الباحث السياسي عبد الرحيم علي: ضربة «الداخلية» لـ«حسم» لن تكون الأخيرة.. ويجب مواصلة الضغط لإجهاض مخططات إثارة الفوضى (حوار)
الباحث السياسي عبد الرحيم علي: ضربة «الداخلية» لـ«حسم» لن تكون الأخيرة.. ويجب مواصلة الضغط لإجهاض مخططات إثارة الفوضى (حوار)
تصوير - محمود صبري
أكد الباحث السياسي عبدالرحيم علي، رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط بباريس، أن تنظيم الإخوان يعاني بشدة نتيجة الضربات المتتالية التي تشنها أجهزة الأمن المصرية ضد عناصره في الداخل والخارج، واستبعد أن تتخلى الجماعة، المصنفة «إرهابية» في مصر والعديد من الدول، عن منهج العنف الذي تبنته منذ نشأتها. وقال، في حوار مع «الوطن»، إن وزارة الداخلية المصرية تتابع تحركات عناصر «الإخوان» عن كثب وبدقة شديدة، ونجحت في تجفيف منابع تمويل الجماعة، وهو الأمر الذي أكد أنه «ضرب التنظيم في مقتل». وتحدث رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط بباريس عن الأوضاع الراهنة في منطقة الشرق الأوسط، واصفاً الحرب التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران بأنها «حرب تكسير إرادات»، مرشحة للتفاقم يوماً بعد يوم، وأكد أن المنطقة أمام «فرصة أخيرة» لتفادي «كارثة غير مسبوقة» في حال فشل المفاوضات بين «واشنطن وطهران»، وأضاف أنه في حال «سقوط إيران»، فإن ذلك من شأنه بداية ما يُعرف بـ«عصر إسرائيل» في المنطقة، وشدد على أن الحل الوحيد يتمثل في سرعة العمل على تشكيل «تحالف عسكري عربي»، مؤكداً أن مصر تقدم نموذجاً لـ«الدولة القومية» في مواجهة المشروعات الإسرائيلية والإيرانية بالمنطقة.
■ ما تعليقك على الرأي الذي يقول إن «جماعة الإخوان» قد انتهت للأبد؟
جماعة الإخوان الإرهابية لم تنتهِ رغم القبض على أغلب القيادات، فهي أخطبوط ممتد عبر نحو 70 دولة، وتوجد في أوروبا وتركيا في مجموعتين؛ مجموعة محمود حسين، ومجموعة صلاح عبدالحق، وتكشف التطورات الأخيرة عن أن حركة «حسم» الإرهابية كانت تخطط لعمليات، فجماعة الإخوان لديها مشروع إرهابي عنيف، لن تتراجع عنه، وهو مشروع إقامة الدولة الإخوانية، أو بمعنى أدق «دولة إسلامية» كما يتصورونها ويروجون لها، وهذا المشروع لا يفارق ذهنهم، وقد سعت الجماعة، منذ أربعينات القرن الماضي، لتنفيذ مشروعها، ولكن تم اغتيال حسن البنا، مؤسس الجماعة، عام 1948، وعادت الجماعة مجدداً بعد ثورة يوليو 1952، ورغم توجيه ضربة قاصمة لها عام 1954، فإنها عادت مرة أخرى عام 1965، في قضية القيادي الإخواني سيد قطب، ثم عاد الإخوان مجدداً في عام 1972، بموجب المصالحة الشهيرة مع الرئيس محمد أنور السادات، وجاء عمر التلمساني قيادياً للجماعة، وحققت الجماعة مكاسب حينها، ثم تم توجيه ضربة لها في قضية «سلسبيل» عام 1991، حيث تم توجيه ضربات للنقابات وأعضاء هيئة التدريس المنتمين للجماعة، وبعدها قضية التنظيم الدولي، ثم قضية الاستعراض العسكري في جامعة الأزهر، ثم رأينا الجماعة في أقوى صورها عام 2011، عندما اقتحموا السجون، وأخرجوا القيادي محمد مرسي، وعدداً من قيادات الجماعة.
