أقل عجز تجاري من 10 سنوات
أقل عجز تجاري من 10 سنوات
تخبرنا الأرقام أن مصر خلال الفترة من يناير إلى أكتوبر 2025، حققت أقل عجز تجارى منذ عشر سنوات، وبعبارة أبسط، الفجوة بين الواردات والصادرات وصلت إلى أدنى مستوياتها خلال عقد كامل.
الأهم من الرقم نفسه هو كيفية تحقيقه، فخفض العجز لم يكن نتيجة تقليص الواردات أو فرض سياسات تقشف قاسية على السوق والمستهلك، بل جاء نتيجة زيادة الصادرات، وهو ما يعنى زيادة الإنتاج، فخلال الفترة نفسها، سجلت الصادرات غير البترولية أعلى مستوى لها فى تاريخها، متجاوزة الـ40 مليار دولار، مع تحقيق أعلى زيادة سنوية تُقدر بنحو 6.5 مليار دولار، مقارنة بالفترة نفسها خلال العام السابق.
هذه الطفرة تعكس جدية النهج الذى قررته الدولة المصرية، وهو دفع الاقتصاد نحو توليد العملة الصعبة من الإنتاج والتصدير، بدلاً من اللجوء إلى خفض الاستيراد، والفرق هنا جوهرى: تقليل الواردات قد يخفف الضغط مؤقتاً، لكنه يخنق السوق، فضلاً عن أنه حل غير مستدام، بينما زيادة الصادرات تعنى تشغيل مصانع، وفتح أسواق، وخلق فرص عمل، وتحريك سلاسل إنتاج كاملة.
ولكى نفهم حجم ما تحقق، علينا أن نعود ثلاث سنوات فقط إلى الوراء، فى ذلك الوقت، كانت مصر تعانى من نقص حاد فى العملة الأجنبية، وتكدس سلع أساسية فى الموانئ، وتعطل سلاسل الإمداد، مع موجة تحريض خارجية، كانت تراهن على أن الأزمة ستقود إلى انهيار اقتصادى تام، يسقط معها النظام السياسى وتتحقق أمنية الإخوان الأولى والأهم.
لكن ما حدث كان العكس، الدولة اختارت طريقاً أصعب وأطول، لكنه حتمى: إعادة بناء القدرة الإنتاجية، واستطاع المصريون أن يقطعوا أشواطاً هائلة فى هذا الطريق، الذى لن تظهر نتائجه فوراً، لكنها ستتراكم كطبيعة أى أمة تنهض عبر الزمن.
تحسن الميزان التجارى لا يعنى أن كل المشكلات انتهت، ولا يعنى أن المواطن لم يتأثر بسنوات صعبة من التضخم والضغوط المعيشية، لا تزال بعض آثارها موجودة، لكن الفارق كبير بين اقتصاد يعيش على المسكنات، واقتصاد يحاول علاج جذور الخلل.
ولا يمكن أن ننهى هذه السطور، إلا ونحن نقول: الحمد لله على فضله وكرمه، ولا عزاء لمن راهن على الخراب.