بينى كوك يكتب لـ«الوطن»: توظيف إيران وتركيا وإسرائيل للدين السياسي لخدمة المصالح الجيوسياسية

كتب: محرر

بينى كوك يكتب لـ«الوطن»: توظيف إيران وتركيا وإسرائيل للدين السياسي لخدمة المصالح الجيوسياسية

بينى كوك يكتب لـ«الوطن»: توظيف إيران وتركيا وإسرائيل للدين السياسي لخدمة المصالح الجيوسياسية

تقوم القومية الأوروبية، فى الغالب، على مبدأ الفصل بين الدين والدولة، أى العلمنة، وهو ما اعتُبر خلال القرنين التاسع عشر والعشرين نموذجاً مرجعياً لبناء الدولة الحديثة، غير أنّ المشهد فى الشرق الأوسط يختلف جوهرياً؛ إذ إنّ الجذور التاريخية العميقة للإسلام، والإرث الاستعمارى الأوروبى، وصراعات القوى الكبرى، والتنافسات الإقليمية، والانقسامات المذهبية، قد جعلت القومية الحديثة فى المنطقة وثيقة الارتباط بالدين السياسى.

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل التجارب الثلاث الأكثر تميزاً فى هذا السياق (إيران، وتركيا، وإسرائيل) والكشف عن كيفية توظيفها الدين السياسى كأداة لتشكيل الهوية الوطنية، وبسط النفوذ الإقليمى، وتأمين مصالحها الجيوسياسية.

إيران

ترتكز الهوية الوطنية الإيرانية ومكانتها الإقليمية على المذهب الشيعى الاثنى عشرى، وبشكل خاص على مبدأ ولاية الفقيه. فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، أرسى هذا المبدأ موقع القائد الدينى الأعلى فى قمة البنية السياسية، جامعاً بين المرجعية الدينية والشرعية السياسية. وقد أسهم ذلك فى إنتاج هوية وطنية جامعة ذات طابع دينى وأيديولوجى مناهض للغرب، مما وفّر أساساً لإدامة النظام الثيوقراطى.

وعلى الصعيد الإقليمى، وظّفت «طهران» هذا الإطار العقائدى لتوسيع نفوذها عبر دعم الفاعلين الشيعة مثل حزب الله فى لبنان والحوثيين فى اليمن، كما تبنّت لاحقاً سياسة براجماتية فى دعم حركات سُنية على غرار حركة حماس. وتُقدّم هذه التحالفات ضمن سردية محور المقاومة فى مواجهة النفوذ الأمريكى، والدور السعودى الدينى والسياسى، وشرعية وجود إسرائيل. ومن ثَمّ، فإنّ إيران توظّف الدين السياسى كآلية مزدوجة: لتوحيد الداخل، وللتعبئة الإقليمية تحت شعار الدفاع عن المستضعفين وقيادة جبهة المقاومة ضد الغرب وحلفائه.

تركيا

شهدت التجربة التركية مساراً مغايراً، اتسم بمرونة شديدة فى توظيف الدين السياسى. فقد قامت الجمهورية التركية، منذ نشأتها على يد مصطفى كمال أتاتورك، على أسس علمانية هدفت إلى القطيعة مع الميراث العثمانى والإسلامى. غير أنّ صعود حزب العدالة والتنمية مطلع الألفية الثالثة، بقيادة رجب طيب أردوغان، أفضى إلى عودة تدريجية للإسلام السياسى ضمن إطار ما يُعرف بـ«النيو-عثمانية». ويُنظر إلى هذا التيار بوصفه صيغة من صيغ القومية الإسلامية السُّنية التى تعيد تعريف الهوية الوطنية من خلال استحضار الإرث العثمانى والإسلامى، مقابل علمانية القرن العشرين الصارمة.

أما إقليمياً، فقد سعت «أنقرة» إلى ترجمة هذا التصور عبر الترويج للقيم الإسلامية السنية، وتعزيز الروابط الثقافية والإثنية مع الشعوب التركية، ودعم الحركات الإسلامية مثل جماعة الإخوان المسلمين. كما طرحت نفسها كقوة حامية لإرثها العثمانى فى البلقان والمشرق. ويكشف هذا النهج عن طموح تركى لقيادة بديلة فى العالم السنّى، فى مواجهة السعودية ومصر. ومع ذلك، فإنّ «أنقرة» توازن بين هذا التوجه القومى-الدينى وبين التزاماتها فى حلف الناتو وانخراطها فى العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة، ما يبرز استراتيجية هجينة تمزج بين الأبعاد الدينية والاعتبارات الجيوسياسية البراجماتية.

إسرائيل

تتأسس الهوية الوطنية الإسرائيلية على الصهيونية، وهى حركة قومية جمعت بين الموروث التاريخى والثقافى اليهودى وبين المشروع السياسى لإقامة الدولة. وعلى الرغم من جذورها العلمانية، فإنّ الصهيونية استندت إلى سرديات دينية عن «أرض الميعاد»، ما مكّنها من تعبئة النخب الدينية والثقافية والجماعات اليهودية، خاصة فى ظل تصاعد القومية الأوروبية، ومعاداة السامية، ثم مأساة المحرقة. وقد شكّل هذا الإطار الأيديولوجى الأساس لقيام دولة إسرائيل عام 1948، باعتبارها وطناً جامعاً لليهود على اختلاف أصولهم.

منذ صعود حزب الليكود فى أواخر السبعينات، ازدادت مركزية الدين فى السياسة الداخلية والخارجية الإسرائيلية. فقد أعيد توظيف الصهيونية كمبرر أخلاقى وتاريخى للدولة ومطالبها الإقليمية، لا سيما فيما يتعلق بالقدس. كما عزّزت هذه الهوية الدينية-القومية الروابط مع الجاليات اليهودية عالمياً. إضافة إلى ذلك، سخّرت إسرائيل رمزيتها الدينية لاستقطاب دعم تحالفات استراتيجية، خصوصاً مع الجماعات المسيحية الإنجيلية فى الولايات المتحدة، وهو ما انعكس فى صورة دعم سياسى وعسكرى متين. وبهذا، يغدو الدين فى إسرائيل ليس مجرد مكوّن للهوية الوطنية، بل أيضاً أداة استراتيجية للحفاظ على النفوذ الإقليمى وترسيخ التحالفات الدولية.

خلاصة

تكشف دراسة النماذج الثلاثة أنّ الدين السياسى والقومية يتشابكان بطرق مختلفة فى إيران وتركيا وإسرائيل: فإيران أقامت نظاماً ثيوقراطياً يصدر أيديولوجيته الشيعية الثورية إقليمياً، وتركيا أعادت دمج البعد الإسلامى فى هويتها الوطنية عبر مقاربة نيو-عثمانية متوازنة مع علاقاتها الغربية، فيما مزجت إسرائيل بين اليهودية والصهيونية لتبرير مشروعها القومى وترسيخ تحالفاتها الدولية. ورغم تباين التقاليد - الثيوقراطية الشيعية، والنيو-عثمانية السنية، والقومية الدينية اليهودية- فإنّ هذه النماذج جميعاً تؤكد أنّ الدين السياسى لا يزال أداة مركزية فى تشكيل الهوية الوطنية وممارسة النفوذ فى الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط.


مواضيع متعلقة