■ كيف يمكن القضاء على جماعة الإخوان الإرهابية؟
لا يمكن الحديث عن إنهاء تنظيم الإخوان في ضربة واحدة، ولكن يجب تجفيف منابع تمويل الجماعة، وهو أمر يضربها في مقتل، وكذلك محاربة الفكر المتطرف، والتنسيق مع الدول المختلفة لمطاردة الإخوان في الخارج، لأنه طالما لها أفرع، فإن ذلك يساعدها على الانتقال إلى دول أخرى، وجرى مؤخراً نقل الرأس السياسي للتنظيم من العاصمة البريطانية لندن إلى السويد، وكذلك تم نقل المركز المالي للجماعة من الكويت إلى البرازيل في أمريكا اللاتينية، حيث لا يوجد قانون، وانتشار أنشطة الإتجار بالمخدرات، وتهريب الأسلحة، كما تم نقل آخر مراكز الثقل الحقوقية للتنظيم من جنيف بسويسرا، حيث مقر الأمم المتحدة، إلى العاصمة البلجيكية بروكسل، حيث مقر الاتحاد الأوروبي، من أجل تقديم مظلومية الجماعة، والادعاء بأن هناك انتهاكات حقوق إنسان ضد الجماعة، كما تعمل الجماعة على تجنيد أجيال جديدة تؤمن بأساليب العنف إلى ما لا نهاية، ويمكن القول إن الجماعة يمكنها أن تتراجع عن منهج العنف عندما تكون عليها ضغوط شديدة فقط، وعندما تنتهي هذه الضغوط تعود لممارسة العنف مجدداً.
■ كيف ترى تحرك وزارة الداخلية ضد جماعة الإخوان والكيانات المنبثقة عنها؟
الأجهزة الأمنية في وزارة الداخلية متيقظة تماماً لجماعة الإخوان الإرهابية، ويعمل أفراد هذه الأجهزة على مدار 24 ساعة، وعيونهم على عناصر الجماعة في الخارج والداخل، والتحالفات المختلفة للجماعة، خاصةً أن الجماعة الإرهابية تحالفت بالفعل مع عدة تيارات مختلفة، مثل الشيوعيين والليبراليين والتكنوقراط، كما تتابع الإرهابي يحيى موسى، الذي يقود حركة «حسم»، وتسعى الجماعة، من خلال هذه الحركة، لتنفيذ عمليات عنف مسلحة في مصر، وهناك العديد من الجهات، على مختلف المستويات في مصر، تتحرك بتنسيق متكامل لحماية البلد من شر هذه الجماعات، ولعل هذه الضربة، التي وجهتها الأجهزة الأمنية للتنظيم الإرهابي مؤخراً، لن تكون الأخيرة، ويجب مواصلة الضغط دائماً على الجماعة لإجهاض جميع مخططاتها لإثارة الفوضى في الشارع المصري.
■ لماذا توجد جماعة الإخوان افتراضياً بشكل مكثف؟
جماعة الإخوان فقدت الكثير من أطرافها على أرض الواقع، لذا تلجأ إلى استخدام الواقع الافتراضي، ويتخيلون أنهم ما زالوا في عام 2011، ولكن الحقيقة أن الشعب المصري أصبح لديه وعي كبير، ولا يريد الخروج لتخريب بلده، والثورة على أوضاع قد تتسبب في أوضاع أصعب منها، كما أن الدولة تحاول مساعدة مختلف فئات الشعب، عبر برامج ومسلسلات الوعي، وتقديم حزم اجتماعية، ويمكن القول إن مصر دولة آمنة، وسط صعوبات في كل مكان، حتى الدول الخليجية الغنية تواجه حرباً، والأفراد فيها غير آمنين على أنفسهم، وهناك دول أخرى تدمرت، والجميع يعرفها بالاسم، فالرؤية المصرية تثبت دقتها كل يوم، وأن مصر كانت ترى المخطط الإخواني بوضوح، ونجحت في التصدي له في يونيو 2013، رغم شح الموارد والتحديات التي تواجه الاقتصاد المصري.
