الدكتور منجي علي بدر يكتب: المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ركيزة تنموية.. ومسار مصر نحو الدولة الناشئة

كتب: محرر

الدكتور منجي علي بدر يكتب: المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ركيزة تنموية.. ومسار مصر نحو الدولة الناشئة

الدكتور منجي علي بدر يكتب: المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ركيزة تنموية.. ومسار مصر نحو الدولة الناشئة

يشهد العالم توترات جيوسياسية وانفراطاً نسبياً فى منظومة العولمة وإعادة تشكيل جذرية لسلاسل الإمداد والتوريد العالمية، وهنا تبرز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كإحدى أهم الأدوات الاستراتيجية التى تمتلكها مصر لإعادة صياغة نموذجها التنموى، حيث لم تعد المنطقة الاقتصادية مجرد مشروع استثمارى أو لوجيستى، بل تحولت إلى قاطرة تنموية شاملة قادرة على دعم التحول الهيكلى للاقتصاد المصرى وتسريع انتقاله إلى مصاف الدول الناشئة ذات القاعدة الإنتاجية المتنوعة، ونعرض لأهم النقاط التالية:


أولاً: المسار الدولى وإعادة تعريف الفرص: تشهد البيئة الاقتصادية العالمية منذ عام 2020 سلسلة من الصدمات المتتالية، بدءاً من جائحة كورونا، مروراً بالحرب الروسية - الأوكرانية، وصولاً إلى تصاعد النزاعات فى الشرق الأوسط والبحر الأحمر وفنزويلا وما صاحب ذلك من اضطراب فى سلاسل الإمداد والتوريد وارتفاع تكاليف الشحن والطاقة ونزعة متزايدة نحو الحمائية الاقتصادية وإعادة توطين الصناعات.


وفى هذا السياق، تم تغيير معايير تقييم الدول، ليس بمدى اندماجها فى التجارة العالمية، بل بقدرتها على توفير منصات إنتاج مستقرة وآمنة، وهو ما منح المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ميزة تنافسية استثنائية، كونها تقع على مفترق طرق التجارة العالمية (14% من التجارة العالمية)، وتتمتع بقدر متزايد من الاستقرار السياسى والمؤسسى، مقارنة بالكثير من البدائل الإقليمية.


ثانياً: مشروع استثمارى ومنصة تنموية متكاملة: تكشف مؤشرات الأداء الحديثة للمنطقة عن انتقالها من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التشغيل التنموى الكامل فتحقيق إيرادات بلغت 6.25 مليار جنيه خلال خمسة أشهر فقط فى 2025 بمعدل نمو 55% لا يعكس فقط تحسناً مالياً بل يدل على دخول البنية التحتية الصناعية واللوجيستية مرحلة توليد القيمة المضافة كما أن هيكل الاستثمارات يؤكد طابعها التنموى إذ استحوذت المناطق الصناعية على الغالبية من المشروعات بما يعكس توجهاً نحو التصنيع من أجل التنمية وليس مجرد العبور أو الخدمات العابرة.


ثالثاً: تعميق الصناعة كقاعدة للانتقال إلى دولة ناشئة: يمثل تعميق الصناعة حجر الزاوية فى انتقال أى دولة من مرحلة الاقتصاد النامى إلى الدولة الناشئة، وفى هذا الإطار تؤدى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس دوراً محورياً عبر:


1 - توطين الصناعات ذات الأولوية، وتشمل الاستثمارات الصناعية مجالات ترتبط بالأمن الاقتصادى المصرى، مثل: الصناعات الغذائية والصناعات الكيماوية ومكونات الطاقة والصناعات الهندسية والتحويلية، وهو ما يُقلل الاعتماد على الواردات، ويُعزّز القدرة على الصمود أمام الصدمات الخارجية.


2 - الاندماج فى سلاسل القيمة العالمية بدلاً من الاكتفاء بتصدير المواد الخام أو المنتجات منخفضة القيمة، حيث تتيح المنطقة فرصاً للانتقال إلى مراحل إنتاج أكثر تقدماً، بما يدعم مكانة مصر الصناعية عالمياً.


