اتفاقيات دولية.. سبب عدم تغليظ العقوبة في مصر على الأطفال المتهمين بجرائم بشعة

كتب: شيماء مختار

اتفاقيات دولية.. سبب عدم تغليظ العقوبة في مصر على الأطفال المتهمين بجرائم بشعة

اتفاقيات دولية.. سبب عدم تغليظ العقوبة في مصر على الأطفال المتهمين بجرائم بشعة

السيناريو مختلف والجاني واحد، جرائم بشعة لم يتحملها العقل ولا يخطر على بال أنها تصدر من طفل، فهي لم تعد مجرد حالات شاذة تصدر من طفل قاصر، إذ انتشرت في الآونة الأخيرة وقائع مفزعة بطلها أحداث لم تتجاوز أعمارهم الثامنة عشرة لكن أفعالهم فاقت بشاعتها ما يجرؤ عليه بعض البالغين، ولكن المعاقبة تكون بالسجن المشدد، لعدم سماح القانون بتطبيق عقوبة الإعدام عليهم.

جرائم كثيرة تنوعت ما بين اغتصاب، قتل عمد، تنكيل، تمثيل بالجثث، تخطيط مُحكم، وكل ذلك على يد من يُفترض أنهم «صغار» في نظر القانون، آخرهم عقوبة تصل إلى 15 عامًا، ليخرج في ريعان شبابه ويمارس حياته بشكل طبيعي، هنا يتساءل أهالي الضحايا لماذا لا تطبق مصر الإعدام والمؤبد على منتهكي الطفولة، وهو ما يجيب عليه المحامي أشرف ناجي، خلال حديثه لـ«الوطن».

لماذا لا تطبق مصر الإعدام والمؤبد على منتهكي الطفولة؟

تتصدر قضايا جرائم الأحداث واجهة الرأي العام، كلما وقع حادث بشع كان طرفه طفل أو مراهق دون الثامنة عشرة، تتعالى الأصوات المطالبة بتغليظ العقوبة بل وبتطبيق عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد على الحدث أسوة بالبالغ بدعوى أن البشاعة لا ترتبط بالسن، والحقيقة القانونية الثابتة هي أنّ مصر مُقيدة دوليًا باتفاقيات ومعاهدات تمنعها منعًا باتًا من توقيع الإعدام أو المؤبد على أي شخص ارتكب جريمة قبل بلوغه 18 سنة بصرف النظر عن درجة خطورة الفعل أو فظاعته.

المعاهدات والاتفاقيات، هي التزام قانوني دولي صريح صدّقت عليه مصر واندمج في منظومتها التشريعية وأصبح له قوة القانون طبقًا للمادة 151 من الدستور، وهذه الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها مصر وأصبحت مُلزمة لها هي:

قانون

  • اتفاقية حقوق الطفل (CRC)، تُعد اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 أهم وثيقة دولية تُنظّم وضع الأحداث في مواجهة العقوبات الجنائية، وقد صدّقت مصر على الاتفاقية عام 1990 وأصبحت ملزمة بأحكامها، إذ تنص المادة (37/أ) من الاتفاقية نصًا على: «لا يجوز فرض عقوبة الإعدام ولا السجن مدى الحياة دون إمكانية إفراج على أي شخص كان دون الثامنة عشرة عند ارتكاب الجريمة»، وهذا النص قاطع لا يحتمل تأويلاً، كما يُمنع أي تشريع داخلي يحاول الالتفاف عبر تعديل سن المسؤولية الجنائية أو توصيف الحدث بأنه «بالغ»، وبالتالي فإن أي مشروع لتغليظ العقوبة أو لمد أحكام الإعدام والمؤبد نحو الحدث يصطدم مباشرة بهذه المادة.

العهد الدولي للحقوق المدنية

  • العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (ICCPR)، فإن مصر طرف في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية منذ عام 1982، ويكرّر العهد القاعدة نفسها في المادة 6/5: «لا يجوز الحكم بعقوبة الإعدام على جرائم ارتكبها أشخاص دون الثامنة عشرة من العمر»، وهذا النص يعزز الحظر المطلق الوارد في اتفاقية حقوق الطفل، ويُغلق أي باب للتفسير التشريعي الذي قد يعتبر أن السن يُقدّر وقت المحاكمة أو وقت صدور الحكم، الحظر مرتبط بلحظة ارتكاب الجريمة، وليس بأي اعتبار آخر.

  • الميثاق الإفريقي لحقوق ورفاه الطفل (ACRWC)، إذ انضمت مصر إلى الميثاق الإفريقي لحقوق ورفاه الطفل، الذي ينص في المادة 5/3 على: «لا يجوز تنفيذ عقوبة الإعدام على أي طفل»، والطفل وفق تعريف الميثاق هو كل إنسان لم يتم الثامنة عشرة من عمره، وبذلك تمتد الحماية على المستويين الدولي والإقليمي، ويصبح أي تشريع وطني يسمح بالإعدام أو المؤبد للحدث مخالفًا لالتزامات مصر الإفريقية.

لماذا تلتزم مصر بهذه النصوص رغم خطورة بعض جرائم الأحداث؟ غالبًا ما يختلط على الرأي العام الفرق بين فداحة الجريمة والأهلية القانونية للجاني، ولكن المنظور الدولي، الذي قبلت به مصر، يقوم على أساس علمي قانوني مفاده بأن الحدث لم يكتمل نموه العقلي والنفسي، وبالتالي فلا يمكن معاملته كالبالغ من حيث المسؤولية الجنائية، والهدف من العقاب على الحدث ليس الانتقام بل الإصلاح وإعادة التأهيل، لذا إعدام الحدث أو سلبه حريته مؤبدًا دون فرصة مراجعة هو فعل يتعارض مع الكرامة الإنسانية ويُفقد العقوبة هدفها الإصلاحي، حتى الجرائم البشعة لا تُغير من حقيقة أن الحدث ضحية عوامل بيئية ونفسية وسلوكية لا يملك سيطرة كاملة عليها، والمشرّع الدولي وليس المصري وحده اعتبر أن الحدث قد يرتكب جريمة خطيرة، لكنه لا يفقد وصف الطفل ولا تُنزع عنه حماية القانون الدولي.

وأثر هذه الاتفاقيات على التشريع المصري، قانون الطفل المصري رقم 12 لسنة 1996 المعدل بالقانون 126 لسنة 2008 التزم بهذه المعاهدات التزامًا كاملًا، لذا ألغى القانون أي إمكانية لإعدام الحدث أو الحكم عليه بالمؤبد، واستعاض عنها بتدابير إصلاحية وعقوبات أقل شدّة، كما أكّدت محكمة النقض أن أحكام اتفاقية حقوق الطفل أصبحت جزءًا من المنظومة التشريعية المصرية بمجرد التصديق عليها ونشرها.

ويظل السؤال الأهم هو.. هل يمكن لمصر تعديل قوانينها لتغليظ عقوبة الحدث؟، وتتمثل الإجابة القانونية: في لا يمكن التعديل، فأي تعديل يسمح بالإعدام أو المؤبد دون إمكانية الإفراج لمن هم دون 18 عامًا يخالف اتفاقية حقوق الطفل، ويخالف العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، ويخالف الميثاق الإفريقي لحقوق الطفل، ويخالف المادة 151 من الدستور المصري التي تجعل للاتفاقيات قوة القانون، كما يُعرض مصر للمساءلة الدولية أمام لجان الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي.


مواضيع متعلقة