتحديداً الصين، والتى كان يفترض معها أن يرتفع هذا العدد ليتراوح ما بين 25 و30 ألف جلد سنوياً، بحسب «عرابى».

كيف تصل الحمير لحدائق الحيوان؟

وتخضع عملية شراء الحمير فى حدائق الحيوان العامة لحسابات دقيقة، بحسب ما يوضح مسئول سابق فى الحديقة، فضَّل عدم ذكر اسمه، حيث يتم تقدير كمية اللحوم التى يستهلكها كل حيوان على مدار العام، مع إضافة أو خصم نسبة 25% لمراعاة حالات الزيادة أو النقص فى أعداد الحيوانات نتيجة الولادة أو النفوق.

وعن كيفية شراء وجلب الحمير، أكد أنه يتم طرح مناقصة للتجار بأعداد الحمير المطلوبة، ويتم اختيار أفضل عرض من بينها، موضحاً أنه يتم توريد الحمير حسب احتياجات المخازن بشكل دورى، وحول طرق إتمام عملية الذبح، يؤكد أن الحدائق تمتلك مسالخ لذبح الحيوانات وتحديداً «الحمير»، حيث يتم توريد لحوم الحمير لحدائق الحيوان العامة الأخرى والسيرك القومى، ومتاح أيضاً الذبح لصالح السيرك الخاص فى حال رغب فى ذلك، حسب قول المسئول السابق الذى أشار إلى أنه بعد ذبح الحمير، يتم استخدام اللحوم لتغذية الحيوانات، بينما يتم تمليح الجلود وطرحها فى مزادات علنية بين التجار، وغالباً ما يباع الجلد بسعر يتجاوز قيمة الحمار نفسه.

مزاد علنى لبيع الجلود

وبحسب قرار وزارة الصناعة 692 لسنة 2012، الخاص بتصدير جلود الحمير، فإن هيئة الخدمات البيطرية هى المسئولة عن منح تراخيص تصدير جلود الحمير، وذلك باعتبارها المشرف والمسئول عن المجازر التى تُذبح فيها الحمير لإطعام الحيوانات المفترسة الموجودة فى حدائق الحيوان، حسبما يوضح مسئول سابق بوزارة الزراعة، فضَّل عدم ذكر اسمه، ويضيف: «وزارة الزراعة هى الجهة الرسمية الوحيدة التى تمتلك جلود الحمير بشكل رسمى، وبالتالى هى التى تمتلك الحق فى بيعها للتجار».

ويتم بيع جلود الحمير من خلال مزاد علنى، حسبما يوضح المسئول السابق، الذى يشير إلى أن الوزارة تعلن على فترات متباعدة عن إقامة مزاد علنى لبيع جلود الحمير، ويقوم المصدّرون المعتمدون بدخول المزاد، حيث وصل سعر جلد الحمار الواحد منذ أكثر من 5 سنوات لـ2200 جنيه، وطبعاً فقد تضاعف السعر كثيراً خلال الفترة الحالية، حسب قوله.

فرص اقتصادية مُهدرة

وإلى جانب عدم زيادة الكوتة الرسمية المُخصصة للتصدير، يظل هناك تحدٍ آخر وهو تراجع أعداد الحمير فى السوق المصرية نتيجة استغناء الفلاح المصرى عنها، وهو ما أصبح يمثل أزمة تواجه مُصدرى جلودها، وفق ما يقول «عرابى»، الذى يشير إلى حقيقة انخفاض أعداد الحمير لأقل من مليون حمار فى مصر، فضلاً عن تراجع الأعداد فى معظم دول العالم.

العبد»: شهدنا فترات لذبح الحمير بشكل غير مشروع.. والدولة شددت الرقابة السنوات الأخيرة

وبحسب تقرير منظمة Humane World for Animals وهى مؤسسة غير ربحية، تهتم برعاية الحيوانات ومقرها فى واشنطن بالولايات المتحدة، ارتفعت أسعار جلود الحمير بشكل كبير على مدار العقد الأخير، ففى حين كان سعر الكيلو منها عام 2000 نحو 20 يوان صينى، قفز ليصبح 2600 يوان فى 2015، أما منتجات إيجياو، فقد ارتفع سعرها فى الفترة نفسها من 100 يوان لـ500 جرام إلى حوالى 2٫986 يوان، ما يعادل (420 دولاراً).

