خطة ترامب تلبي أهداف الاحتلال وتضع حماس على «مفترق طرق»

كتب: محرر

خطة ترامب تلبي أهداف الاحتلال وتضع حماس على «مفترق طرق»

خطة ترامب تلبي أهداف الاحتلال وتضع حماس على «مفترق طرق»

كتبت - دينا أبوزهرة:

قدم «البيت الأبيض» خطة من عشرين بنداً، أعلنت عنها إدارة الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، كخارطة طريق لإنهاء حرب الإبادة الجماعية المستمرة فى قطاع غزة، الخطة، التى عرضت كحل فورى لوقف الأعمال القتالية، وعودة الهدوء إلى الأراضى الفلسطينية المحتلة، أثارت فى طياتها أكثر من سؤال يتعلق بطبيعة التنازلات المطلوبة من الطرف الفلسطينى، وبالضمانات الزمنية والتنفيذية المرتبطة بها، ورغم العرض الأمريكى الرسمى، بدا واضحاً أن البنود مصاغة بطريقة تضمن لدولة الاحتلال الحق فى تفسير متى وكيف تُطبق شروط الاتفاق، وهو ما جعلها تبدو مقبولة إلى حد كبير من الجانب الإسرائيلى، بينما تضع «حماس» أمام معضلة صعبة، قد ترجح كفتها نحو القبول المشروط.

«ذا أتلانتيك»: الخطة الأمريكية تقضى بوضع غزة بعد انتهاء العمليات تحت إشراف «مجلس سلام» تقوده واشنطن وتشكيل حكومة مؤقتة

ووفق «خطة ترامب» فإن وقف إطلاق النار سيكون فورياً، بمجرد موافقة «حماس» على الشروط، مع انسحاب تدريجى لقوات الاحتلال إلى خط متفق عليه، لكن اللافت، وفق ما جاء فى تقرير لصحيفة «ذا أتلانتيك»، أن الخطة لم تحدد جدولاً زمنياً واضحاً لإنهاء الانسحاب أو مراحله التفصيلية، مما يمنح إسرائيل هامشاً واسعاً فى توقيت وتنفيذ الشروط، كما نصت الوثيقة على وقف أى عمليات عسكرية برية أو جوية أثناء مرحلة التفعيل، مع إلزام «حماس» بإعادة جميع الأسرى، أحياءً وأمواتاً، خلال 72 ساعة من قبول الاتفاق، فى المقابل، يتضمن العرض إسقاطاً جزئياً للعقوبات على إسرائيل، عبر الإفراج عن 250 سجيناً محكوماً بالمؤبد، و1700 أسير اعتُقلوا بعد أحداث 7 أكتوبر، إلى جانب نظام تبادل محدد يقضى بإطلاق سراح 15 شهيداً فلسطينياً، مقابل كل جثة إسرائيلية يتم تسليمها.

كما تتضمن الخطة الأمريكية شرطاً يدعو إلى نزع سلاح حركة «حماس»، بدعوى «تفكيك الإرهاب» فى غزة، وهو الشرط الذى أثار ردود فعل قوية من جانب الحركة الفلسطينية، التى طالما شددت على أن سلاحها جزء لا يتجزأ من قدرتها على المقاومة والدفاع عن مكاسبها السياسية.

وأشارت الصحيفة إلى أن الخطة تتضمن أيضاً مخرجاً واضحاً لإدارة الملف، فى حال رفضت حركة «حماس» أو أهملت الرد، ويتمثل ذلك فى تطبيق البنود تدريجياً فى المناطق التى يسلمها الجيش الإسرائيلى إلى «قوة دولية»، وتقترح الخطة أن توضع غزة، بعد انتهاء العمليات، تحت إشراف «مجلس سلام»، يترأسه ترامب، ويمنح السلطة التنفيذية لرئيس وزراء بريطانيا الأسبق، تونى بلير، إلا أن عدداً من المراقبين يعتبرون أن هذا المقترح، بوصفه إدارة دولية مؤقتة أو شبه دائمة لإعادة الإعمار وإدارة المرحلة ما بعد الحرب، يبدو خطوة ستواجه رفضاً شعبياً واسعاً لدى الفلسطينيين، لا سيما أن الولايات المتحدة تُعد الداعم الأكبر لإسرائيل على الساحة الدولية، وهذا ما يثير تساؤلات حول حيادية أى إدارة تقودها دول رعت سابقاً مواقف منحازة.