■ كيف ترى التحرك الدولي ضد الإخوان؟
منذ تأسيسه في ديسمبر 2016، يعمل مركز دراسات الشرق الأوسط بباريس على مواجهة فكرة الجماعة الإرهابية، وتعريف الغرب بأهداف ومخططات هذه الجماعة، وما تحدثه من كوارث في المجتمعات، وفي أول لقاء مع برونو ريتايو، الذي كان يشغل حينها منصب رئيس الأغلبية في البرلمان الفرنسي، والرجل القوي في الحزب الجمهوري، تحدثت معه عن جماعة الإخوان الإرهابية، وكان يعتقد أنها جماعة ممثلة عن الإسلام بشكله الصحيح، ولكن تم التحاور معه عدة مرات، من أجل إظهار جماعة الإخوان على حقيقتها، كما جرى عقد عدة لقاءات مع المسئولة عن لجنة القيم الانفصالية البرلمانية الفرنسية، جاكلين أوستاش، وتعريفهم بطرق تمويل الجماعة المشبوهة، وتدور الأيام ويتولى ريتايو منصب وزير داخلية فرنسا في 2025، ويصدر قراراً بإدراج جماعة الإخوان ضمن المنظمات الإرهابية، وأود أن أؤكد هنا أن أوروبا تحتاج إلى من يعرفهم بجماعة الإخوان وحقيقتها، وتم هذا بالتنسيق مع أجهزة المعلومات في مصر والسعودية والإمارات، وتبحث باريس حالياً مصادرة أموال أكثر من 20 قيادياً إخوانياً يقيمون بفرنسـا، من أجل التضييق على تحركات الجماعة الإرهابية، ولعل تصنيف هذه الجماعة كمنظمة إرهابية في فرنسا، يشير إلى إمكانية تطبيق نفس القرار في دول أوروبية أخرى، مثل ألمانيا والنمسا والسويد والدنمارك والنرويج، وهذا يحتاج إلى تكاتف عربي كبير، للحد من تأثير جماعة الإخوان، التي تعمل على جمع الأموال لتنفيذ مخططاتها الإرهابية.
«سقوط إيران» يمهد لبداية «عصر إسرائيل»
■ كيف ترى الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران وتداعياتها على دول المنطقة؟
هذه حرب تكسير إرادات، فأي مجتمع له مجموعة عوامل تحسب القوة الشاملة، والتي تضم عدد السكان، ومساحة البلد جغرافياً، والاقتصاد والإنتاجية، والوضع العسكري، بجانب الاستراتيجية الخاصة بالدولة، وإرادة الشعب، وهذه الأخيرة هي أهم ما في المعادلة، والقوة المضادة تحاول دائماً كسر هذه الإرادة، وهذا ما يضغط عليه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ليجبر طهران على الاستسلام والجلوس على مائدة المفاوضات، وهناك اتفاق أمريكي إسرائيلي على تغيير النظام في إيران، ولكن هناك تغيرات طفيفة في الرؤية، فمثلاً أمريكا تريد إسقاط النظام الإيراني، أما إسرائيل فتريد تدمير الدولة الإيرانية، لأن إسرائيل عندها مخطط ما بعد إسقاط الدولة الإيرانية ككل، ويمكن سرد الشروط الأمريكية، وتتمثل في وقف تخصيب اليورانيوم، وتسليم الكمية المخصبة، والتي تصل إلى 430 طناً، وتعديل البرنامج الصاروخي لإلغاء مدى الصواريخ الباليستية، التي يصل مداها إلى 4000 كيلومتر، وكذلك رفع يد إيران عن وكلائها في المنطقة، من الحوثيين وحزب الله والميليشيات التابعة لها في العراق، وبعدها يمكن السماح لإيران بتطوير برنامج نووي سلمي، وبالطبع فإن القبول بهذه الشروط سيؤدي إلى إضعاف إيران واستسلامها، ومؤخراً، أعلنت الولايات المتحدة عن رغبتها في الاستيلاء على جزيرة «خرج»، التي يقوم عليها 95% من الاقتصاد الإيراني، حيث إن السواحل الإيرانية ضحلة، وجزيرة «خرج» هي الوحيدة التي تنتظر بها ناقلات النفط العملاقة، في حماية الحرس الثوري الإيراني، وقوات الباسيج، وقبل أيام، اغتالت إسرائيل قائد القوات البحرية الإيراني، وقائد المخابرات، و10 من القادة العسكريين الذين كانوا يتولون الإشراف على حماية الجزيرة الاستراتيجية.