3 - نقل التكنولوجيا وبناء القدرات باستقطاب استثمارات من دول متعدّدة يسهم فى إدخال أنماط إنتاج حديثة ويرفع تدريجياً كفاءة الصناعة المحلية.


رابعاً: البعد الزراعى وسلاسل القيمة الغذائية: رغم الطابع الصناعى للمنطقة الاقتصادية، فإن بعدها التنموى يمتد إلى القطاع الزراعى بشكل غير مباشر، ولكنه مؤثر، فالمنطقة تُمثل حلقة وصل بين الإنتاج الزراعى فى الدلتا ووادى النيل والصناعات الغذائية والتعبئة والتغليف والتصدير للأسواق الخارجية، وهذا التكامل يُسهم فى رفع القيمة المضافة للمنتج الزراعى وتقليل الفاقد وتحسين دخول المزارعين وتعزيز الأمن الغذائى الوطنى، وبذلك تتحول الزراعة من قطاع تقليدى إلى جزء فاعل من منظومة إنتاج وتصدير حديثة.


خامساً: قطاع الخدمات كرافعة موازية للنمو: بجانب الصناعة والزراعة يُعزز نشاط المنطقة الاقتصادية نمو قطاع الخدمات الحديثة خاصة الخدمات اللوجيستية والنقل متعدّد الوسائط والتخزين والتأمين والخدمات المالية المرتبطة بالتجارة وتتميز هذه الخدمات بارتفاع إنتاجيتها، مقارنة بالأنشطة التقليدية، بما يسهم فى زيادة الناتج المحلى وتوفير وظائف نوعية ودعم التحول نحو اقتصاد أكثر تنوعاً.


سادساً: الأثر الاجتماعى والتنموى المباشر: إن إتاحة أكثر من 134 ألف فرصة عمل مباشرة خلال ثلاثة أعوام تعكس البعد الاجتماعى الواضح للمنطقة الاقتصادية، فهذه الوظائف لا تقتصر على العدد، بل تمتد إلى تحسين مستويات الدخل وتنمية المجتمعات المحيطة ودعم الاستقرار الاجتماعى فى إقليم القناة وسيناء، كما تساعد طبيعة المشروعات فى تطوير التعليم الفنى والتدريب المهنى، وهو عنصر حاسم فى بناء دولة ناشئة قادرة على المنافسة
سابعاً: المنطقة الاقتصادية كأداة للمرونة الاقتصادية فى زمن الأزمات، فى ظل التوترات الدولية والإقليمية: تمثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أداة لتعزيز مرونة الاقتصاد المصرى من خلال تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على القطاعات الريعية وجذب استثمارات طويلة الأجل، بدلاً من الأموال الساخنة، وهذه المرونة أحد المعايير الأساسية التى تميز الدول الناشئة عن الاقتصادات الهشّة.


ثامناً: التحديات وشروط التحول المستدام: نجاح المنطقة فى قيادة التحول التنموى لمصر يظل مشروطاً بـتعميق المكون المحلى فى الإنتاج وتعزيز البحث والتطوير وربط المنطقة بالاقتصاد الوطنى وضمان الحوكمة والشفافية والاستدامة البيئية.
وفى الختام، لم تعد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس استجابة وقتية للتغيّرات العالمية، بل أصبحت أداة استراتيجية لإعادة بناء النموذج التنموى المصرى من خلال دورها فى تعميق الصناعة ودعم الزراعة وتنشيط قطاع الخدمات، وستوفر المنطقة مساراً عملياً لتسريع انتقال مصر إلى دولة ناشئة تعتمد على الإنتاج والقيمة المضافة وقادرة على التكيّف مع عالم متغير لا تصمد أمامه الاقتصادات أحادية الهيكل، وفى حالة استثمار هذا الزخم سوف تتحول المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ومعها منطقة الساحل الشمالى، خاصة العلمين الجديدة، من قصة نجاح قطاعية إلى نموذج تنموى متكامل داعم بقوة لرؤية مصر 2023.


مواضيع متعلقة