بابك إماميان يكتب لـ«الوطن»: القرن الأفريقى: الجغرافيا الحرجة.. الدولة الهشة.. ومأزق بناء الاستقرار
بابك إماميان يكتب لـ«الوطن»: القرن الأفريقى: الجغرافيا الحرجة.. الدولة الهشة.. ومأزق بناء الاستقرار
تنبع أهمية القرن الأفريقى من موقعه المطل على البحر الأحمر وخليج عدن، وهما من أكثر الممرات البحرية حيوية فى العالم، حيث تمر نسبة كبيرة من تجارة الطاقة والسلع بين آسيا وأوروبا. لكن هذه الأهمية الجغرافية لم تُترجم إلى استقرار أو تنمية مستدامة، بل على العكس، جعلت الإقليم ساحة مفتوحة للصراعات، والتدخلات الخارجية، والأنماط الهشة من الحكم.
تعانى معظم دول القرن الأفريقى من أزمة بنيوية فى الحوكمة. فالدولة الفاشلة -وفق التعريف المتداول- هى تلك التى تفقد قدرتها على بسط السيطرة الفعلية، وتقديم الخدمات الأساسية، وفرض القانون، وحماية مواطنيها. وفى مثل هذه البيئات، تتراجع الدولة لصالح الميليشيات، والجماعات المسلحة، والفاعلين من غير الدول، ما يفتح الباب أمام صراعات ممتدة وأزمات إنسانية متكررة.
فى هذا السياق، غالباً ما تُطرح «القيادة القوية» بوصفها مدخلاً أولياً لإعادة بناء الدولة. فحين تكون المؤسسات ضعيفة أو شبه غائبة، تصبح الشخصية القيادية القادرة على فرض الحد الأدنى من النظام عاملاً حاسماً فى منع التفكك الكامل. غير أن هذه الفكرة تصطدم بإشكالية جوهرية: فالنموذج الأوروبى الليبرالى، الذى يرفض حكم «الرجل القوى»، كثيراً ما يُسقَط على الواقع الأفريقى دون إدراك عميق لاختلاف السياقات التاريخية والاجتماعية.
فى أوروبا، تستطيع المؤسسات الراسخة تعويض ضعف القادة، أما فى القرن الأفريقى، فإن غياب المؤسسات يجعل أى انتقال سياسى سريع أو مثالى وصفةً للفوضى. ومن هنا، يظهر التناقض بين الخطاب الدولى حول الديمقراطية، ومتطلبات الاستقرار الأولى فى الدول الخارجة من الصراع.
لا تقل الأزمة الاقتصادية عمقاً عن أزمة الحوكمة. فحكومات القرن الأفريقى تواجه اختناقات مزمنة فى الإيرادات والتمويل، ما يدفعها للاعتماد على الشراكات الأجنبية، سواء مع القوى الأوروبية تاريخياً أو مع الصين فى العقود الأخيرة. وغالباً ما تُصمَّم هذه الشراكات لخدمة مصالح استراتيجية واقتصادية خارجية -من موانئ وقواعد ونفوذ- أكثر مما تهدف إلى بناء اقتصادات وطنية منتجة. ويكمن الخلل الأساسى فى اعتماد نماذج تنموية قائمة على التصدير والريع، بدل الاستثمار فى الطلب المحلى، والزراعة، والصناعة الخفيفة، وسلاسل القيمة الداخلية. وفى هذا الإطار، تمثل الجاليات الأفريقية فى الخارج مورداً غير مستثمر بما يكفى؛ إذ يمكن أن تسهم فى نقل المعرفة، ورأس المال، والمهارات.
لفهم الهشاشة السياسية فى القرن الأفريقى، يمكن الاستعانة بتشبيه الدولة أو النظام السياسى بالشركة الناشئة. فكما تمر الشركات الناشئة بمراحل حرجة من التأسيس والتجربة والخطأ، تمر الأنظمة السياسية الجديدة بمسار مشابه، يتطلب وقتاً، وخبرة، وذاكرة مؤسسية.
تشير تجارب عالم الأعمال إلى أن نحو 70% من الشركات الناشئة تفشل خلال السنوات العشر الأولى، وكثير منها ينهار فى أول خمس سنوات. ولا يحقق النجاح طويل الأمد سوى أقلية محدودة، غالباً ما تمتلك قيادة متمرسة، وبيئة داعمة، وقدرة على التعلّم من الإخفاق. وبالمثل، تواجه الأنظمة السياسية فى القرن الأفريقى معدلات فشل مرتفعة، بسبب ضعف المؤسسات، وقلة الخبرة، وضغط التهديدات الأمنية، والتدخلات الخارجية. غير أن الفارق الجوهرى هو أن فشل الدولة لا يشبه فشل شركة؛ فثمنه يُدفع من دماء المدنيين، وانهيار المجتمعات، وتفكك النسيج الاجتماعى.
إن استقرار القرن الأفريقى لا يمكن تحقيقه عبر وصفات جاهزة أو إسقاط نماذج خارجية. فهو يتطلب مقاربة واقعية تعترف بأن بناء الدولة مسار طويل، وأن الاستقرار يسبق أحياناً الديمقراطية الشكلية، لا العكس. كما يتطلب استثماراً جاداً فى المؤسسات، والاقتصاد المحلى، ورأس المال البشرى، بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات أو توظيف الإقليم كساحة تنافس جيوسياسى.
فى النهاية، يظل القرن الأفريقى اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع الدولى على التمييز بين الخطاب الأخلاقى والسياسة الفعّالة، وبين الرغبة فى الاستقرار السريع والحاجة لبناء طويل النفس. فكما فى عالم الأعمال، لا يولد النجاح بين ليلة وضحاها، بل نتاج الصبر، والتعلّم، والقدرة على الصمود.
■ عضو حزب المحافظين، باحث فى الاقتصاد السياسى، بريطانيا