■ هل يمكن أن تشهد إيران عمليات إنزال برية لقوات أمريكية وإسرائيلية؟
بالتأكيد سيكون هناك إنزال، ولكن على الجزيرة، وليس في الداخل الإيراني، في هذه المرحلة من الحرب، وسيكون الإنزال ضرورة إذا لم تنجح المفاوضات غير المباشرة بين إيران وأمريكا، حيث تم تحريك عناصر من مشاة البحرية الأمريكية «المارينز»، والقوات الخاصة، وقوات مظلية، وحاملة الطائرات «جورج بوش»، بالإضافة إلى قاذفات صواريخ «توماهوك»، وهذا النوع من الصواريخ هو الأغلى في العالم، حيث يكلف الصاروخ الواحد نحو مليون و300 ألف دولار، ويتميز بقدرته على التحليق على ارتفاعات منخفضة تبلغ 30 متراً، ويمكن تغيير توجيهه بعد الإطلاق، كما يمكن تزويده برأس نووي، بالإضافة إلى قدرته على التخفي من الرادارات، ويمكن إطلاقه من أي مكان، وكل هذا دليل على أن ترامب، الذي طلب تمويلاً إضافياً من الكونجرس بمقدار 200 مليار دولار، لدعم الجيش الأمريكي، لن يتراجع عن هدفه للاستيلاء على الجزيرة.
■ كيف يمكن لإيران التحرك في ظل السيناريوهات الأمريكية المعدة للتصعيد؟
إيران جهزت مجموعات في قاعدتي «بندر عباس» و«بوشهر»، عبر نشر أفراد من الحرس الثوري، وبحرية الحرس، وبحرية الجيش الإيراني وزوارق بحرية، وألغام، كما طلبت من جماعة الحوثيين في اليمن الإعداد لضرب أهداف في البحر الأحمر في أي وقت، وفي الوقت الراهن يتفق الأمريكيون والفرنسيون في جيبوتي، على طريق التحرك عبر القواعد العسكرية هناك، لتأمين الملاحة في البحر الأحمر، إيران يمكنها إحداث إزعاج حقيقي، واستنزاف أمريكا، لكن يصعب عليها الانتصار على إسرائيل وأمريكا، فتل أبيب وواشنطن لا تركزان على أهداف لضربها ثم التوقف، وهذا كان في حرب الـ12 يوماً منتصف العام الماضي، وتم استهداف منشآت نووية إيرانية، ولكن حالياً هذه حرب كسر إرادات مستمرة، حتى إثناء الطرف الآخر عن أهدافه، وإعلان استسلامه، أو نجاح المفاوضات عبر طرف ثالث، لإيقاف الحرب، وهذا ما يفعله وزير الخارجية، الدكتور بدر عبدالعاطي، مع نظرائه في باكستان وتركيا والسعودية، لوقف الحرب، وتجنيب المنطقة مصيراً مجهولاً.
