من تحت الركام إلى مثواهم الأخير.. «شهداء غزة» لم يجدوا مقابر تحتضن جثامينهم

كتب: سمر عبد الرحمن

من تحت الركام إلى مثواهم الأخير.. «شهداء غزة» لم يجدوا مقابر تحتضن جثامينهم

من تحت الركام إلى مثواهم الأخير.. «شهداء غزة» لم يجدوا مقابر تحتضن جثامينهم

فى مدينة غزة المكلومة، لا يتوقف الموت عند لحظة سقوط القذيفة أو الصاروخ، بل يمتد بعدها كظل ثقيل، يرافق الناس حتى فى وداع أحبتهم، هناك لم تعد المأساة مجرد قصف يهدم البيوت ويُطفئ الأرواح، بل تجاوزت حدود الحياة إلى ما بعد الموت، فحتى الجثامين التى نجت من النسيان، لم تجد مكاناً يؤويها، فى كل زاوية من القطاع تُروى حكايات الشهداء الذين ما زالوا تحت الأنقاض، أو فوق الأرض بلا قبور، لأن الأرض امتلأت بأجساد أبنائها، ومع سريان اتفاق وقف إطلاق النار، وعودة الفلسطينيين إلى ديارهم فى غزة، بدأ الكثيرون يبحثون عن جثث ذويهم.

على أطراف المدينة المنكوبة، تواصل فرق الإنقاذ عملها ليل نهار، بأيديهم العارية. يحفر الرجال فى الركام بحثاً عن الجثامين التى دفنتها القنابل تحت بيوتها، لا شىء أصعب من تلك اللحظة التى تظهر فيها يد صغيرة، أو خصلة شعر بين الحجارة، تتوقف الأصوات، يُرفع الجسد وسط صمت خاشع، وتُلف الجثامين بما تيسر من الأقمشة أو الأغطية، لا أكفان فاخرة، ولا جنائز رسمية، فقط وجعٌ متجدد فى كل مرة، بحسب محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدنى فى غزة، الذى أكد أن فرق الإنقاذ تسابق الزمن لانتشال جثامين ما يزيد على 10 آلاف شهيد من تحت الأنقاض.

الدفاع المدنى: انتشال أكثر من 200 شهيد.. ونقص المعدات يعرقل أعمال البحث

وأوضح «بصل» أنه جرى انتشال جثث قرابة 200 شهيد من تحت الأنقاض، بعض الجثامين تبدو عليها آثار الإعدام الميدانى، مطالباً بضرورة معالجة ملف انتشال جثامين الشهداء، خاصةً فى ظل غياب المعدات الثقيلة، التى حالت دون استجابة الدفاع المدنى لنداءات عشرات المواطنين، وأكد فى هذا الصدد: «غياب المعدات وقف عائقاً أمام عملنا، فتلقينا عشرات النداءات لاستخراج جثامين عدد كبير من الشهداء بعد سريان اتفاق وقف إطلاق النار، ونعمل ليل نهار من أجل تكريم شهدائنا، الذين استشهدوا على يد قوات الاحتلال الإسرائيلى».

«كلوب»: نعانى نقصاً فى القفازات والنقالات وأكياس الدفن

على امتداد الشوارع المهدمة، تتناثر فرق الإنقاذ والإسعاف، تبحث بين الركام عن بقايا حياة، أو عن جسد يليق له أن يُكرّم بالدفن، لكن المهمة لم تعد سهلة، فبعد شهور من القصف المستمر، تحولت المقابر إلى مدافن جماعية، وامتلأت مساحتها بما يفوق قدرتها على الاستيعاب، بحسب محمد كلوب، أحد العاملين فى مرفق الإسعاف، الذى تابع قائلاً: «المهمة ثقيلة، لم نعد نعرف أين ندفن الشهداء، الأرض ضاقت، والمقابر امتلأت، وكأن غزة نفسها تئن من ثقل الفقد، نستخرج الجثامين ونسلمها إلى أقرب مستشفى، أو إلى الأهالى، لكننا نعانى نقصاً فى السيارات والمعدات الطبية كالملابس والقفازات والنقالات، أو حتى أكياس الدفن».

داخل مستشفيات قطاع غزة، تتكدس الجثامين فى ثلاجات متهالكة، بعضها لا يعمل إلا لساعات معدودة بفعل انقطاع الكهرباء، الذى جعل مهمة حفظها شبه مستحيلة، فاضطر الأطباء إلى تسليمها للأهالى سريعاً، عشرات الجثامين ما زالت بلا هوية، إذ تعذّر التعرف عليها بسبب تشوهها أو غياب ذويها، بينما يحاول الأهالى البحث عن أحبتهم بين الصور، أو بين الصفوف الطويلة أمام المستشفيات والمقابر، بحسب عمرو سلامة، أحد العاملين فى مجمع خان يونس الطبى، قائلاً: «الثلاجة ممتلئة بالشهداء، هناك الكثير من الأشخاص دون هوية، بسبب تشويه ملامح الجثث، نسلم بعضها للأهالى، حتى دون التأكد».

