وليد خيري يكتب: أحمد الفخراني.. في مديح الهشاشة وقبول العادي

كتب: editor

وليد خيري يكتب: أحمد الفخراني.. في مديح الهشاشة وقبول العادي

وليد خيري يكتب: أحمد الفخراني.. في مديح الهشاشة وقبول العادي

السمة الفارقة التي تميز عمالقة الأدب عن غيرهم لا تكمن في القدرة على التنقل العشوائي والسطحي بين المذاهب والأفكار، بل في إيجاد تلك الفكرة الأوحد، أو الهم المهيمن، الذي يشتعل بالشغف العميق ويصبح بمثابة الهاجس المسيطر، فهذا الموضوع ليس مجرد مادة خام، بل هو العدسة المعرفية والوجودية التي ينظر بها الكاتب إلى العالم، وهو القلب النابض الذي يغذي مسيرته الإبداعية بأكملها، متتبعا إياه بتنوع فني ثري وتألق جمالي على امتداد عقود من الكتابة والمكابدة، فكما كان إرنست همنجواي مطاردا بسؤال المواجهة مع الموت، وكما سجن تشارلز ديكنز أبطاله في دهاليز الظلم الاجتماعي بحثا عن أب مفقود، فإننا عند إخضاع المدونة السردية للروائي المصري أحمد الفخراني للتحليل، نكتشف أن مشروعه يتأسس على هم مهيمن يتمثل في مأزق الرجل الإنسان العادي في مواجهة أوهام العظمة، ومحاولاته اليائسة لإحكام السيطرة داخل متاهة عالم سائل، وصولاً إلى ضرورة قبول الهشاشة والنقصان كطريق وحيد للنجاة.

هذا الهم يتشظى في روايات أحمد الفخراني ليواجه سلطات متعددة، تبدأ بسلطة الأيديولوجيا في رواية «عائلة جادو»، حيث يفكك الكاتب تلك الهالة التقديسية المحيطة بالأفكار الكبرى، محولا شبح الماركسية إلى كائن بشري يعاني الضعف في الحواري المصرية، إذ يستهل السارد نصه بنداء ساخر يقلب شعار البيان الشيوعي ليقول: «يا ميديوكرز العالم اتحدوا»، وهو إعلان مبكر عن تحول الصراع من الطبقي إلى الوجودي، فالرجل العادي أو متوسط الموهبة هو بطل هذا الزمن الذي سقطت فيه وعود الخلاص الجماعي، ويصف السارد لقاءه بماركس كدرويش في حضرة نبي مهزوم، حيث يراه «حيا، دافئا، يضخ بالدم»، ليتحول المفكر العظيم في هذه المتاهة السردية إلى شخص يصارع الجميع بلا رفقة ولا سلاح ولا أنصار، تماما مثل بطل الرواية رزق الذي يعاني من طموح عظيم وثقة قليلة، ويمثل هذا التوجه السوسيولوجي انعكاسا لجيل الألفية الذي وجد نفسه مقذوفا في عالم يطالبه بالنجاح السريع بينما هو يغرق في الأسى وهدر الوقت.

وبالانتقال من سلطة الأفكار إلى سلطة النفس، نجد أن وهم السيطرة يمثل العمود الفقري لرواية ماندورلا، حيث يمارس البطل عبد الجبار أو الرجل الراقي نوعا من التحكم القهري في أدق تفاصيل حياته كآلية دفاعية ضد عبثية الوجود، فالسيطرة لديه هي التي تمنع الحياة من الانفلات، «تكراره اليومي يطمئن قلبه، يؤكد له سيطرة قبضته على الحياة»، ويصل هذا الهوس النفسي إلى فلسفة تجنب الذروة، ليس في الجنس فحسب بل في كل انفعال بشري، ظنا منه أن هذا التمنع هو السبيل الوحيد للنجاة من المتاهة، «علينا فقط أن لا نبلغ الذروة، ذروة أي شيء، هكذا نرد لها الصاع صاعين، وننجو من المتاهة»، لكن هذه الإرادة الصلبة المزعومة تنهار أمام أبسط الهواجس، مثل صوت إغلاق الباب الذي يفتح بوابة مظلمة في عقله، مما يثبت أن محاولة الرجل الصغير لإحكام السيطرة على قدره هي محاولة محكوم عليها بالفشل التام أمام واقع لا يمكن التنبؤ به.

ويتخذ هذا الصراع مع الغريزة بعدا أكثر توحشا في رواية إخضاع الكلب، حيث يهرب المصور هارون من خيانة زوجته إلى عزلة مدينة دهب، باحثا عن الضجر ورتابة الألوان كعلاج لغواية الانتحار، لكنه يجد نفسه مضطرا لمواجهة كلب أسود يُدعى ونيس، ليتحول الكلب هنا إلى رمز للجانب المظلم أو الظل في النفس البشرية، فالرغبة في إخضاع الكلب ليست في جوهرها سوى رغبة هارون في استعادة الهيمنة على ذاته المفتتة، والعلاقة التي تتأرجح بين الندية والرغبة في القتل تعكس ملامح اضطرابه النفسي وخلطه الدائم بين الواقع والمتخيل، إذ يصبح ترويض الكلب مرادفا لترويض الوحش القابع داخله، وهو ما يعزز فكرة الفخراني المركزية عن رؤية الإنسان للعالم من خلال ما يدور في ذهنه لا وفقا للحقائق الخارجية.