■ إذا كانت هذه هي أهداف أمريكا من الحرب على إيران، فما الأهداف الإسرائيلية؟
إسرائيل تهدف إلى تغيير منطقة الشرق الأوسط، تريد أن تجعل من إيران «عبرة» لأي دولة تقف أمامها، وتكسب «تل أبيب» قوة مضاعفة، وقد سمعنا بعض الأصوات الخليجية غير الموفقة، تشير إلى أننا حالياً لا يوجد أمامنا سوى حلف «الناتو»، أو التحالف مع إسرائيل، فتدمير إيران يتم عبر إسرائيل التي ستكسب مكان إيران، وهذا ما جاء في تصريحات الرئيس الأمريكي يوم الجمعة الماضي، في منتدى الاستثمار الأمريكي السعودي بولاية فلوريدا، حيث أشار إلى أنه آن الأوان لانضمام دول الخليج للاتفاقات «الإبراهيمية»، خاصةً الدول التي لم تنضم بعد للاتفاق، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، والغرض من هذه الاتفاقيات تكوين حلف إسرائيلي أمريكي خليجي في المنطقة، ضد نموذج مصر، الذي يتبنى نموذجاً للدولة الوطنية، ورفض تشكيل أي ميليشيات مسلحة.
■ ما المشروع الذي تقدمه مصر للمنطقة؟
مصر لديها مشروع قومي عربي، يدعم التنمية، وقدمت مصر هذا التصور منذ عام 2016 وتم اقتراح تأسيس قوة عربية مشتركة، لكن لم تتم الموافقة، وللأسف في عام 2009 ظهر مصطلح «اللحظة الخليجية في التاريخ العربي»، وهو باختصار يرى أن دول الخليج هي الدول الكبرى العربية في المنطقة، وسط استبعاد القوى التقليدية، مصر وسوريا والعراق، وسط اعتماد الخليج على العلاقات مع الناتو، وفي إطار الترويج لتلك «اللحظة الخليجية»، لجأ الكاتب الإماراتي، عبدالخالق عبدالله، لإضفاء رؤية دولية على هذا المصطلح، ولكن على أرض الواقع، لم تحقق دول الخليج قوى إقليمية عظمى، ولكن يحدث إذا تم انضمام مصر للتحالف، بغض النظر عن القيادة، فمصر تريد مصلحة العرب، ومصلحتها بلاشك، والقاهرة هي العاصمة العربية الوحيدة التي ليس لها أي أطماع في أي عاصمة عربية منذ عقود، وبديل النموذج المصري هو التحالف الإسرائيلي الأمريكي الخليجي، والرضوخ لرغبات إسرائيل في المنطقة، ولن تسمح مصر بمرور هذا المشروع، وستقف ضده بكل قوتها، من أجل التصدي لهذا المشروع الإسرائيلي، وخططت لصد هذا المد منذ سنوات عديدة، وهذا كان مخططاً لمصر من الأساس في عام 2011، وكذلك كسرت مصر المخطط في عام 2013، عندما أطاحت بجماعة الإخوان، وطرحت البديل في عام 2016، ولا تزال مصر تتحرك لتحقيق الرؤية المصرية، عبر تخفيف التصعيد، وإيجاد طاولة مفاوضات حقيقية بين الأطراف المتصارعة، ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب موسعة، تدخل فيها أطراف جديدة، وتحاول أمريكا وإسرائيل وإيران بكل قوتها توريط الخليج في الحرب، والضغط عليه لقصف إيران، ويمكن التلخيص بأن سقوط إيران يمهد لبداية «العصر الإسرائيلي»، إلا إذا أدركت دول الخليج أهمية «اللحظة العربية» الفارقة للتوافق، بديلاً عن «اللحظة الخليجية»، وإذا لم يتحقق هذا، للأسف ستحصل إسرائيل على هديتها الكبرى، بتزعم المنطقة، ولكن مصر لن تتراجع، وستتمترس حول قوتها الشاملة، لمنع إسرائيل من قيادة منطقة الشرق الأوسط، حتى لو وافق الخليج على المشروع الإسرائيلي.