نائب غرفة دباغة الجلود: زيادة الطلب على الجلود عالمياً وارتفاع أسعارها يدفعان التجار لتهريبها بطرق ملتوية

وبسبب ارتفاع الطلب، واقتصار التصدير على الكوتة المحددة، يلجأ الكثيرون من ضعاف النفوس إلى التهريب لتحقيق مكاسب ضخمة، حسبما يوضح «عرابى»، الذى يشير إلى أن حصول هؤلاء على جلود الحمير ليس أمراً صعباً، ومتوفر من خلال حدائق الحيوان الخاصة والسيرك الخاص، التى تقوم بذبح عدد من الحمير لتلبية احتياجات حيواناتها المفترسة. لكن تلك الجلود للأسف لا يمكن الحصول على موافقات من الجهات الرسمية لتصديرها، بل ويتم التعامل معها وكأنها سوق سوداء.

«سراج»: الرقابة مسئولية الجمارك من خلال تتبع أوزان الشحنات لكنها لا تكون دوماً صارمة

كما يلجأ البعض إلى طرق ملتوية للحصول على جلود الحمير، حسبما يضيف تاجر الجلود، «عرابى»، وذلك من خلال شراء الحيوانات كبيرة السن منها أو التى تعانى من إعاقة، حيث يكون سعرها منخفضاً نسبياً مقارنة بالسليمة، ويتم ذبحها بشكل عشوائى دون أى ضوابط صحية، ويتم بيع جلودها بسعر يتراوح ما بين 1000 و1500 جنيه، بينما تلقى لحومها فى الترع والمصارف، حسب تأكيده.

وبحسب تقرير لوكالة «رويترز» فإن سعر جلد الحمار يفوق بأضعاف سعر الحمار نفسه، فوفق آخر إحصائية فى البورصة العالمية يُقدر سعر جلد الحمار الواحد ما بين 400 إلى 420 دولاراً أمريكياً للكيلو جرام الواحد، أى ما يتراوح بين «19 ألفاً و300 جنيه إلى 21 ألف جنيه مصرى» وفقاً لأسعار الصرف الحالية، وقد يصل سعره فى بعض الحالات إلى 1000 دولار.

مخاوف بيئية وصحية

ويرتبط الذبح العشوائى للحمير والسوق السوداء للتجارة فى جلودها بمخاطر بيئية وصحية، حيث يرى الدكتور شهاب عبدالحميد، رئيس مجلس جمعية الرفق بالحيوان بالقاهرة، أن ذبح الحيوان لمجرد الاستفادة من جلده فعل غير أخلاقى، فضلاً عن مخاطره البيئية.

ويلفت «عبدالحميد» إلى أن بعض جثث الحمير التى تُذبح للحصول على جلودها تُلقى فى الترع أو الأراضى الخالية، فتتحلل مُسببة تلوثاً بيئياً شديداً وانتشاراً للأمراض، إلى جانب الروائح الكريهة وإفساد التربة، معتبراً أن هذه هى «التكاليف الخفية التى لا تدخل فى حسابات الربح المادى المباشر لتلك التجارة، بل إنها تمثل عبئاً على المجتمع والدولة، كما حذر من أن لحوم الحمير قد تُباع للبشر أيضاً بشكل غير مشروع، بما يهدد الصحة العامة، حسب قوله.

اقتراح بإنشاء مزارع رسمية

ويرى سعد عرابى، تاجر الجلود المعتمد، أن جزءاً كبيراً من حل تلك الأزمة يمكن من خلال إقامة مزارع رسمية ومجازر تشرف عليها الدولة، يتم فيها ذبح الحمير الذكور فقط والإبقاء على الإناث لضمان استمرار السلالة، وهو ما من شأنه أن يوقف انقراض الحيوان وفى نفس الوقت يساعد على خلق فرص عمل ووظائف عامة.

ويتابع تاجر الجلود: «العديد من التجار الصينيين على أتم استعداد للتعاون مع الجهات الرسمية لإنشاء مشروع للاستثمار فى جلود الحمير، على غرار مزارع النعام والخنازير الموجودة فى مصر التى نجحت سابقاً»، مشدداً على أن ذلك سيوفر عائداً مالياً كبيراً ويمنع انقراض الحمير فى مصر.