وأضافت «ذا أتلانتيك»، فى تقريرها، أن «خطة ترامب» يغيب عنها البند السياسى المركزى فى النزاع، حيث لم تتضمن أى إشارة إلى إقامة دولة فلسطينية، أو الاعتراف بحق الفلسطينيين فى تقرير المصير، كما أنها لم تقترح أى حلول لقضية ملايين الفلسطينيين عديمى الجنسية فى الضفة الغربية، ولا أى آلية لمنحهم جنسية أو وضعاً دائماً داخل إطار الدولة الإسرائيلية، فى هذا الفراغ السياسى، تبدو الخطة متجهة نحو حل أمنى وإدارى بحت، يحقق استقراراً مؤقتاً، وربما يخفف من الأزمة الإنسانية، لكنه لا يعالج جذور الصراع، أو يفتح مساراً واضحاً للسلام الشامل.

الحكومة الإسرائيلية استقبلت المقترح بترحيب صريح، معتبرةً أنه يلبى أهدافها الأمنية والحربية، أما «حماس» فوجدت نفسها أمام معضلة استراتيجية، إما قبول بنود نزع السلاح، وتسليم الأسرى، وخسارة القدرة العسكرية الميدانية من جهة، أو رفض مباشر قد يستغله «نتنياهو» لتبرير استمرار العمليات العسكرية، واستخدامها ذريعة لإجراءات أكثر صرامة، فى الوقت نفسه، تقدم الخطة مكاسب إنسانية محتملة للفلسطينيين، من خلال وقف القتال، وتدفق المساعدات، وإعادة الإعمار، مما قد يمثل حافزاً عملياً لقبولها بشروط تقلص من النفوذ العسكرى للحركة، ولكن تحفظ لها وجوداً سياسياً.

واعتبرت الصحيفة الأمريكية أن حركة «حماس» أمامها فرصة بعيدة المدى، من خلال إعادة التموضع السياسى فى الضفة الغربية، فالنصوص التحليلية تشير إلى أن السلطة الحقيقية للحركة الوطنية الفلسطينية تكمن فى رام الله والقدس الشرقية، وأن السيطرة على الضفة هى الطريق للحصول على قيادة وطنية دائمة، وحتى الآن، لا تمتلك الحركة هيكلاً سياسياً قوياً فى الضفة، وتعتمد على خلايا قتالية صغيرة منتشرة هناك، لكن القبول المشروط للاتفاق قد يتيح لها تفرغاً لإعادة بناء حضورها السياسى فى الضفة، حيث يسيطر منافسها التقليدى، حركة «فتح»، على مؤسسات السلطة الفلسطينية، ومنظمة التحرير الفلسطينية، التى تمثل الصوت الفلسطينى على الساحة الدولية، وتستمد شرعيتها من اعتراف دبلوماسى واسع بـ«دولة فلسطين» فى مناسبات سابقة.

ويبدو أن استراتيجية «نتنياهو» ترتكز جزئياً على توقع رفض «حماس» أو تقاعسها، وهو ما سيمكنه من تأكيد أن الهدف لم يتحقق إلا عبر التصعيد العسكرى، بينما يمكن للحركة الفلسطينية أن تبادر بـ«مقايضة تكتيكية»، عبر القبول مع شروط إضافية، أو طلب مفاوضات لتوضيح بنود ضبابية، بدلاً من الرفض الكلى الذى يعزز الادعاءات الإسرائيلية بشرعية استمرار العمليات، بهذا المعنى، قد يُحوّل قبول «حماس» المشروط الخطة إلى «نقطة انطلاق» للتفاوض، بدلاً من أن تكون «وثيقة استسلام» أحادى الجانب.

فى محصلة الأمر، يبدو أن «خطة ترامب» تضع خطاً فاصلاً، إما مسار فورى لإغاثة متوقعة، وإنهاء معاناة إنسانية، لكن بتكلفة سياسية وعسكرية محتملة على حركة «حماس»، أو رفض يفتح الباب أمام مزيد من التصعيد، ويمنح الاحتلال ذرائع للاستمرار، القرار لدى «حماس» ليس مجرد قبول أو رفض، بل هو حسابات معقدة بين الحفاظ على القدرة العسكرية والوجود السياسى والمكاسب الشعبية، وبين استغلال الفرصة لإعادة تشكيل دورها على مستوى الوطن الفلسطينى الأوسع، وفى كل الأحوال، يبقى السؤال الأهم: «هل ستكون هذه الخطة بداية نهاية الحرب، أم مجرد فصل آخر فى مسلسل طويل من المفاوضات والشروط، التى تُكتب بنودها فى عواصم خارجية، أكثر منها على طاولة فلسطينية - إسرائيلية مشتركة؟».


مواضيع متعلقة