■ هناك أصوات متزايدة على مواقع التواصل، تدعو مصر إلى إرسال قواتها للدفاع عن الدول الخليجية، كيف ترى هذا الأمر؟
مصر لا تتحرك بردة الفعل، بل نقلت المخططات منذ عام 2016، وكانت صادقة في نواياها، من أجل تجنب هذه الحرب، التي تعرف مصر أنها ستحدث عاجلاً أو آجلاً، وفي نهاية 2023، أعلنت بكل صراحة أن الجغرافيا الاقتصادية لن تحمي الخليج، ولكن سيتم إدخاله في الحرب، فهي دول مطمع، لذا كان يجب إيجاد قوى شاملة، حتى لا يتم اللجوء لحماية الغير، مثل الولايات المتحدة، وإذا حدث ذلك، يجب عليك أن تتحمل نتيجة ما يحدث، الأزمة في دعوات البعض تتمثل في المطالبة بأن تكون ضمن المشروع الإيراني، أو المشروع الإسرائيلي، وهذا أمر خاطئ، فيجب الانتماء للمشروع العربي ضد هذه المشروعات الاستعمارية، فيجب الإسراع بتأسيس «ناتو عربي»، حتى لو كان مكوناً من دولتين، ثم التوسع لاحقاً بانضمام المزيد من الدول.
■ ماذا عن مراحل الحرب الإيرانية من المنظور المصري المفاوض، الذي يسعى لوقف الحرب؟
هناك عدة مراحل، الأولى كانت منذ 28 فبراير حتى 5 مارس، حيث أسست مصر غرفة عمليات، بها حضور دبلوماسي وسياسي ومخابراتي والجيش والأمن الداخلي، وكانت وظيفة هذه الغرفة إدارة أزمة الحرب وفقاً لتصاعدها، وكانت هناك اتصالات مباشرة بين الرئيس عبدالفتاح السيسي وقادة دول الخليج، وعدد من قادة العالم، للطلب من الخليج عدم الانجرار وراء دعوات إيران للخليج لإدخاله الحرب، ثم المرحلة الثانية استمرت من 5 مارس حتى 21 مارس، وتضمنت زيارات مكثفة من قبل وزير الخارجية، الدكتور بدر عبدالعاطي، إلى العواصم الخليجية، للتأكيد على ضرورة إيجاد قوة عربية موحدة، وفي الحقيقة، فإن عدم انزلاق دول الخليج للحرب، وفق الرؤية المصرية، قد أعفى مصر من إرسال قوات عسكرية، أما المرحلة الثالثة فبدأت منذ 21 مارس حتى 25 مارس، وكان هدفها تحقيق لقاء بين الأطراف المتصارعة، خاصة أمريكا، حيث أقنعت مصر الرئيس ترامب بمد المهلة التي منحها لإيران، إلى 17 يوماً، بعد أن رفض شهراً كاملاً للهدنة، حيث تمت الموافقة، في البداية، على يومين، ثم 5 أيام، ثم 10 أيام، وسط ضغوط مصرية على أمريكا، وتمت الإشارة إلى أن الجيش الأمريكي ستهتز صورته، لذا يجب إجراء هدنة مؤقتة، كما أن وزير الخارجية قال يوم 5 مارس، إن المنطقة سيتم تقسيمها بعد الحرب، ولن نسمح بهذا المخطط، وأي ترتيبات بعد الحرب يجب مشاركة دول الخليج والدول العربية فيها، ونرفض أن نكون ساحة لتصفية الخلافات، والعرب مع الحل الدبلوماسي، وهو نص البيان الذي تحدث عنه الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، جاسم البديوي، بعد 21 يوماً من حديث «عبدالعاطي»، وهذا خير دليل على الرؤية المصرية الشاملة، التي أيقن الخليج أنها في صالحه في نهاية الأمر، فمصر دولة تمتلك خبرات كبيرة في المفاوضات، وشاركت في مفاوضات غزة الأخيرة، ومفاوضات كامب ديفيد من قبل، وهذا ما يفرق مصر عن الدول الخليجية.