وأكد أن تطبيق هذه الاستراتيجية من شأنه أن يزيد العائد الاقتصادى من تصدير جلود الحمير من 100 ألف دولار فقط إلى ملايين الدولارات سنوياً، لافتاً إلى أن الدولة حالياً لا تستفيد إلا من الرسوم التى تحصلها من تصدير كوتة الجلود الرسمية، بينما ما يتم تهريبه يضيع على الحكومة المصرية عوائد ضخمة تقدر بملايين الدولارات، حسب قوله، خاصة أن الصين أعلنت خفض الجمارك على واردات جلود الحمير من 5% إلى 2%، فى يناير 2018، فى خطوة تهدف إلى مواجهة نقص جلود الحمير، وهو ما يشكل فرصة كبيرة للمصدرين.

فرص مستقبلية

ويوضح «عرابى»، المُطلع على السوق الصينية، أن هناك استعداداً من الحكومة الصينية لإبرام بروتوكول رسمى مع مصر لإنشاء مجازر رسمية ومزارع مخصصة، مؤكداً أن ذلك سيساعد على تنظيم السوق ومنع الذبح العشوائى ووقف التهريب، إضافة إلى فتح باب استثمارى مُربح يجذب شركات مصرية وأجنبية على حد سواء.

وناشد الدولة التدخل بجدية، قائلاً: «ما دامت الصين مستعدة للتعاون الرسمى، فلا مبرر للتأجيل أكثر من ذلك، حيث إن التصدير المنظم سيكون تحت إشراف الحكومة ويوفر فرص عمل وعوائد ضخمة، ويحافظ على ثروتنا الحيوانية من التناقص والانقراض».

استثمارات عربية وإسلامية

وخلال السنوات الأخيرة، ظهرت محاولات فى بلدان إسلامية وعربية لاستثمار الحمير بطرق غير مألوفة، ففى تركيا تم افتتاح أول مزرعة لإنتاج لبن الحمير بمحافظة كيركلاريلى شمال غرب البلاد لتسويقه فى أغراض صحية وعلاجية، حسبما نشرت وسائل إعلام تركية، أما فى باكستان، فقد أنشأت حكومة إقليم البنجاب أول مزرعة رسمية لتربية الحمير بهدف الاستفادة من لحومها وجلودها وحليبها، مع التركيز على التصدير كمصدر اقتصادى جديد، حسبما ذكرت صحيفة باكستان ديلى، وفى الأردن أفرد موقع «ذا ناشونال»، تقريراً مطولاً عن عائلة تحتضن مشروعاً لتربية الحمير لإنتاج الصابون من ألبانها كمنتج تجميلى.

«باكستان» تصدر 216 ألف جلد حمار إلى «بكين» طبقاً لبروتوكول فى يوليو 2024

وفى سبيل محاولة الصين لتوسيع سوق مادة إيجياو، وقعت بروتوكولاً واتفاقاً رسمياً مع باكستان فى يوليو 2024، لتصدير جلود الحمير، وحتى لحومها أيضاً، ويتضمن الاتفاق وفق ما أعلن مسئولون تصدير نحو 216 ألف جلد حمار سنوياً إلى بكين، ورغم أن الحكومتين لم تعلنا قيمة الصفقة إلا أن تقديرات سوقية تشير إلى أن قيمتها تتراوح بين 32 و65 مليون دولار سنوياً، وفق ما نشرت صحيفة ديلى باكستان.

متخصصون يؤيدون الفكرة

وإلى جانب المقترحات السابقة بإنشاء مزارع منظمة لتربية الحمير تحت إشراف الحكومة أو الهيئة العامة للخدمات البيطرية، والتجارب الشبيهة التى تدعم إنشاءها فى دول عربية وإسلامية، يؤيد متخصصون ومسئولون سابقون عن حديقة الحيوان هذه الفكرة، معتبرين أن مثل تلك المزارع ستوفر لحوماً للحيوانات المفترسة بشكل منتظم، كما ستدعم تجارة الجلود بشكل منظم وآمن، وفى الوقت نفسه ستخلق فرص عمل، وتدخل هذا النشاط فى إطار رسمى بدلاً من أن يظل فى يد التجار فقط، ويكون باباً للتهريب وتهديد الثروة الحيوانية المصرية.


مواضيع متعلقة