تحديات على الأرض تواجه تنفيذ المراحل المتقدمة من خطة ترامب لإنهاء حرب غزة
تحديات على الأرض تواجه تنفيذ المراحل المتقدمة من خطة ترامب لإنهاء حرب غزة
في قلب البيت الأبيض، وعلى مكتبه البيضاوي، جلس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمام أوراق عديدة، 20 نقطة، تلخص خطته الجديدة لإنهاء الحرب على قطاع غزة، وإقرار السلام في الشرق الأوسط، الخطة التي صاغها مبعوثه، ستيف ويتكوف، وصهره، جاريد كوشنر، ثم خرج في مؤتمر صحفي، ليعلن ما وصفه بأنه «الفرصة الأخيرة لتحقيق الاستقرار».
خلف الأضواء، كان فريق ترامب للأمن القومي يضع اللمسات الأخيرة على ما وصفوه بـ«خطة التنفيذ الكبرى» لإعادة تشكيل القطاع بعد الحرب، خطة من 20 نقطة تمتد من إعادة الإعمار إلى الأمن والإدارة والسيادة.
ترامب.. ومفاتيح السلام
ولدت الخطة منذ أن شنت إسرائيل هجومًا استهدف قيادات حركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة، قبل اجتماعهم لمناقشة مقترح سابق للرئيس الأمريكي، حينها، رأت الإدارة الأمريكية التي قالت إنها لم تكن تعلم بالضربة سوى قبل تنفيذها بدقائق قليلة، ووصفتها بـ«الوقحة» فرصة لإحلال السلام في الشرق الأوسط، والسعي للسيطرة على الوضع بسياسة ودبلوماسية.
بموجب خطة دونالد ترامب، سيجري استبدال حماس، مع تجميد سلاحها الهجومي بالكامل، بلجنة فلسطينية تكنوقراطية غير سياسية يشرف عليها «مجلس سلام»، برئاسة ترامب، ودور قيادي لتوني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق.
تبدو الخطة على الورق شاملة، لكن يبقى السؤال: هل سينجح هذا المسار الجديد، أم أن المراحل المقبلة ستواجه مطبات سياسية وعسكرية تجعل حلم «فرصة السلام الدائمة» مجرد وهم؟
خبراء: تنفيذ باقي بنود الخطة «صعب» على الأرض
في محاولة لفهم مستقبل تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في قطاع غزة، وتحدياتها، تحدثت «الوطن» مع عدد من الخبراء والمسؤولين الأمريكيين السابقين.
دانيال بايبس، مؤسس ومدير منتدى الشرق الأوسط للأبحاث «MEF»، وهو محلل يتابع شؤون الشرق الأوسط منذ عام 1967، ومر خلال عمله السياسي بالعديد من الخطط التي طُرحت حول إسرائيل، والقضية الفلسطينية، يرى أن المراحل المتبقية، من الصعب تنفيذها.
يؤكد «بايبس»، لـ«الوطن»، أن الحل الوحيد لإعادة إعمار قطاع غزة، هو أن تُقام إدارة مدنية مؤقتة مستقلة عن حماس والسلطة الفلسطينية، بمشاركة سكان غزة المستعدين للتعاون مع تلك الإدارة، مشيرًا إلى أنه وضع ملامح ذلك في خطة نشرها بعد 10 أيام فقط من السابع من أكتوبر 2023، وأطلق عليها «غزة اللائقة».
في النهاية توقع «بايبس»، أن لا تجمد حماس سلاحها أو تحل نفسها نهائيًا، إلا إذا فُرض ذلك عليها بالقوة، وهذا الاتفاق، سيمنع إسرائيل من القيام بذلك، كما توقع أن تبقى حماس، وتهاجم إسرائيل غزة مجددًا.