■ كيف ترى أمن منطقة الخليج العربي بعد انتهاء ولاية الرئيس ترامب؟
التعويل على «ترامب» خسارة كبيرة، فهو في نهاية الأمر سيرحل من السلطة، وإذا جاء الديمقراطيون بدلاً منه، سيعملون على الانتقام من المنطقة، لذا يجب ربط مصير المنطقة بأصحابها، وليس بالاعتماد على أمريكا، وهناك بعض المفكرين الخليجيين وقعوا في أخطاء عندما ظنوا أن الخليج بمفرده قادر على مواجهة إيران، فعلى أرض الواقع، دول الخليج تعيش أكبر أزمة في تاريخها، والدولة الوحيدة المؤهلة للوساطة هي مصر، وهي على اتصال مستمر بإيران والإدارة الأمريكية أيضاً، ورأينا نجاح المفاوض المصري في أزمة غزة الأخيرة، وعقد مؤتمر السلام في أكتوبر الماضي، وتجميع قادة العالم لتوقيع هذا الاتفاق، ورأينا تصريحات الرئيس السيسي، على هامش إفطار الأسرة المصرية، التي أكد فيها أن هناك خطأ في الحسابات من قبل إسرائيل وإيران، وستتم محاسبة هذه الدول على الخطأ بعد انتهاء الحرب، مع التشديد على أن أمن الخليج خط أحمر، ونرى دور اللجنة الرباعية الأخيرة، التي تضم مصر وباكستان والسعودية وتركيا، وهي أكبر 4 دول سنية في المنطقة، وتقديم رسالة واضحة بأنها لن تسمح للمنطقة بالانزلاق إلى الحرب.
الحل في تأسيس «حلف عسكري عربي»
■ ما الرسالة التي كان يريد الرئيس السيسي توصيلها أثناء زيارته الأخيرة لدول الخليج؟
مصر تعتبر أمن الخليج جزءاً لا يتجزأ من أمن مصر، وستستخدم كل قوتها الشاملة لعدم انكسار الخليج أو ضرره، ومصر تتحرك بكونها الأقوى جيشاً في المنطقة، والمساحة الأكبر، وعدد السكان الأكبر، وهذا هو استخدام القوى الشاملة المصرية بشكل دقيق، للدفاع عن دول الخليج، وسافر الرئيس ومعه مدير المخابرات ووزير الخارجية، لإدارة أزمة حرب، فمصر تقدم ما بيدها من معلومات لدعم دول الخليج العربية.
إسرائيل تريد توريط دول الخليج في الحرب ضد إيران
■ كيف ترى البلطجة الإسرائيلية في لبنان مؤخراً؟
«حزب الله» لم يتحرك بشكل موسع، بعد مقتل الأمين العام حسن نصر الله، ولكن تحرك بعد اغتيال المرشد الإيراني، علي خامنئي، للانتقام من إسرائيل، وأطلقوا الصواريخ على مناطق إسرائيلية، وهذا جزء من استراتيجية إيران في حربها مع إسرائيل، ولبنان كدولة ليست طرفاً في الصراع، ولكن «حزب الله» أدخلها في دوامة الحرب ضد عدو غاشم، وتحركت مصر سريعاً للحديث مع الرئيس اللبناني، ورئيس البرلمان، من أجل عدم انجرار لبنان للحرب، وسط تصعيد إسرائيلي كبير، يريد دخول بيروت، وللأسف يمكن القول إن لبنان أمام نكبة جديدة، ستدفع جزءاً كبيراً من الشعب اللبناني للنزوح.
عودة العلاقات بين إيران ودول الخليج إلى طبيعتها «أمر صعب»
■ كيف يبدو مستقبل العلاقات الإيرانية الخليجية بعد الحرب؟
للأسف صعب إعادتها بشكل طبيعي، خاصة في ظل استهداف إيراني دقيق للإمارات، في ظل تطابق للرؤية الإماراتية مع الرؤية الأمريكية حول وضع إيران، كما أن طهران تحمل الإمارات وجود قواعد عسكرية فرنسية وأمريكية في المنطقة.
