محمود مرزوق يكتب: بردية تفسير الأحلام!

كتب: محرر

محمود مرزوق يكتب: بردية تفسير الأحلام!

محمود مرزوق يكتب: بردية تفسير الأحلام!

كان جمع المخطوطات القديمة من أبرز الهوايات التي ينفق عليها أثرياء أوروبا ثروات طائلة في سبيل جمع ما ندر منها من الشرق والغرب، ومن أبرز من ذاع صيتهم في هذا الصدد الأيرلندي الثري تشستر بيتي الذي كان مولعاً بجمع البرديات والمخطوطات القديمة، اشترى بيتي بردية مكتشفة في قرية دير المدينة بالبر الغربي في الأقصر، لكن حالتها السيئة جعلته يقرر الاستغناء عنها، فقد كان يريد لمجموعته أن تكون في أفضل حالة حفظ ممكنة.

انتهى المطاف ببردية دير المدينة في المتحف البريطاني في لندن، دون أن يدرك تشيستر بيتى أنه بذلك قد تنازل عن كنز معرفي ثمين سيلقي بأضواء باهرة على شخصية المصري القديم ونظرته للحياة والمجهول والغيبيات ومخاوفه وهواجسه.

عندما بدأ علماء المتحف البريطانى دراسة البردية، توصلوا لاكتشاف مذهل: فقد كانت بمثابة دليل قديم لتفسير الأحلام، يعود لآلاف السنين، كانت الأحلام انعكاساً لحياة الناس العاديين وهواجسهم اليومية في دير المدينة -الموقع الذي اكتُشفت فيه البردية- وهى القرية التي سكنها العمال والفنانون الذين نحتوا ونقشوا مقابر ملوك الدولة الحديثة في وادى الملوك. هؤلاء العمال، الذين تلقوا وجبات متواضعة من الخبز والجبن واللبن نظير عملهم، تركوا لنا سجلاً حياً لحياتهم دونوه على البرديات وكسرات الفخار، بعيداً عن سرديات الملوك المنتصرين والنبلاء الأقوياء.


كان من الطبيعى أن ينشغل هؤلاء العمال البسطاء بالمستقبل، فكتبوا برديات تحاول تفسير أحلامهم. تحوى البردية تفسيرات غريبة ومدهشة تكشف عن عمق القلق الإنسانى القديم من المجهول. على سبيل المثال، ورد في البردية من يرى فيما يرى النائم كأنه في حالة من السعادة، فسيظفر به أعداؤه، رغم أن ظاهر الحلم قد يبدو للوهلة الأولى دليلاً على حسن الطالع! هذا التناقض الظاهرى بين فحوى الرؤيا وتأويلها يعكس الطبيعة المعقدة للرموز في عالم الأحلام.


قد يبدو هذا الهوس بتفسير الأحلام شيئاً من الماضى، لكن الحقيقة أنه لا يزال حياً ومتجذراً في الوجدان المصري حتى اليوم. حتى في عصر الإنترنت والسماوات المفتوحة والذكاء الصناعى نجد أن هناك صفحات ومواقع خصصت لتفسير الأحلام وهو انعكاس لرغبة الملايين الذين يبحثون يومياً عن تفسيرات أحلامهم على الإنترنت.
وفى العصور الوسطى برز كتاب تفسير الأحلام المنسوب لابن سيرين كأحد أشهر الكتب التي يحتفظ بها المصريون في بيوتهم، وأحد أكثر الكتب مبيعاً. لكن ابن سيرين، مثل مفسرى الأحلام في مصر القديمة، يقدم تفسيرات تبدو متناقضة للوهلة الأولى. فورد في تفسيره رجل يرى نفسه يرفع الأذان في المنام، قد تظن أنه شىء مبشر، لكن ابن سيرين يفسره أحياناً بأن صاحب الرؤيا سيكون لصاً تلقى الشرطة القبض عليه، تصديقاً لآية «ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ». بينما يفسر نفس الحلم لرجل آخر بأنه سيحج بيت الله الحرام، استناداً لآية «وَأَذِّنْ فِى النَّاسِ بالحجِّ». التفسير هنا يعتمد على حال صاحب الحلم وظروفه، مما يكشف عن رغبة عميقة في إيجاد معنى شخصى يمنح الطمأنينة.


الأحلام في مصر ليست مجرد ظاهرة فردية، بل جزء من الوعى الجمعى. فأشهر قصة تفسير حلم في القرآن جرت أحداثها في مصر: رؤيا الملك التي فسرها يوسف، عليه السلام، بالسبع سنين العجاف. هذه القصة استقرت في الوجدان المصري بشكل عميق واستُدعيت في كل أزمة. بعد هزيمة 1967، عندما مرت السنوات دون حرب، ردد المصريون: «سبع سنين عجاف وبعدها نحرر أرضنا».


وارتبط بحرب أكتوبر رؤيا لشيخ الأزهر عبدالحليم محمود رأى فيها النبى (صلى الله عليه وسلم) يعبر قناة السويس وخلفه الجيش المصري فاعتبرت الرؤيا رسالة طمأنينة وبشارة بالنصر، وهكذا فإن الأحلام في الوعى المصري لم تقتصر على كونها مجرد نافذة للمستقبل، بل تحولت أحياناً إلى أداة للتغيير السياسى والاجتماعى. في العصور القديمة، كانت الرؤى تُستخدم لإضفاء الشرعية على قرارات الحكام، وفى العصر الحديث، استُدعيت الأحلام لتبرير تحولات كبرى أو للتنبؤ بها. هذا التوظيف السياسى للأحلام يكشف عن وجه آخر لها: فهى ليست فقط ملاذاً نفسياً فردياً، بل يمكن أن تصبح سلاحاً رمزياً في يد من يجيد قراءة الوجدان الجمعى للناس.


مواضيع متعلقة