المرحلة الثانية أخطر.. هل تنسحب إسرائيل بالكامل؟
ترى إلين لايبسون، المسؤولة السابقة بوزارة الخارجية الأمريكية، ونائب رئيس مجلس الاستخبارات الوطني الأسبق، أن هناك العديد من التحديات التي تواجه الأطراف الرئيسية في خطة إنهاء الحرب على غزة، تنقسم إلى تحديات على المدى القصير، وتتعلق بتحديد أماكن الرهائن الإسرائيليين وإعادتهم، لكن التحديات الأكبر هي السياسية، خاصة في المرحلة الثانية عندما يتم تناول قضايا الأمن والحكم.
وتضيف لـ«الوطن»، أن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، سيكون هناك اعتراضات داخل الحكومة الإسرائيلية على الانسحاب الكامل من غزة، لكنها ترى أن الجانب الخاص بحماس في تلك المرحلة سيكون أصعب، وأطلقت تساؤلات عدة، تقول: «هل نعرف من يتخذ القرارات داخل حماس؟ وهل هناك تنسيق بينها وبين السلطة الفلسطينية؟ وهل تقبل حماس بهزيمتها العسكرية وتنقل السلطة لشخصيات فلسطينية غير منتمية لها؟».
كما ترى «إلين» أيضًا أن الحل الوحيد فيما يتعلق بسلاح حركة حماس يقع على عاتق المجتمع الدولي، حيث يمكنه إنشاء نظام للتفتيش والتأكد من تدمير أو تأمين أسلحة حماس، لن يكون النظام مضمونًا بالكامل، لكنه ضروري لتقديم ضمانات أمنية لإسرائيل.
تقول: «أتوقع أن يتم إرسال قادة حماس الرسميين إلى المنفى، لكن هذا لا يعني أن كل من له علاقة بحماس سيغادر غزة، يجب التفكير في عفو عن مقاتلي الفصائل الفلسطينية الصغار أو إيجاد آليات تمنع حماس من إعادة تنظيم نفسها».
وفيما يتعلق بالانسحاب التدريجي المرحلي لإسرائيل ضمن خطة الرئيس الأمريكي، تقول المسؤولة السابقة بوزارة الخارجية الأمريكية، إنه موجود في الخطة، لكنه سيحتاج إلى تكييف مع الأوضاع على الأرض، فيمكن أن يتغغير الجدول الزمني حسب الوضع الميداني.
في النهاية، ترى أن النجاح الطويل الأمد للاتفاق سيتطلب اهتمامًا دبلوماسيًا أمريكيًا مستمرًا وتنسيقًا وثيقًا بين الدول الإقليمية الفاعلة، وهي مصر وقطر وتركيا، رغم أن علاقاتها مع إسرائيل والفلسطينيين معقدة: «هنا يجب على الولايات المتحدة الحفاظ على هذا التنسيق، لكن هناك قلق من قدرة ترامب على البقاء منخرطًا، ومن ضعف وزارة الخارجية الأمريكية حاليًا بعد تقليص عدد موظفيها».
وقف إطلاق النار لم يكن صدفة
يقول مايك ميلروي، نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق لشؤون الشرق الأوسط، أن وقف إطلاق النار في غزة لم يكن صدفة، بل نتيجة ضغط مزدوج على حماس، سواء سياسي من مصر وقطر وتركيا، أو ضغط عسكري من الجيش الإسرائيلي.
ويؤكد «ميلروي»، في حديثه لـ«الوطن»، أن المرحلة الأولى من الخطة، التي تتضمن إطلاق سراح الرهائن وزيادة المساعدات الإنسانية هي الأسهل، لكن بعد ذلك تبدأ المرحلة الصعبة بالفعل، وسيكشف مدى واقعية الخطة، التي تتضمن قضايا شائكة مثل نزح سلاح حماس، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة، وهو أمر لن يحدث بسهولة.
