يسري نصر الله: يوسف شاهين قال لي «أحسن لك تسوق لوري»

كتب: محرر

يسري نصر الله: يوسف شاهين قال لي «أحسن لك تسوق لوري»

يسري نصر الله: يوسف شاهين قال لي «أحسن لك تسوق لوري»

كتب - أشرف شرف

يروي «يسري نصر الله» أن «يوسف شاهين» قال له ذات مرة: «إنت أحسن لك تسوق لوري مش تخرج أفلام»، مؤكداً أن علاقته بالمخرج الكبير لم تكن عابرة، بل بدأت من بوابة النقد السينمائي حين دخل مكتبه بعد أن أجرى معه حواراً مهماً نُشر في جريدة السفير اللبنانية، ومن وقتها تحوّل إلى مساعد له، رغم أنه كان قريباً من «شادي عبدالسلام»، لكنه أصبح مساعداً لـ«شاهين»، وبين هذا وذاك كواليس تُنشر لأول مرة.

اللقاء الأول لم يكن مباشراً وإنما من خلال أفلام «شاهين»، حيث كان «يسري» يكتب في النقد السينمائي بجريدة السفير اللبنانية عن أسباب حبه للسينما أو عدم إعجابه ببعض الأفلام رغم ضخامتها، إلى أن جاءت النقطة الفاصلة حين شاهد فيلم «عودة الابن الضال» أربع مرات متتالية من شدة إعجابه به، وسأل وقتها «سمير فريد» والمخرج «محمد كامل القليوبي» عن رأيهما، فقالا إنه «ملخبط ومش مفهوم زي أفلام شاهين»، فرد «يسري» بأن الفيلم واضح وضوح الشمس، فكتب عنه دراسة ونشرها، ويعترف أنه قبل هذا الفيلم لم يكن يحب أفلام «شاهين» مثل أغلب السينمائيين.

«شاهين» أول مخرج عربي قال «أنا» بجرأة في سيرته الذاتية

ثم شاهد فيلم «إسكندرية ليه؟» الذي تحدث بلسان جيله بعد نكسة 67، فأحبه جداً وقرر أن يسافر من بيروت إلى القاهرة ليجري حواراً مع «شاهين» لجريدة السفير، وسأله لماذا صنع هذا الفيلم، فأجابه أنه بعد تغيير شريان في القلب قرر أن يسأل نفسه «أنا مين؟»، فحكى عن نفسه بحرية وجرأة، وقال إنه لا يريد أن ينتظر لأنه قد يموت في أي وقت وسيندم إن لم يصنع الفيلم الذي يسأل فيه نفسه.

فيلم «إسكندرية ليه؟» ألهم مخرجين عرباً كباراً للحديث عن أنفسهم

وعندما فكر «شاهين» في تقديم فيلم «إسكندرية كمان وكمان»، عمل «يسري» لأول مرة معه كمساعد، وكان «شاهين» ينوي تصويره بكرو أجنبي وبطولة النجم الفرنسي «ميشيل بيكولي»، لكنه مرض فجأة، فطلب من «يسري» أن يساعده، فاشترط عليه أن يقبل فقط إذا مثّل «شاهين» الفيلم بنفسه، وحين وافق «شاهين» قبل «يسري»، لكنه يعتبر الفيلم كابوساً أنهكه، حتى إنه قرر بعده ألا يرى «شاهين» مرة أخرى، وكان دائم الخلاف معه أثناء التصوير، وقال له وقتها: «إنت أحسن لك تسوق عربية لوري».

وبعد انتهاء التصوير سافر «يسري» إلى ميونخ لكتابة فيلمه «مرسيدس»، لكن «شاهين» كان يتصل به باستمرار من باريس ويصر على حضوره المونتاج، فذهب رغم أنه لم يكن يطيقه وقتها، وهناك كانت «رشيدة عبدالسلام» حاضرة وسمعت كم الشتائم التي كان يطلقها «شاهين» أثناء التصوير، فقالت له إن «يسري» معه حق ألا يطيقه.

