أشرف غريب يكتب: ليلى مراد صاحبة أول مائدة رحمن في الوسط الفني
أشرف غريب يكتب: ليلى مراد صاحبة أول مائدة رحمن في الوسط الفني
في عام 1946 أعلنت الفنانة ليلى مراد تحولها من اليهودية إلى الإسلام، كان ذلك بعد عام تقريباً من زواجها من الفنان أنور وجدي، الذي تزوجته في الخامس عشر من يوليو 1945 بالمحكمة الشرعية وهي لا تزال على يهوديتها، وقصة إسلام ليلى مراد باتت معروفة، حيث كانت تستمع يومياً إلى أذان الفجر من مئذنة المسجد القريب من منزلها بعمارة الإيموبيليا، وفي كل مرة كان الأذان يقربها من الدين الحنيف خطوة أخرى، إلى أن أيقظت زوجها أنور وجدي ذات يوم، وأبلغته أنها قررت الدخول في الإسلام، ثم قامت وتوضأت ونطقت بالشهادتين أمام أنور وجدي، وصلت معه الفجر وسط ترحيب كبير من جانب زوجها، وفي الصباح استدعى أنور فضيلة الشيخ محمود أبوالعيون، فأعادت ليلى أمامه ترديد الشهادتين، وبدأ الشيخ الجليل يلقنها تعاليم الدين الإسلامي، وظل إسلام ليلى مراد شفهياً أو سرياً احتراماً لوالدها، إلى أن ذهبت إلى الأزهر الشريف في ديسمبر 1947 لتعلن رسمياً اعتناقها الإسلام أمام فضيلة الشيخ حسن مأمون، الذي أصبح لاحقاً مفتياً للديار المصرية، ثم شيخاً للجامع الأزهر ابتداء من يوليو 1964.
وهناك رواية يتم ترديدها دون سند حقيقي أن إسلام ليلى مراد الشفهي كان في شهر رمضان، لكن الثابت لي وبعد انفرادي بنشر وثيقة إسلامها في كتابي «الوثائق الخاصة لليلى مراد»، الصادر قبل عشر سنوات، أن ذهابها إلى الأزهر الشريف وإعلانها الرسمي الدخول في الإسلام كان في شهر المحرم عام 1367، ومع هذا فإن هناك واقعة أخرى ارتبطت بإخلاص الفنانة الراحلة لإسلامها شهدها شهر رمضان، والرواية حكى لي بعض تفاصيلها المخرج الراحل حسن الصيفي، الذي كان في ذلك الوقت مساعداً لزوجها أنور وجدي.
فبعد إسلام ليلى مراد بعدة أشهر وذيوع الخبر بين الناس، حل شهر رمضان المبارك، وصادف ذلك شهري يوليو وأغسطس 1948، وكان الجو شديد الحرارة خلال هذا الصيف، ففكرت ليلى مراد أن تقدم للصائمين وقت الإفطار الموجودين في شارع شريف، حيث الإيموبيليا والشوارع المجاورة في وسط القاهرة، العصائر المثلجة والتمر باللبن، وكانت توكل هذه المهمة إلى بعض العاملين في شركة «الأفلام المتحدة» التي كانت شريكة فيها مع زوجها أنور وجدي، وكانت توصي هؤلاء المساعدين بأن يطلبوا من المارة الدعاء لليلى مراد بأن يتقبل منها إسلامها، وفي العام التالي -رمضان 1949- فكرت ليلى في تطوير ما حدث في العام السابق، وقررت بمساعدة أنور وجدي -المتهم دائماً بالبخل- إقامة مائدة رحمن عامرة بشتى أنواع الطعام والشراب، وكان موقعها في الشارع الجانبي خلف عمارة الإيموبيليا، واستمرت ليلى حريصة على هذه العادة حتى قيام ثورة يوليو 1952، ودخولها في دوامة الاضطهاد والتضييق عليها إلى أن أُجبرت على الاعتزال.
وأذكر أن المخرج حسن الصيفي قال لي إن ليلى كانت ترفض في مائدة الرحمن أن تعلن للناس أنها وراء هذه الموائد، وأن مرتادي تلك المائدة ظلوا لا يعرفون من هو رجل البر الذي يقيمها، إلى أن ربط الناس بين توقف إقامة تلك المائدة وبين مغادرة ليلى لعمارة الإيموبيليا، وانتقالها للإقامة في جاردن سيتي، وقتها فقط شاع بين الناس أن رجل البر هذا ما هو سوى الفنانة الكبيرة ليلى مراد، وفسر لي «الصيفي» ذلك بأنها في السنة الأولى التي كانت توزع فيها التمر والعصائر كانت حديثة عهد بالإسلام، وكانت تريد أن تعلن للجميع هذا الخبر السعيد، وتنتظر منهم الدعاء بأن يتقبل الله منها هذه الخطوة النورانية مودعة مرحلة يهوديتها، التي لم يكن لها فيها أي ذنب سوى أنها نشأت فوجدت أسرتها تدين بهذا الدين، أما بعد ذلك فلم تشأ أن يعلم أحد هذا الخير الذي تقوم به تقرباً إلى الله. وعلى أي حال فإن تاريخ موائد الرحمن سيظل مرتبطاً باسم ليلى مراد، باعتبارها أول فنانة تقيم هذه الموائد، وهي الظاهرة التي دأب عليها لاحقاً كثير من الفنانين والفنانات.
بقيت الإشارة إلى أن لليلى مراد مجموعة من الأغنيات الدينية، من بينها أغنية «باب الغفران» من تأليف محمد مراد فؤاد وألحان الشيخ سيد مكاوي، وفيها تستعرض ليلى أركان الإسلام الخمسة، ومن بينها فضل الصيام على المؤمن، هذا طبعاً بخلاف أغنيتها الشهيرة «يا رايحين للنبي الغالي» من كلمات أبوالسعود الإبياري وألحان رياض السنباطي.