وفي سياق مواجهة معايير السلطة، تبرز رواية سيرة سيد الباشا لتعري الصراع بين النسخة المثالية التي تفرضها المؤسسات وبين الجسد البشري بنواقصه، فالبطل يعمل في منظومة تراقب الأشياء الخارجة عن النسخة المثالية للإنسان، وتفرض السلطة معيارا للرجل الكامل الذي هو «نظيف كالماء، لا خطأ فيه بلا كرش، أو صلعة، أو ندبة»، بينما يحمل سيد الباشا آثار الكدح في كرش ناتج عن أكل الشارع السريع، لكنه في النهاية يصل إلى نضج فلسفي يتمثل في التصالح مع هذا العيب، «بدأ بالاعتراف بكرشه.. اعتبر ذلك علامة نضج.. خاصة بعد أن أحبه باعتباره جزءا من جسده»، وهذا الاعتراف يمثل ثورة صامتة للرجل العادي ضد ديكتاتورية الكمال المزعوم، وإقرارا بأن الأصالة الإنسانية تكمن في قبول التشوه الحتمي.

هذا الهم المتعلق بجماليات النقصان يمتد إلى قاع المدينة في «بياصة الشوام»، حيث يغوص الكاتب في عوالم المهمشين بالإسكندرية عبر شخصية سعيد النحات، الذي يكتشف أن الفن لا يقود إلى الكمال المطلق، بل هو توثيق للعجز الإنساني الجميل، ويتجلى هذا الإدراك في تأمله لصوت أم كلثوم، حيث يرى أن الكمال الروحي يولد من رحم الضعف، «الأسر في رق الحبيب، أنها مشيدة على الضعف والنقصان.. أهناك درس أكثر بلاغة عن الكمال؟»، لتترسخ فكرة أن المضي في متاهة الحياة بشجاعة العجز هو السبيل الوحيد للبقاء، بعيدا عن أوهام السيطرة التي يمثلها «البامبو» ملك الليل في البياصة.

ويصل هوس العظمة وانتحال الهوية إلى ذروته الميتاسردية في رواية المشاء العظيم، التي تفكك أسطورة المؤلف من خلال شخصية محمد الأعور الذي يسرق روايات أستاذه الراحل فرج الكفراوي سعيا للمجد والخلود الأدبي، وهنا تبرز أزمة الهوية للرجل الذي يفتقر لأصالة الرغبة فيقوم بتقليد رغبات الآخرين، مؤمنا بأن «شيئاً من عادات ضحيته وقوى روحه ينتقل إليه»، وتتلاعب الرواية بفكرة الأصل والنسخة لدرجة التشكيك في وجود المؤلف نفسه، مشيرة إلى إمكانية أن يكون النص «تأليفا جماعيا من جوقة الذاكرة وكورال النسيان»، لتغلق المتاهة أبوابها على البطل عندما يطالبه شبح أستاذه بكتابة رواية هي في الحقيقة سيرة حياته في الزيف والخيانة، فلا يجد طريقا للخلود إلا عبر الانتحار كفعل أصيل وحيد، وهو الفعل الذي «حقق له ما لم تحققه موهبته.. الخلود».

وتتوج هذه المسيرة في رواية بار ليالينا التي تواجه زيف النخبة المثقفة، فالبطل نوح الرحيمي يدرك حقيقته ككومبارس سابق توقف عن الادعاء، ويكتشف أن المثقفين الذين يحيطون به لا يقدمون فكرا بل يعيدون إنتاج كليشيهات للتعمية على الحقيقة والتعالي على من يصفونهم بالحمقى، وعندما يدرك نوح أن العالم يخلو من الكبار الحقيقيين، يقرر الانتقام عبر طوفان يقلب الميثولوجيا، فالسفينة هنا هي المرآة التي تجبر الجميع على رؤية صورهم الممسوخة، والخلاص لا يكون بادعاء الذكاء بل بالقبول بالصورة الممسوخة.

يملك أحمد الفخراني مشروع روائي متماسك يتمحور حول تمزقات الإنسان المعاصر في مواجهة سلطة المتاهة، حيث أثبت الفخراني أن الأبطال في عالمنا السائل لا يحملون سيوفا بل مرايا تعكس تشوهاتهم، وأن رحلة الرجل الراقي الذي يتجنب الذروة، وهارون الذي يصارع كلبه، وسيد الباشا المتصالح مع عيوبه، وسعيد النحات في أزقة الإسكندرية، ومحمد الأعور سارق العظمة، ونوح الرحيمي كاشف زيف النخبة، هي في جوهرها رحلة تبحث عن الأصالة في مواجهة منظومات الزيف الخانقة، والحل الذي يقدمه الفخراني كخلاص من هذا الهم المهيمن ليس التمرد الملحمي، بل هو شجاعة الاعتراف بالهشاشة والنقصان، والتسليم بالرجل العادي القابع فينا بوصفه الحقيقة الإنسانية العارية الوحيدة القادرة على النجاة من طوفان هذا العالم المفرط في التزييف والادعاء.


مواضيع متعلقة