قرارات الحكومة الأخيرة «بديل مناسب» لتجنب رفع الأسعار
■ كيف ترى قرارات الحكومة الأخيرة حول تحريك أسعار الوقود والإغلاقات المبكرة؟
إغلاق مضيق هرمز بشكل جزئي أثر على أسعار الطاقة حول العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة التي شهدت مظاهرات واسعة ضد إدارة ترامب، والحكومة تحاول تخفيض استخدام الكهرباء حتى لا يتم قطع الكهرباء بشكل كامل، أو رفع الأسعار مجدداً، فمصر تأثرت بالغاز الذي كان يتم استيراده من قطر وإسرائيل، وتحاول مصر الحصول على مليون برميل نفط من ليبيا، فنحن أمام أزمة حقيقية ليست من صناعة الحكومة، وبالتالي لا يمكن تحميلها مسئولية الأزمة، فهذا قدر وقع علينا، ويجب التكاتف بين المواطن والحكومة لكي تمر هذه الأيام، وما تقوم به الحكومة أقصى ما يمكن تنفيذه، ورأينا مؤخراً زيادة الحد الأدنى للأجور والإعانات، وهذا يعد امتصاصاً جزئياً للأزمة، فلا تستطيع أي حكومة امتصاص الأزمة بشكل كلي، حتى الولايات المتحدة، التي لديها احتياطات نفطية قياسية، تواجه أزمة داخلية، وللأسف الأزمة مرشحة للتفاقم إذا استمرت الحرب.
■ كيف يواجه المواطن الأزمة الأخيرة؟
الوعي أمر مهم جداً، لأن جماعة الإخوان وحركة حسم، هدفهما ركوب الموجة، وتنفيذ ثورة مسلحة تضر بالدولة المصرية، وهو الأمر الذي يتصدى له كل رجال الأمن، نحن أمام أزمة غير مفتعلة، وأي حكومة، حتى لو كانت «حكومة ملائكة» لن تسلم من الوضع الحالي، ولكانت تعرضت لنفس الضغوط، فيجب أن نضع أيدينا في يد بعض، لكي تمر هذه الأيام العصيبة، فهذا وقت الاتحاد والوقوف على قلب رجل واحد.
استهداف «جيل زد»
تعمل جماعة الإخوان على استهداف الأجيال الشابة الجديدة، أو ما يُعرف بـ«جيل زد»، عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، من خلال الترويج لفكرة «المظلومية» لدى الشباب، والادعاء بأن هناك مسجونين ومعتقلين دون محاكمات، والحديث عن مدد الحبس الاحتياطي، ثم يتحدثون عن ارتفاع الأسعار؛ في محاولة لإيجاد أذن مصغية من أبناء هذا الجيل، بهدف استغلالهم في الترويج لأفكار الجماعة، أو في تنفيذ مخططاتها.
وسطاء وقف الحرب
يضغط وسطاء من مصر وباكستان والسعودية وتركيا لوقف الحرب، ويمكن القول إن المنطقة أمام فرصة أخيرة لتجنب كارثة، إذا لم يتم قبول التفاوض خلال 3 أيام على الأقل، بين وزيري خارجية أمريكا وإيران، أو نائب الرئيس الأمريكي ورئيس البرلمان الإيراني، فإن المنطقة ستشهد كارثة غير مسبوقة، وحرباً شاملة، مع دخول أطراف أخرى، مثل الحوثيين في اليمن، كطرف في الحرب، عبر إطلاق الصواريخ على إسرائيل، أو ضرب أهداف في السعودية، وإغلاق مضيق «باب المندب»، مما يؤدي إلى توقف حركة التجارة العالمية، الأمر الذي قد يقود إلى تصعيد غير مسبوق.