جينجر تي تشابمان تكتب لـ«الوطن»: استخدام الغرب للدين كأداة للتلاعب بالصراعات الدينية في الشرق الأوسط
جينجر تي تشابمان تكتب لـ«الوطن»: استخدام الغرب للدين كأداة للتلاعب بالصراعات الدينية في الشرق الأوسط
وفى الفترة الأخيرة، قادت الطموحات الأمريكية الولايات المتحدة إلى استخدام الدين كوسيلة للتلاعب بحكومات الشرق الأوسط على حساب شعوب المنطقة.
امتدت الصراعات الجيوسياسية فى الشرق الأوسط لتوسع نطاق الحروب الاستعمارية الأوروبية. وقد أدى اندلاع الحرب العالمية الثانية إلى بروز الولايات المتحدة كقوة عظمى، فى مقابل انهيار إنجلترا إلى دولة ما بعد إمبراطورية. وفى الحرب الباردة التى أعقبت ذلك، أصبح الشرق الأوسط ساحة مركزية للصراع، هذه المرة بين أمريكا وأوروبا من جهة، والاتحاد السوفيتى وحلفائه من الجهة الأخرى.
خلال هذه المرحلة، استخدم الغرب الدين أداةً لزرع الانقسامات داخل الشرق الأوسط. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الدعم الأمريكى- البريطانى للتحالف السعودى- الوهابى.
ففى أوائل القرن العشرين عملت بريطانيا، ولاحقاً الولايات المتحدة، على توثيق العلاقات مع الخليج. وقد أدى ذلك إلى تصاعد التوتر مع إيران. ولم يكن الأمر متعلقاً بالنفط فحسب، بل عندما حاولت إيران تعديل شروط امتياز دارسى النفطى، قامت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وجهاز «MI5» البريطانى بالإطاحة بحكومة مصدق المنتخبة ديمقراطياً فى إيران سنة 1953، وأعادا الشاه إلى الحكم لمنع تأميم النفط الإيرانى، ودرء النفوذ السوفيتى الذى كانت واشنطن تخشاه.
لكن قمع نظام الشاه أدى فى النهاية إلى سقوطه واندلاع الثورة الإيرانية. وبعد عام 1979، دفعت الولايات المتحدة إلى مواجهة الأيديولوجيا الثورية الشيعية فى إيران عبر تصدير الأصولية السنية بشكل أكثر عدوانية. وتم ضخ مليارات الدولارات فى مدارس دينية بباكستان، ومساجد فى أفريقيا، وشبكات دعوية فى مختلف أنحاء الشرق الأوسط. لم يكن ذلك مجرد سياسة سُنية ذاتية، بل كان متوافقاً مع الأهداف الغربية فى احتواء إيران. ورأت الولايات المتحدة أن تحويل إيران من حكومة علمانية إلى دولة دينية يشكل جدار صد ضد «الإلحاد» الماركسى السوفيتى. وهكذا اعتُبر تأجيج التطرف الدينى وسيلة ناجحة لكبح التوسع الشيوعى فى الشرق الأوسط.
على سبيل المثال، خلال الحرب الباردة، دعمت الولايات المتحدة وبريطانيا جماعة الإخوان المسلمين أحياناً كحاجز أمام الأنظمة العربية الاشتراكية الموالية للسوفييت. ففى مصر الناصرية، حيث ساد التوجه القومى العلمانى، استُخدم الإخوان كورقة ضغط. وقد تكررت الديناميكية ذاتها فى سوريا والعراق والأردن.
أما فى لبنان، فقد لعبت القوى الغربية والإقليمية على وتر الانقسامات الطائفية بين الموارنة والشيعة والسنّة والدروز. ومع تدخل إسرائيل وسوريا وإيران والولايات المتحدة وفرنسا، استُخدمت الانتماءات الدينية لتسليح أو تمويل مجموعات بعينها، بغية منع التوسع السوفيتى أو ضمان الحلفاء. وهكذا تحولت الهوية الدينية إلى أداة فى صراعات الحرب الباردة.