يقول: «يجب أن يكون هناك رقابة دولية للإشراف لكي يتأكد العالم أن الطرفين ينفذون الاتفاق بالفعل»، كما اقترح تدخل قوة أمن دولية متعددة الجنسيات، تشبه قوات حفظ سلام أو بعثة مؤقتة إلى غزة لفترة انتقالية، للحافظ على الأمن والاستقرار بعد انسحاب إسرائيل، إلى أن يتم تدريب واعتماد قوة فلسطينية محلية جديدة تتولى الحكم والسيطرة لاحقًا.
إسرائيل لا تلتزم بالانسحاب.. فما الضمان هذه المرة؟
يقول الدكتور ستيفن زونيس، أستاذ السياسة والدراسات الدولية بجامعة سان فرانسيسكو، إن المرحلة الأولى من الخطة من المرجح أن تُنفذ بنجاح، أما المراحل التالية فهي موضع تساؤل، مستشهدًا بالمرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في يناير الماضي، التي نُفذت بالكامل، وفيها جرى إطلاق سراح المحتجزين الإسرائيليين والأسرى المتفق عليهم، لكن إسرائيل، وبدعم من واشنطن، استأنفت الحرب بعد شهرين، وقد يتكرر ذلك.
ويؤكد أنه من الجيد أن «حماس» أفرجت عن جميع المحتجزين، لكن هذا يعني أيضًا أنها فقدت وسيلة الضغط الوحيدة التي كانت تملكها، وقد تحاول إسرائيل استغلال ذلك، كما أن عدد وهوية الأسرى الفلسطينيين الذين سيتم الإفراج عنهم قد يُشكل أيضًا عقبة أمام تنفيذ الخطة.
اختبار حقيقي لخطة ترامب على الأرض
وقال «زونيس»، في حديثه لـ«الوطن»، إن إسرائيل كانت غامضة بشأن الجدول الزمني ومدى الانسحاب من غزة، مستشهدًا باختراقها لاتفاقات الانسحاب من قبل في لبنان وسوريا مؤخرًا، متسائلًا: «ما الضمان بأنها ستلتزم هذه المرة؟».
يضيف أن قضية تجميد سلاح حماس هي حساسة للغاية، وجزء كبير من هوية الحركة قائم على المقاومة المسلحة، لكن حماس تتمسك بالسلاح كورقة تفاوضية لضمان تحقيق مطالب أخرى مثل وقف إطلاق النار الدائم والانسحاب الإسرائيلي الكامل، مشيرًا إلى أن هناك نقص في الضمانات وانعدام ثقة متبادل بين الطرفين.
وردًا على سؤال حول ما إذا كانت خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تحتوي على نوايا تشبه خطته السابقة التي أعلنها في فبراير الماضي والمعروفة بـ«ريفييرا غزة»، قال أستاذ السياسة والدراسات الدولية، إنه لا يعتقد ذلك، مضيفًا: «يبدو أن إصرار ترامب على دفع نتنياهو لتقديم تنازلات من أجل تنفيذ وقف إطلاق النار يشير إلى أنه تخلى إلى حد كبير عن تلك الفكرة، ومادام لا توجد ضمانات بعدم تجدد الحرب أو أمل باستقرار طويل الأمد، فمن المستبعد أن يكون هناك اهتمام بالاستثمار أو التطوير التجاري».
وحول ما إذا كانت خطة الرئيس الأمريكي يمكن أن تؤدي إلى الفشل، طرح «زونيس»، رؤية نقدية عميقة لجوهر فشل تلك الخطة وكل خطط السلام السابقة، قائلًا إن الخلل الجذري هو انعدام المساواة في الحقوق بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والولايات المتحدة ليست وسيطًا نزيهًا، لأنها دائمًا ما تحمي إسرائيل باستخدام الفيتو في مجلس الأمن.
وأضاف أن الدعم العسكري غير المشروط لإسرائيل يمنع الضغط عليها لتقديم أي تنازلات حقيقية، وبالتالي، إذا أراد العالم سلامًا حقيقيًا، فيجب أن تأتي الضغوط السياسية والمساءلة من حكومات أخرى ومن المجتمع المدني الدولي، لا من واشنطن وحدها.