أشرف غريب يكتب: الحدود الفاصلة بين الحقيقة والخيال في فيلم «الست»

كتب: editor

أشرف غريب يكتب: الحدود الفاصلة بين الحقيقة والخيال في فيلم «الست»

أشرف غريب يكتب: الحدود الفاصلة بين الحقيقة والخيال في فيلم «الست»

استطاع فيلم «الست»، منذ بداية عرضه قبل أيام، أن يحرك مياهاً كانت راكدة فى الحياتين الفنية والإعلامية، وهذه ميزة الأعمال الفنية الكبرى، فما بالنا والفيلم يتناول سيرة سيدة استثنائية فى تاريخ مصر والأمة العربية، وقد سجلت محركات البحث طوال الأسبوع الماضى معدلات غير مسبوقة فى التنقيب عن كوكب الشرق، وكل ما يتعلق بمشوارها الفنى والإنسانى، على أثر هذا الحراك الذى أوجده الفيلم، وإزاء هذه الثنائية الجدلية حول فيلم المؤلف أحمد مراد والمخرج مروان حامد بين مؤيد ومعارض كان السؤال الذى يقفز إلى ذهن الجميع هو ما الذى كان يريده صناع الفيلم من وراء التصدى لتقديمه؟ وأستطيع أن أتفهم أنه كان سؤالاً استنكارياً لدى كل من هاجم الفيلم، بل إن بعضهم وصل به الأمر إلى تبنى نظرية المؤامرة، وأنا لا أريد أن أتوقف أمام تلك الفرضية لأن بها تفتيشاً فى النوايا، رغم أن داعميها لديهم ما يؤيد ظنونهم على الأقل من وجهة نظرهم.

أما السؤال ذاته فقد أجاب عنه مؤلف الفيلم أحمد مراد، حين قال فى أكثر من لقاء، إنه أراد تقديم الجانب الإنسانى لأم كلثوم، أراد تقديمها من الداخل مستبعداً تاريخها الموسيقى الذى أصبح معروفاً للجميع، كلام أحمد مراد أكد نظرتى بأن صناع الفيلم أرادوا تقديم عمل عن أم كلثوم الست بكل مواطن قوتها ولحظات ضعفها، وأبعادها الإنسانية، وليس عن الست أم كلثوم سيدة الغناء العربى، التى كانت عنوان عصر بأكمله، ليس فقط على المستوى الفنى، ولكن بمفهومه الأكثر اتساعاً والأعمق تأثيراً، وأنا شخصياً لست ضد هذا التوجه، وأراه طرحاً جديداً ومختلفاً عن كل المعالجات الدرامية التى تعرضت لسيرة حياة كوكب الشرق.

لكن هذا لا يبرر ذلك التفكك الذى اعترى السيناريو، وحوله إلى مجموعة من الاسكيتشات غير المترابطة، رغبة فى انتقاء بعض المواقف الحياتية التى تبرز الطبيعة الإنسية لأم كلثوم، وليست الحالة الملائكية الشفافة التى اعتدنا أن نرى عليها «الست»، لكن الصدمة لم تكن فى الفكرة أو التوجه، وإنما كانت فى المعالجة، لقد فوجئ الناس بأن أحمد مراد وفريق فيلمه قد حشدوا مجموعة من المواقف والسلوكيات الكلثومية تبرز جوانب سلبية فى حياة الست، فبدا الأمر أمام العامة على أنه تعمد للإساءة إلى تاريخ تلك المرأة الاستثنائية، أما الخاصة فرأوا -وأنا أوافقهم الرأى- أن تقديم أم كلثوم الإنسانة أو «الست» وليست المطربة لا يستوجب فقط التركيز على السلبيات، فأى إنسان له جوانبه السلبية وأخرى الإيجابية المؤثرة والعاكسة لحياته الشخصية.

والمدهش أن العزيز أحمد مراد كان يصدر لنا جانباً سلبياً فى سلوكيات كوكب الشرق حتى فى قلب المواقف التى من المفترض أنها تثير تعاطفنا مع أم كلثوم، كمشهد التدخين والإمساك بالسيجارة بصورة توحى بمعانٍ كثيرة، للتعبير عن إحساسها بالوحدة وفقدان الإحساس بالأمان، ألم يجد المؤلف فكرة أخرى للتعبير عن حالة ضعف إنسانى من الممكن أن تعترى أى فرد بخلاف التدخين بتلك الصورة؟ ثم من قال له إنها ساومت والدها بعدم الغناء فى الأفراح لو هو أصر على العودة إلى طماى الزهايرة، على أثر الشائعة التى طالت شرف الست؟ ومن قال له إنها كانت تكسب انتخابات نقابة الموسيقيين بطرق ملتوية؟ و... و... و...؟ إن استلهام قصة حياة أم كلثوم لا يعنى اختلاق وقائع لا وجود لها بحجة أن هذا هو خيال المؤلف.

وفى تصريحاته المنتشرة حالياً يقول مراد إنه لا يقدم فى فيلم «الست» عملاً تسجيلياً أو توثيقياً، ومن ثم فالفيلم به من خيال المؤلف، وهذا أمر طبيعى، ليكن، فهل من المنطقى اختلاق مواقف ووقائع لم تحدث بحجة إعمال الخيال؟ هل يحق لأحد تزييف التاريخ كما فى ملف علاقة أم كلثوم برجال ثورة يوليو بحجة الخيال؟ هل يصح تشويه صورة بعض الناس كوالد الست وشقيقها لأن خيال المؤلف ارتأى ذلك على غير الحقيقة؟

أعتقد أنها أسئلة مهمة تحتاج إلى إجابة تحسم الحدود الفاصلة بين الحقيقة والخيال فى مثل تلك الأعمال، التى تستند إلى التاريخ أو تعرض لسيرة شخصيات حقيقية، فكم من المعلومات المغلوطة رسخت فى أذهان الكثيرين لأنها جاءت ضمن أعمال روائية أو درامية، وروايات أحمد مراد نفسه بها من ذلك الكثير، وأذكر أن الكاتب الكبير صالح مرسى كتب فى مقدمة رواية «رأفت الهجان» أن مسئولاً سابقاً، أبدى له استياءه لأنه أعمل الخيال بشأن شخصية الممثلة دلال شوقى، التى أوجد لها صالح مرسى دوراً فى عملية تدمير الحفار الإسرائيلى، وأعتقد أنكم تلحظون أننا منذ ظهور تلك الشخصية فى المسلسل التليفزيونى الشهير ونحن منشغلون بالبحث عن تلك الشخصية، مع أنه لا ظل لها فى الحقيقة، والسبب هو خيال صالح مرسى فى عمل يستند إلى وقائع تاريخية، وتلك هى الخطورة.


مواضيع متعلقة