يسرى

ومع ذلك يعترف «يسرى» أنه أحب هذا الفيلم جداً، لأنه كان حراً وناقش بصوت عالٍ كل ما يزعج «شاهين»، وهذا ما أحبه فيه، إنه يقول ما يريد بطريقته سواء وافقت الرقابة أو لا، كما أحب فيه أنه لم يتكبر على أى فيلم، وظل يتعامل مع كل عمل كأنه مخرج لأول مرة حتى وفاته.

ويحكي «يسري» عن تأثير فيلم «إسكندرية ليه؟» على مخرجين عرب كبار مثل «فريد أبوغدير» من تونس، و«محمد ملص» من سوريا، و«مروان بغدادي» من لبنان، و«نوري بو سعيد» من تونس، حيث دفعهم إلى الحديث عن أنفسهم بجرأة، وكان «شاهين» أول مخرج عربي يحكي سيرته الذاتية قائلاً «أنا»، بينما حتى «طه حسين» في كتاب «الأيام» كان يقول «الفتى» وليس «أنا»، لكن «شاهين» قالها بصوت عالٍ دون خجل. ويصف «يسري» الفيلم بأنه حالة سينمائية مكتملة مليئة بالنجوم مثل «نجلاء فتحي» و«المليجي» و«فريد شوقي» و«محسن محيي الدين» و«أحمد زكي»، مؤكداً أن «شاهين» قال «أنا» من خلال كل هؤلاء.

ويكشف «يسري» أنه كان يسكن في نفس العمارة التي يسكن بها «شادي عبدالسلام» وكان يزوره يومياً، لكنه رغم ذلك يرى أن «يوسف شاهين» هو من علمه المهنة بكل تفاصيلها، إذ تلقى على يديه دروساً خاصة لمدة ثلاث سنوات، تعلم خلالها كيف يصنع فيلمه الأول، وكيف يستعد جيداً، ويختار فريق العمل، ويبحث عن مواقع التصوير بطريقة مختلفة.

وعن الجملة الشهيرة «أفلام يوسف شاهين حلوة بس مش بنفهمها»، يروي «يسري» أنه كان برفقته في وسط البلد بجوار مكتبه، فأوقفه شخص وقال له إنه يحب أفلامه لكنه لا يفهمها، فسأله «شاهين» ماذا يفعل في هذه الحالة، فأجابه بأنه يعيد مشاهدة الفيلم، فسأله وماذا بعد، فقال إنه يشاهده مرة ثالثة، فاعتبر «شاهين» أن هذا هو تفسير المتعة، مؤكداً أن السينما ليست معادلة رياضية بل إحساس، ولا يمكن إجبار أحد على المشاهدة، لكن المتعة وحدها هي ما يدفع الجمهور إليها.

ويؤكد «يسري» أن «شاهين» لم يكن مغروراً، رغم كثرة الخلافات بينهما أثناء الكتابة والعمل، حتى إن «شاهين» قال له مرة: «مش عايز أشوف خلقتك تاني»، لكنه في أول تجربة عمل مشتركة شعر أنه أنجز ما طلبه منه، وكان العمل ممتعاً رغم أن الفيلم كان كابوساً، لأنه جمع بين كونه مخرجاً وممثلاً، وهو ما جعله بالغ الصعوبة، لكنه نفذ رؤيته وكان على قدر المسئولية.

ويضيف أن «شاهين» شاهد أفلامه وكان يحب «سرقات صيفية» و«مرسيدس»، ومن الكواليس التي لا يعرفها كثيرون أنه قال له ولـ«رضوان الكاشف» و«أسماء البكري» في لحظة غضب: «غوروا ما تجوش المكتب تاني»، بعدما استغلوا مكتبه لإنجاز أفلامهم وليس أفلامه، كما يروي أنه في مرة اتصل به «عماد البهات» وأبلغه أن الأستاذ غاضب من «جابي» لأنه كان يساعد «يسري» في فيلم «باب الشمس» في الوقت الذي كان «شاهين» يستعد فيه لتصوير «إسكندرية نيويورك»، لكنه في النهاية، وبعد أن شاهد الفيلم في باريس، أعجب به جداً.


مواضيع متعلقة