علاء عابد يكتب: حين يكون الخير خفيا.. وتكون الرحمة سترا

كتب: محرر

علاء عابد يكتب: حين يكون الخير خفيا.. وتكون الرحمة سترا

علاء عابد يكتب: حين يكون الخير خفيا.. وتكون الرحمة سترا

قال الله سبحانه: (إِنَّ الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجعَلُ لَهُمُ الرَّحمنُ وُداً)، والود: خالص الحب، أي يحبهم الله ويحببهم إلى خلقه.

في زمن اختلطت فيه المقاصد وصار كثير من الخير يُؤدََّي على مرأى من الناس لا لوجه الله، إنما الغاية منه التقاط صورة أو تمثيل مشهد، وهنا يبقى السؤال مؤلماً وموجعاً حقاً: هل ما زلنا نفهم معنى الستر؟ وهل نعرف أن أعظم أعمال البر ما كان خفياً لا تراه العيون وإنما يراه الله وحده؟

جبر الخواطر ليس صدقة للشهرة ولا موقفاً لاستعراض العضلات، بل هو عبادة دقيقة وحساسة تُكتب فِى صحائف النيات قبل الأفعال.. أن تمسح دمعة دون أن يراك أحد من الناس.. أن تُطعم جائعاً دون أن تجرحه ولو بشطر كلمة.. أن تُعين محتاجاً دون أن تمن عليه، ذلك هو الخير الذِى يعرف طريقه إلى السماء دون صخب أو ضجيج.

يقول تعالى: (إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ)، كأن القرآن يهمس فِى أذن كل إنسان أراد القرب ليقول له: ما خفى كان أعظم وما استتر كان أصدق وأبقى، ولأن القلوب تُجبر بالرحمة لا بالمَن ولا بـ«الفشخرة» جاء فِى الحديث الشريف: «مَن ستر مسلماً ستره الله فِى الدنيا والآخرة»، فالستر ليس بمفهوم البعض أنه إخفاء العيوب، إنما هو حفظ كرامة وصون إنسان وإغلاق باب قد يفتح على صاحبه ألف ألم وألم.

أيها الناس.. كم من إنسان يعيش بيننا لو كُشف ستره لهلك، ولو تعرى من رحمة الله لانكسر فكما يقول الشاعر:

والله لو علموا قبيح سريرتى لأبى السلام علىََّ من يلقانى

ولأعرضوا عنى وملُّوا صحبتى ولبؤتُ بعد كرامةٍ بهوانِ

اجعل شعارك دائماً هو: افعل الخير فى أهله وفى غير أهله، فإن وقع فى أهله فهم أهله وإن وقع فى غير أهله فأنت أهله، فمن الممكن أن ينساك الناس أو يسيئوا لك أو يظلموك، لكن ربك لا ينسى سعيك فى الخير أبداً، ولا ينسى جُودك وكرمك وعطاءك على عباده، ولا ينسى سعيك لجبر خواطر الناس، فصانع المعروف لا يقع أبداً، وإن وقع وجد مُتكأً.

كانوا يقولون لنا زمان: «جبر الخواطر على الله»، أى ربنا بذاته يتكفّل بك عندما تجبر قلب غيرك، ومن هنا فجبر الخواطر ليس رفاهية بل نجاة، أن تُخفى عطاءك لعل الله يُظهر لك من فضله ما لا يُرى، وأن تُعين فى صمت لعل الله يرفعك فى الخفاء، وكن كما قال النبى ﷺ: «والله فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه»، والعون الحقيقى هو الذى لا يُشعر أخاك بأنه مدين لك ولا يجعله أسير معروفك.

أخطر ما يُفسد العمل الصالح ليس لأنه قليل، إنما يفسده الضجيج الذى يحيط به، وأن يتحول الخير إلى إعلان والرحمة إلى استعراض، والصدقة إلى تفاخر، هنا فقط يفقد العمل روحه ويصبح مجرد صورة بلا أثر.

ما أكثر الأمثلة التى نعرفها، وما أكثر القصص التى نُخفيها، ليس خوفاً إنما هو أدب مع الله، ورحمة بالناس.

فى النهاية، لا ينظر الله إلى ما نظهره بل ينظر إلى ما نخفيه، فأعظم القلوب ليست تلك التى تفعل الخير كثيراً أمام الناس، وإنما تفعل الخير سراً ثم تمضى كأنك لم تفعل شيئاً.

كن ممن يُجبرون الخواطر دون أن تذكر أسماءهم، ويسترون الناس دون أن يعرفوا، ويصنعون المعروف ثم ينسونه، لعل الله - حين تُغلق الأبواب وتُرفع الأستار - يقول: هذا عبدٌ كان يستر عبادى.. فاستروه.


مواضيع متعلقة