سامح فايز يكتب: اعترافات «عبدالونيس» تكشف خفايا «حسم»

كتب: محرر

 سامح فايز يكتب: اعترافات «عبدالونيس» تكشف خفايا «حسم»

سامح فايز يكتب: اعترافات «عبدالونيس» تكشف خفايا «حسم»

في لحظات معينة لا يعود البيان الأمني مجرد خبر عابر يُضاف إلى رصيد يومي من الوقائع، بل يتحول إلى مفتاح لفهم مرحلة كاملة. البيان الصادر عن وزارة الداخلية المصرية بشأن القبض على القيادي في حركة حسم، علي عبدالونيس، ينتمي إلى هذا النوع تحديداً من الأحداث التي تتجاوز ظاهرها، لتكشف مستويات أعمق من الصراع الذي تشكل في مصر بعد 2013؛ فالقضية هنا لا تتعلق بشخص بقدر ما تتعلق بنمط، ولا بواقعة ضبط بقدر ما ترتبط ببنية كاملة ظلت تعمل في الظل لسنوات.

لفهم أهمية الحدث يجب أولاً الخروج من إطار القراءة السطحية التي تختزل المسألة في «القبض على عنصر إرهابي». لأن المعطيات المتاحة تشير إلى أن «عبدالونيس» لم يكن مجرد منفذ داخل شبكة عمليات، بل كان جزءاً من مستوى أكثر حساسية وتعقيداً، وهي المرحلة التي تسبق التنفيذ، وتقوم على تصنيع العناصر، وإعادة تأهيلها، وربطها بشبكات أكبر. هذه المرحلة تمثل في أدبيات التنظيمات المسلحة العمود الفقري لأي نشاط لاحق؛ لأنها المسئولة عن بناء القدرات البشرية والتنظيمية التي تُترجم لاحقاً إلى عمليات على الأرض.

ما تكشفه القضية أن هذا المستوى من العمل لم يكن قائماً فقط على التدريب أو التأهيل التقليدي، بل امتد إلى ما يمكن وصفه بـ«الاختراق الناعم». فبحسب ما ورد في الاعترافات المنسوبة إلى «عبدالونيس»، كان هناك توجه لجمع معلومات عن العاملين داخل مؤسسات الدولة عبر إنشاء منصات إعلامية تبدو في ظاهرها داعمة للدولة، بينما تؤدي في الواقع وظيفة استخباراتية. هذه النقطة تحديداً تفتح الباب أمام قراءة مختلفة لكثير من الظواهر التي بدت في وقتها ملتبسة، حيث لم يعد الصراع مقتصراً على المواجهة المباشرة، بل انتقل إلى مستويات أكثر تعقيداً تعتمد على المعلومات، والتأثير، وإعادة تشكيل الوعي.

هذا النمط من العمل يعكس تحولاً في بنية التنظيمات بعد الضربات الأمنية التي تلقتها في سنوات ما بعد 2013. فبدلاً من الاعتماد على الهياكل الهرمية التقليدية، ظهرت شبكات أكثر مرونة، تتوزع أدوارها بين التخطيط والتنفيذ والدعم اللوجيستي، وتعمل في كثير من الأحيان تحت واجهات مدنية أو إعلامية. وفي هذا السياق، يصبح دور العناصر التي تتحرك بين هذه المستويات - مثل «عبدالونيس» - بالغ الأهمية، لأنها تمثل حلقة الوصل بين القيادة والتنفيذ، وتمتلك في الوقت نفسه معرفة تفصيلية بالشبكة ككل.

وإذا انتقلنا إلى البعد العملياتي، نجد أن الأسماء والوقائع المرتبطة بهذه الدوائر تشير إلى نمط واضح من الاستهداف، يقوم على توجيه ضربات لشخصيات أمنية ومحاولات اغتيال عالية الحساسية، من بينها استهدافات طالت ضباطاً بارزين، ومحاولات استهداف الرئيس عبدالفتاح السيسي. هذه العمليات، بغض النظر عن نتائجها، تعكس مستوى من التنظيم والتخطيط يتجاوز الفعل الفردي، ويؤكد وجود بنية قادرة على اختيار الأهداف، وتوفير الدعم، وتنفيذ العمليات في إطار رؤية أشمل.

لكن ربما تكون النقطة الأكثر دلالة في هذه القضية هي طريقة التعامل الأمني معها. فالمعطيات تشير إلى أن عملية القبض لم تكن نتيجة تحرك لحظي، بل جاءت بعد فترة ممتدة من الرصد والتتبع وجمع المعلومات. هذا النمط من العمل، الذي يمكن وصفه بـ«الصبر الاستخباراتي»، يقوم على بناء صورة كاملة للشبكة قبل توجيه الضربة، بما يسمح ليس فقط بالقبض على عنصر بعينه، بل بتفكيك البنية التي ينتمي إليها. وفي هذا السياق، يصبح القبض على «عبدالونيس» أقرب إلى نتيجة لمسار طويل، وليس نقطة بداية.

