أشرف غريب يكتب: عندما أفطر محمود المليجي لأسباب فنية
أشرف غريب يكتب: عندما أفطر محمود المليجي لأسباب فنية
امتد مشوار الفنان الكبير محمود المليجي ثلاثة وخمسين عاماً، منذ انضمامه سنة 1930 وهو في العشرين من عمره إلى فرقة فاطمة رشدي المسرحية وحتى رحيله عام 1983، وهو يؤدي دوره في فيلم «أيوب» أمام الفنان عمر الشريف، وكان أول أدواره على شاشة السينما في فيلم «الزواج» سنة 1933 بعد ثلاثة أعوام فقط من احترافه التمثيل، وأمام فاطمة رشدي أيضاً التي كانت شديدة الإيمان بموهبة ابن حي الدرب الأحمر بالقاهرة.
وقد مثل المليجي على مدى مشواره الفني نحو 360 فيلماً سينمائياً في مصر، ما جعله صاحب الرقم القياسي بين الفنانين المعروفين في الوقوف أمام كاميرا السينما، ورغم أن شهرته قد تحققت له من خلال عدد كبير من أدوار الشر فإنه كان يتمتع بقلب طيب رقيق وبسمعة حسنة بين زملائه، كما عرف عنه حرصه الشديد على أداء العبادات لا سيما في شهر رمضان، حيث كان يواظب على الصيام والقيام، وقراءة القرآن الكريم، وأنه كان يحاول التفرغ لعباداته مع قدوم الشهر الكريم.
غير أن الفنان الكبير تعرض في أحد شهور رمضان لموقف صعب تسبب له في أن يفطر أحد أيام هذا الشهر، وهو ما يحكي تفاصيله قائلاً:
في فيلم «عدو المجتمع» سنة 1947 كان المخرج إبراهيم عمارة قد اتفق معنا أنا وبطلة الفيلم عقيلة راتب والفنان الزميل عباس فارس على أن ننتهي من تصويره قبل أول رمضان، ولكن حدث أن تعطلنا عدة أيام بسبب مرض بعض الزملاء ولأسباب أخرى فنية، فطلب إلينا المخرج أن نتعاون معه على إتمام الفيلم خلال الأيام الأولى من رمضان فوافقنا، وكعادتي من كل عام كنت حريصاً على أداء فريضة الصيام، فذهبت إلى الاستوديو في أول يوم من أيام رمضان صائماً، والذي حدث أن دوري في الفيلم كان يحتم عليَّ أن آكل في أحد المناظر. واعترضت على ذلك بطبيعة الحال، وحاولت أن أبحث عن حلول تؤدي إلى تأجيل تصوير هذا المشهد، ولكن المخرج ألح عليَّ خصوصاً أن عقد إيجار الاستوديو كان قد انتهى. وأسلمت أمري إلى الله، وبدأت أمضغ الطعام ثم أخرجه من فمي عندما ينتهي المشهد، وأجريت البروفة مرة ومرات، وفي كل مرة أمضغ الطعام ثم ألقيه.
كان هذا في الساعة الثالثة بعد الظهيرة، وكان بيننا وبين مدفع الإفطار أربع ساعات، وكان الجو شديد الحرارة، وكنت جائعاً وظمآن، بل وفي منتهى الجوع لأن اليوم الأول في شهر رمضان هو أصعب الأيام، ورغم هذا قاومت وطلب إبراهيم عمارة أن أستعد للقطة النهائية، فبدأت آكل من جديد، واندمجت في الدور اندماجاً كلياً. وفجأة وجدت نفسي أبلع الطعام ثم آتي على كل ما في الطبق من شرائح اللحم، والمخرج والزملاء يضحكون للصائم الذي نسي نفسه وأفطر لأسباب فنية.
المدهش أن إبراهيم عمارة نفسه كان صائماً، فهو أيضاً من أشد الزملاء حرصاً على أداء طقوسه وعباداته، وكثيراً ما كان يدخل في نقاش حاد مع أي شخص في الاستوديو يضبطه عمارة متلبساً بالتدخين في أيام الشهر الفضيل، أما أنا فقد تركني أفطر في هذا اليوم، وفي اليوم التالي حاول عمارة اللعب بأعصابي، فجاءني يقول إن المشهد الذي صورناه بالأمس قد ظهرت به عيوب فنية، وأنه مضطر إلى إعادته مرة أخرى اليوم، فلم أتمالك نفسي من الثورة عليه، لدرجة أنني هددت بعدم استكمال تصوير الفيلم برمته، لكنه هدأ من روعي، وقال إنه يمزح معي، ومن يومها عدت إلى عادتي الأصلية في عدم التصوير خلال أيام رمضان والتفرغ تماماً للصلاة والصوم وقراءة القرآن الكريم.