وفى وقت لاحق، دعم الغرب «المجاهدين» فى أفغانستان (1979-1989) لوقف التمدد السوفيتى. ورغم أن أفغانستان تقع فى آسيا الوسطى لا فى الشرق الأوسط، فإن لذلك ارتدادات واسعة على العالم الإسلامى. فقد موَّلت الولايات المتحدة وبريطانيا مقاتلين إسلاميين ضد السوفييت، مع استثمار خطاب «الجهاد» و«الشهادة» و«الدفاع عن الإسلام» لحشد المقاتلين. وبعد الحرب، انتشر العديد من هؤلاء المقاتلين إلى الشرق الأوسط، ما غذَّى حركات مسلحة من الجزائر إلى العراق.
لكن بعد هجمات 11 سبتمبر، وجدت الولايات المتحدة نفسها ضحية سلاحها؛ إذ إن كثيراً من المجاهدين الذين دعمتهم وتولت تدريبهم، وجَّهوا جهودهم لاحقاً إلى محاربة النفوذ الأمريكى. وقد أدى ذلك، بصورة غير مباشرة، إلى غزو العراق. وأثناء الاحتلال الأمريكى للعراق، استخدمت السلطات هياكل طائفية لإدارة البلاد عبر تعيين قادة على أسس سنية وشيعية وكردية. فاقم ذلك الانقسامات، وزعزع استقرار العراق، ومهَّد الطريق لصعود تنظيمات مثل «القاعدة فى العراق» ولاحقاً «داعش»، وبذلك ساهمت السياسات الغربية فى تحويل دولة كانت علمانية إلى ساحة اقتتال طائفى.
وبينما يعتقد الغرب أن مصلحته تكمن فى بقاء الشرق الأوسط مشرذماً، فإنه سيستمر فى استغلال الدين أداةً لشق صفوفه. غير أن الأحداث الأخيرة ربما دفعت شعوب المنطقة إلى البحث عن المصالحة والتوحد خلف راياتهم الوطنية. ويبدو أن خضوع القوى الغربية لهيمنة إسرائيل قد بلغ ذروته فى أحداث 7 أكتوبر 2023، التى شبَّهها البعض بأحداث 11 سبتمبر 2001. أما الحديث عن «مشروع إسرائيل الكبرى»، الذى يستلزم التهجير القسرى للفلسطينيين، فقد ساهم فى تعبئة رد فعل إقليمى موحَّد.
فعلى سبيل المثال، انتهت «حرب الـ12 يوماً» عندما أدرك الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أن إيران قادرة على إغلاق مضيق هرمز، مما كان سيشل أسواق النفط ويضر بأهدافه الاقتصادية الداخلية.
وفى السياق نفسه، فرضت تركيا قيوداً اقتصادية على إسرائيل شملت العقوبات على التجارة والحد من استخدام الطيران الإسرائيلى لأجوائها. كما انضمت منظمات مثل الأمم المتحدة (UN) ومنظمة التعاون الإسلامى (OIC) ودول أخرى إلى جهد جماعى للدفاع عن القضية الفلسطينية ومصالح الدول التى استهدفتها السياسات الغربية.
وإذا ما برزت قوى أخرى بشكل طبيعى لتكون موازنة للهيمنة الغربية، فإن العلاقات بين دول الشرق الأوسط قد تتجه نحو الاستقرار.
ومع تراجع التلاعب الغربى بالخلافات الدينية، سيُتاح للشعوب تجاوز بعض انقساماتها من أجل إعادة بناء اقتصاداتها.
وحين تتحسن الأوضاع الاقتصادية، ستتضاءل قدرة الغرب على تضخيم الخلافات الطائفية، بما يفتح المجال أمام نشوء دول أكثر استقراراً وازدهاراً.