الأكثر أهمية أن العملية تمت خارج الحدود، وهو ما يضيف بُعداً آخر يتعلق بالتنسيق الأمني الدولي. فالتعامل مع عناصر تتحرك بين دول مختلفة يتطلب مستوى من التعاون يتجاوز الإطار المحلي، ويعكس في الوقت نفسه إدراكاً بأن التهديد لم يعد محصوراً داخل الجغرافيا الوطنية. هذه النقطة تعيد التأكيد على أن التنظيمات التي نشأت في سياق محلي يمكن أن تمتد بسهولة إلى دوائر إقليمية، وأن مواجهتها تتطلب أدوات تتناسب مع هذا الامتداد.

وفي موازاة ذلك، تطرح القضية تساؤلات مهمة حول طبيعة الخطاب الذي رافق هذه المرحلة. فخلال السنوات الماضية، كان هناك حضور واضح لخطاب يعتمد على السخرية والتقليل من مؤسسات الدولة، ومحاولة تصويرها بصورة هزلية أو عاجزة. هذا الخطاب، الذي قد يبدو في ظاهره جزءاً من الجدل السياسي أو النقد العام، يمكن قراءته في ضوء ما تكشفه هذه القضية كأداة ضمن أدوات أوسع لتقويض الثقة، وإضعاف الروابط بين المجتمع ومؤسساته. وهنا تتقاطع الحرب المعلوماتية مع العمل التنظيمي، في إطار استراتيجية تستهدف ليس فقط البنية الأمنية، بل أيضاً البنية المعنوية للدولة.

من ناحية أخرى، تكشف القضية عن إشكالية أعمق تتعلق بحدود التمييز بين المعارضة المشروعة، والعمل الذي يتجاوز هذا الإطار ليصبح جزءاً من شبكة تستهدف الدولة. فوجود معارضة فاعلة يعد شرطاً أساسياً لأي نظام سياسي صحي، لكن ما تطرحه تلك الوقائع هو أن هذا المجال يمكن أن يتعرض للاختراق، وأن بعض الفاعلين قد يتحركون تحت لافتات مشروعة بينما يؤدون أدواراً مختلفة تماماً. هذه الإشكالية تفرض ضرورة إعادة التفكير في معايير التقييم، دون الوقوع في فخ التعميم أو التضييق غير المبرر.

من المحاور اللافتة في اعترافات «عبدالونيس» تلك المرتبطة ببعض الحقائق التي قُدِّمت بالفعل درامياً ضمن مشاهد مسلسل «رأس الأفعى» خلال شهر رمضان، وكأنها جاءت رداً مباشراً على حملات السخرية التي أطلقتها جماعة الإخوان ضد العمل وأهميته، باعتباره جزءاً من الدراما السياسية التي تسعى إلى كشف جرائم التنظيم وإظهارها للرأي العام. فبعد أن سخرت الجماعة من العمل، وأطلقت حملات ممنهجة للنيل منه، وصلت إلى حد الاغتيال المعنوي لبعض المشاركين فيه، مثل الفنانة هبة عبدالغني التي قدّمت دور «ثناء»، عضوة اللجنة الإعلامية داخل الجماعة، يأتي القيادي «عبدالونيس» ليعترف بتفاصيل تتقاطع مع ما عُرض، خاصة ما يتعلق بدور اللجنة الإعلامية في نشر المعلومات المضللة والزائفة بهدف توجيه الرأي العام ضد الدولة. بل إن الأمر تجاوز ذلك إلى الإشارة إلى وقائع أكثر حساسية، من بينها تزوير جوازات السفر لتسهيل تسفير عناصر التنظيم إلى الخارج، وهي نقطة بعينها سبق أن تناولها العمل الدرامي قبل أسابيع، ما يطرح تساؤلات حول مدى اقتراب الدراما من الواقع في بعض الملفات المعقدة.

في النهاية، لا يمكن النظر إلى قضية «عبدالونيس» باعتبارها حدثاً معزولاً، بل يجب وضعها في سياق أوسع يرتبط بطبيعة الصراع الذي شهدته مصر خلال العقد الماضي. فهذا الصراع لم يكن أحادي البعد، بل تعددت مستوياته بين المواجهة الأمنية المباشرة، والعمل الاستخباراتي، والحرب المعلوماتية، ومحاولات الاختراق الناعم.

وما تكشفه هذه القضية أن جزءاً كبيراً من هذا الصراع ظل بعيداً عن الأضواء، وأن ما يظهر إلى السطح ليس سوى نتيجة لمسار طويل ومعقد من العمل والتتبع. الدرس الأهم هنا أن قراءة مثل هذه الأحداث تحتاج إلى قدر من العمق يتجاوز رد الفعل اللحظي. فليست كل البيانات مجرد أخبار، وليست كل الوقائع قابلة للفهم من ظاهرها فقط. في بعض الأحيان، يكون الحدث مدخلاً لفهم شبكة كاملة من العلاقات والتحولات، ويكون الاسم الذي يتصدر العناوين مجرد مفتاح لقراءة مرحلة بأكملها. وفي هذا السياق، يصبح علي عبدالونيس أكثر من مجرد اسم في بيان، بل علامة على نمط، وإشارة إلى مستوى من الصراع لا يزال مستمراً، وإن تغيرت أشكاله وأدواته.


مواضيع متعلقة