د. هشام ربيع يكتب: «فوائد الليث بن سعد» نافذة على علم الإمام
د. هشام ربيع يكتب: «فوائد الليث بن سعد» نافذة على علم الإمام
فى خضم الزَّخَم الذى حظيت به مدونات الحديث والفقه الكبرى، تظل بعض المصنفات المبكرة حبيسة دوائر المتخصصين، رغم ما تحمله من قيمة علمية وتاريخية فريدة. من بين هذه الكنوز يبرز كتاب «فوائد الليث بن سعد» كوثيقة نفيسة لا تُقدِّم لنا مرويات الإمام الليث فحسب، بل تفتح نافذة نادرة على منهج إمام قال عنه الشافعى: «الليث أفقه من مالك، إلَّا أنَّ أصحابه لم يقوموا به».
الإمام الحافظ العالم أبوالحارث الليث بن سعد بن عبدالرمن الفهمى القلقشندى، فقيه ومحدث وإمام أهل مِصرَ فى زمانه، وصاحب أحد المذاهب الإسلامية المندثرة، وُلد فى قرية قَلْقَشَنْدَة من أسفل أعمال مصر، وكان أحد أشهر الفقهاء فى زمانه، فاق فى علمه وفقهه إمام المدينة المنورة مالك بن أنس، غير أن تلامذته لم يقوموا بتدوين علمه وفقهه ونشره فى الآفاق، مثلما فعل تلامذة الإمام مالك، وبلغ مبلغاً عالياً من العلم والفقه الشرعى بِحيثُ إِنَّ مُتولِّى مصر، وقاضيها، وناظرها كانوا يرجعون إِلى رأيه، ومشُورته.
لا يندرج الكتاب تحت تصنيف «المسانيد» أو «السنن» بالمعنى الاصطلاحى، بل هو أقرب إلى مفهوم «الفوائد» و«الأمالى» التى كان يمليها المحدِّث فى مجالسه، فينتقى تلاميذه منها ما يستطرفونه من غرائب الأسانيد أو متون الأحاديث. وهذا الطابع الانتقائى هو ما يمنح الكتاب قيمته الخاصة؛ فهو لا يهدف إلى استيعاب كل مرويات الليث، بل إلى تقديم عينات دالة على سعة علمه ودقة روايته وعلو إسناده.
عند تصفح «الفوائد»، يلحظ الباحث عدة سمات منهجية بارزة:
أولاً: علو الإسناد؛ فالليث بن سعد (ت 175هـ) من طبقة الأتباع، ورواياته عن كبار التابعين وصغار الصحابة تضعه فى حلقة ذهبية من حلقات الرواية.
ويقدم لنا الكتاب نماذج من هذه الأسانيد العالية التى كانت محط أنظار المحدثين، مثل رواياته عن نافع مولى ابن عمر، والزهرى، وعطاء بن أبى رباح.
ثانياً: التنوع الموضوعى، فعلى صغر حجمه، يتنقل الكتاب بين أبواب العلم المختلفة، من أحاديث الأحكام الفقهية الدقيقة التى تظهر براعة الليث الاستنباطية، إلى أبواب الفضائل والرقائق التى تكشف عن جانبه الروحى والتربوى، مروراً بأخبار الفتن والملاحم، وهذا التنوع يعكس شخصية الليث كإمام جامع، لم يكن محدِّثاً فحسب، بل فقيهاً ومربياً ومؤرخاً.
ثالثاً: القيمة النقدية، حيث يتيح لنا الكتاب فرصة نادرة لمقارنة روايات الليث بأقرانه، وعلى رأسهم الإمام مالك.
ففى بعض المواضع نجد الليث ينفرد بزيادة فى المتن أو بوجهٍ فى الإسناد، مما يفتح باباً للبحث المقارن فى علل الحديث والترجيح بين الروايات.
ختاماً، لا يمكن قراءة «فوائد الليث بن سعد» كمدونة حديثية شاملة، بل يجب التعامل معه كـ «بطاقة تعريف» مُكثَّفة تُقدِّم لنا أبرز ملامح علم الإمام المصرى.
إنه دعوة مفتوحة للباحثين لإعادة اكتشاف هذا الجبل الشامخ، وتتبع مروياته المبثوثة فى دواوين السنَّة، وتحليل فقهه الذى شهد له القاصى والدانى.