«آلاء»: دفنت جثة ابنى بجوار أنقاض بيتى المُهدم لعدم وجود مقبرة

المقابر فى غزة لم تعد قادرة على استيعاب هذا السيل من الشهداء، بعضها تحول إلى مدافن جماعية، والبعض الآخر أُغلقت بعدما امتلأت عن آخرها، وفى مشهد يوجع القلب، فُتحت قبور قديمة لتُستقبل فيها أجساد جديدة، ربما تستقبل المقبرة الواحدة 10 جثامين، حتى أصبح الدفن فى أراض زراعية أو بين الأنقاض واقعاً لا مفر منه، بحسب «آلاء سليمان»، التى عبرت عن معاناة الكثير من العائلات فى غزة بقولها: «لم نعد قادرين على دفن أولادنا، هنا فى حى التفاح، استشهد ابنى قبل 3 أشهر، واستطعنا منذ ساعات انتشال جثمانه، لكننا عجزنا عن توفير كفن، وإيجاد مكان لدفنه، فاضطررنا إلى دفنه فى أرض خالية، مجاورة لبيتنا المُهدم».

«محارب»: لم أجد كفناً فوضعت جثة شهيدى فى قطعة قماش

فى أحد أحياء غزة القديمة، يقف السبعينى، عيد محارب، أمام حفرة ضيقة فى الأرض، يحمل بين يديه قطعة قماش، ليست كفناً، إنما ما تيسر لهم إيجاده، بعد استخراج جثمان ابنه الشهيد: «هذا ليس قبر ابنى، لكنه المكان الوحيد الذى وجدناه، المهم أن يكون له مكان يُذكر فيه اسمه، اضطريت أدفنه بالقرب من منزلى المهدم، حتى أستطيع إلقاء التحية عليه وزيارته كل يوم»، كلماته تختصر مأساة آلاف الأسر، التى حُرمت حتى من وداع أبنائها، كثيرون دُفنوا فى مقابر جماعية بلا شواهد، وآخرون ما زالوا تحت الركام، ينتظرون من يخرجهم إلى النور.

وسط أحياء شمال قطاع غزة، تتناقل العائلات أخبار استخراج جثامين من تحت الأنقاض بعد شهور من القصف، رائحة الموت تملأ المكان، لكن الجميع يأمل أن يتم استخراج جثث كل الشهداء، رجال الدفاع المدنى يحفرون بأيديهم، الأهالى يساعدون، وحال استخراج رفات جثمان أحد الشهداء، يعم الصمت، ثم تُلف الجثامين بأكياس بلاستيكية أو قماش، ويُحمل الشهيد على الأكتاف فى موكب صامت، لا صوت فيه إلا تكبير متهدج، ودموع حبيسة، بحسب زكريا الحسنات، أحد الأهالى: «نعمل جاهدين إلى جوار الدفاع المدنى والإسعاف، من أجل استخراج الجثث، نحن ندفن أبناءنا فى الأرض نفسها التى كانت تزرع القمح والزيتون، لأن المقابر لم تعد تتسع، كل شبر من غزة أصبح حكاية دفن وشهادة».

مع كل عملية انتشال، تتجدد الصدمة والإحساس بالعجز، فبعد أن يُستخرج الشهيد، تبدأ رحلة البحث عن مكان لدفنه، ومخاوف صحية بسبب تحلل الجثث فى الشوارع وتحت المنازل المدمرة، خاصةً مع اختلاط بقاياها بالتربة والمياه، ما اضطر السلطات المحلية إلى دفن الجثامين بسرعة، دون استكمال إجراءات التعرف عليها، فكثير من العائلات ما زالت لا تعرف مصير أحبائها، لا قبر يزورونه، ولا جثمان يودعونه، بحسب محمود زقزوت: «نواجه صعوبات فى استخراج الجثامين، علشان كدا السلطات قررت الدفن فى أى مكان، حتى قبل التعرف على هوية الجثامين، بسبب تحلل الكثير منها».

فى كل جنازة، يتكرر المشهد ذاته، أيادٍ ترفع جثماناً ملفوفاً بقطعة قماش أو بالعلم الفلسطينى، وقلوبٌ تردد فى صمت أن الفقد لا يقتل الحياة، ورغم الألم، يردد الجميع: «لا تبكوا عليهم، فهم أحياء عند ربهم يُرزقون، بل ابكوا على هذه الأرض، التى لم تعد تسعهم»، بحسب الشيخ عمار الجعبرى: «دائماً أقول أثناء دفن شهيد، إننا يجب ألا نبكى، فهو حى، واستشهد وهو يدافع عن الأرض، لكن الحزن يسكن داخلنا، حينما نرى لافتة تقول إن المقبرة كاملة العدد، لا قبور متاحة».

حتى فى لحظة الوداع الأخير، تبقى المعاناة رفيقة أهل غزة، حيث أكدت وزارة الصحة الفلسطينية أنه منذ أكتوبر عام 2023 بلغ عدد الشهداء، الذين تم تسجيلهم، 67 ألفاً و682 شهيداً، بينما يؤكد الدفاع المدنى أن نحو 10 آلاف شهيد ما زالوا مفقودين تحت الأنقاض فى مدينة غزة وحدها.


مواضيع متعلقة