د. حسام شاكر يكتب: منهل اللطائف في الكنافة والقطائف لـ«السيوطي»

كتب: محرر

د. حسام شاكر يكتب: منهل اللطائف في الكنافة والقطائف لـ«السيوطي»

د. حسام شاكر يكتب: منهل اللطائف في الكنافة والقطائف لـ«السيوطي»

نشأ الإمام جلال الدين السيوطي في بيت علم؛ فقد كان والده من العلماء الصالحين المحبين للعلم، وقد شاءت حكمة الله أن يولد هذا الابن بين الكتب ويعيش بينها ويرتبط ذكره بها، فكانت البداية عندما طلب والده من أمه كتاباً فذهبت لتأتي به، فولدته بين الكتب، ثم عاش حياته بعد ذلك مع الكتب، طاف في حياته بها ومعها في شتى الفنون تعلماً وكتابة.

كان الإمام السيوطي بمثابة مكتبة متحركة؛ حيث بارك الله في عمره فقرأ ثم صنف مئات المؤلفات، فصار مرجعاً يستفيد الناس منه في مجالات شتى؛ إذ حباه الله سرعة الإنتاج وغزارة التأليف والمصنفات.

إذا تتبعت مؤلفات الإمام السيوطي فستستمتع بكتاباته وتستلذ باختياراته، ومن هذه المصنفات الطريفة الخفيفة أنه ألّف في الكنافة والقطائف فتقرأ له وكأنك تتذوق الحلويات كما تتذوق الأدب فقد خط بيده «منهل اللطائف في الكنافة والقطائف» جمع فيه بين الطرافة والفكاهة والأدب، فحكى ما ورد من شعر وقصص، واستعرض الروايات التاريخية حول الكنافة والقطائف؛ وأن الكنافة ارتبطت بسيدنا معاوية بن أبي سفيان الذي شكا لطبيبه الجوع في نهار رمضان فوصفها له في السحور، وأن القطائف تعود للعصر الأموي أو العباسي، وسُميت بهذا الاسم لأن الضيوف كانوا «يتقاطفونها» لسرعة لذتها ثم رصد مواقف الأدباء والشعراء معها في العصر المملوكي فأشار إلى ما رواه أبوالحسين الجزار في غرامه بالكنافة:

سقى اللهُ أكنافَ الكُنافةِ بالقطْرِ.. وجادَ عليها سُكَّرٌ دائمُ الدرِّ

وتَباً لأوقات المُخَلَّلِ إنها تَمُرُّ بلا نَفعٍ وتُحسَبُ من عُمرى

أهيمُ غراماً كلما ذُكِرَ الحِمَى وليس الحِمَى إلا القُطَارة بالسِّعر

وصف الإمام السيوطي لنا حال المحبين للقطائف وشراهتهم لها عندما روى ما حدث لجحظة البرمكي حين دعاه صديقه البخيل لأكل القطائف فأمعن فيها وأكل بشراهة حتى كاد البخيل أن يوقفه عن الأكل وهدده بأن فيها هلاكاً له فرد البرمكيبأنها شهية وما سمع بميت قط بسبب القطائف ثم قام بالتهامها وأنشد يقول:

دَعانى صَديقٌ لي لِأَكل قَطائِفِ فَأَمعَنتُ فيها آمِناً غَيرَ خائِفِ

فَقالَ وَقَد أَوجَعتُ بِالأَكلِ قَلبَهُ رُوَيدَكَ مَهلاً فَهىَ إِحدى المَتالِفِ

فَقُلتُ لَهُ ما إِن سَمِعنا بِهالِكٍ يُنادى عَلَيهِ يا قَتيلَ القَطائِفِ

لقد كانت نهاية الإمام السيوطي مع الكتب كما بدأت معه، فقد اتخذ قراراً بالاعتزال في منزله وفضل الخلوة بنفسه وكتبه وهو في سن الأربعين والابتعاد عن كل ما يشغله خاصة الأمراء والسلاطين لأنه كان يرى أن عز العالِم في بعده عن السلطان، وألّف في ذلك رسالة عنوانها: «ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين»، جمع فيها كل الأحاديث والآثار التي تُحذر العلماء من القرب من أبواب الحكام، فإذا تأملنا حياته لاكتشفنا فيها صدق العزيمة وقوة الإرادة وبركة العمر فقد عاش رحمه الله نحو 61 عاماً فأنتج فيها نحو 600 مصنف، ما يعني أنه كان يكتب عدة صفحات أو ملازم في يوم واحد منذ أن بدأ التأليف فى سن السابعة عشرة حتى فارق الحياة فلا يمضي شهر إلا وأنتج فيه مؤلفاً قيماً أو يزيد، وهذه هي بركة الوقت والعمر، فالذكرى للإنسان عمر ثانٍ فقد رحل جسده وبقيت كتبه.


مواضيع متعلقة