أشرف غريب يكتب: صلاح جاهين الرجل الذي صنع مجد هؤلاء

كتب: محرر

أشرف غريب يكتب: صلاح جاهين الرجل الذي صنع مجد هؤلاء

أشرف غريب يكتب: صلاح جاهين الرجل الذي صنع مجد هؤلاء

أربعون عاماً مرت على رحيل فلتة زمانه الفنان متعدد المواهب صلاح جاهين، في الحادى والعشرين من أبريل 1986، ودعنا «جاهين» في الربيع فلم يعد «الجو بديع»، وفقدت البهجة في حياتنا واحداً من أهم باعثيها، واحدة من أعظم مآثره أنه كان صاحب أثر بالغ على كل من اقترب منه، حتى على أولئك الذين كانوا يسبقونه، فما بالنا بهؤلاء الذين يتحسسون خطواتهم الأولى فى عالم الفن والإبداع؟

«جاهين» هو الذي أنقذ أحمد زكي من الضياع في واحدة من أهم لحظات يأسه، بعد أن سحب الموزع منه بطولة فيلم «الكرنك» عام 1975 واستضافه في بيته لعدة أشهر، وظل يبشر بموهبته، حتى تحين الفرصة وأقنع شركة أفلام مصر العالمية (يوسف شاهين)، الجهة المنتجة لفيلم «شفيقة ومتولي»، بأن هذا الفتى الأسمر هو الأنسب للوقوف أمام سعاد حسني، وهو ما حدث بالفعل، فكان نقطة تحول فى مشوار أحمد زكي.

«جاهين» هو من آمن بموهبة شريف منير وخصص له من ماله الخاص مبلغ مائتين وخمسين جنيهاً شهرياً من جنيهات بداية الثمانينات، حتى استطاع الوقوف على قدميه وشق طريقه فى عالم الفن، «جاهين» هو من دعم تجربة على الحجار في وقت كانت فيه الساحة الغنائية تقتفي أثر عبدالحليم حافظ، فإذا بالحجار يشق طريقه بفضل الغطاء النفسي والإنساني الذي وفره له صلاح جاهين، هو أيضاً الذي ساند ظاهرة فرقة المصريين بقيادة الموسيقار هاني شنودة، ولم يبخل على الفرقة الوليدة بكل الأغنيات التى كانت سبباً في شهرتها وذيوعها من قبيل: ولد وبنت كل الجنينة ولد وبنت، أو ما تحسبوش يا بنات إن الجواز راحة، باختصار.. فتش عن كل المواهب والأسماء التي ظهرت فى نهاية السبعينات وبداية الثمانينات سوف تجد لهذه الكتلة الإنسانية المعروفة باسم صلاح جاهين ظلاً وارفاً على كل هذه الأسماء تقريباً.

لكن..

تبقى تجارب كل هؤلاء فى كفة وتجربة صلاح جاهين مع سعاد حسنى فى كفة أخرى، لم تكن سعاد -مثل هؤلاء- فى بداية الطريق، حينما حدث التقارب الفعلى بينها وبين جاهين نهاية الستينات، أثناء تصوير فيلم «الناس والنيل» فى موسكو، كانت هى السندريللا صاحبة ما يقرب من ستين فيلماً وعشرات العلامات السينمائية الكبرى، ومع ذلك فإن الأثر الذى أحدثه «جاهين» فى سعاد حسنى لا يمكن التغافل عنه ونحن نحتفى بأربعينية رحيل هذا الرجل متعدد العطاءات.

كانت سعاد حسنى خارجة لتوها من تجربتين عاطفيتين فاشلتين مع عبدالحليم حافظ وصلاح كريم، وعلى مشارف الدخول فى تجربة أخرى مع على بدرخان، وكانت شأنها شأن الكثيرين الذين آمنوا بتوجهات الرئيس عبدالناصر ومن بينهم صلاح جاهين نفسه، تعيش حالة يأس وانكسار بفعل الهزيمة المريرة فى يونيو 1967، وكانت على المستوى الفنى قد سئمت تنازلات مرحلة الانتشار الفنى، ومن هنا كانت بحاجة لمن يضمن لها هذا التوازن النفسى الذى يعينها على مواجهة التحديات الجديدة نفسياً وفنياً، كانت بحاجة إلى أب روحى وهى التى لم تعرف -عن يقين- معنى الأبوة الحقيقية بفعل الخلافات الأسرية المتعددة.

وحتى أولئك الذين اقتربوا من هذه المنطقة كمكتشفها عبدالرحمن الخميسى وحبيبها عبدالحليم حافظ كان دورهما مبتوراً ومشوشاً، الأول بالانسحاب سريعاً من حياتها، والآخر باستغلال مشاعرها تجاهه نفسياً وجسدياً أسوأ استغلال، لذلك كان دخول صلاح جاهين حياة سعاد حسنى ابنة الخامسة والعشرين فى هذا التوقيت بالذات بمثابة طوق النجاة وتصحيح المسار وإعادة التوجيه، وقل ما شئت من المرادفات، لقد كان الرجل ناصحاً مخلصاً ومستشاراً أميناً حتى أصبحت سعاد لا تفعل شيئاً قبل الرجوع إلى أبيها الروحى، حتى فى ظل وجود زوجها على بدرخان.

ولك أن تتخيل أن سعاد التى كانت حتى عام 1968 تقدم أفلاماً من نوعية «بابا عاوز كده، وشقة الطلبة، والزواج على الطريقة الحديثة، وحكاية 3 بنات»، أصبحت فى السنوات القليلة التالية على تقاربها مع جاهين بطلة «بئر الحرمان» لإحسان عبدالقدوس وكمال الشيخ، «الحب الضائع» لطه حسين وبركات، «الاختيار» لنجيب محفوظ ويوسف شاهين، «شىء من العذاب» لأحمد رجب وصلاح أبوسيف، «زوجتى والكلب» و«الخوف» لسعيد مرزوق مؤلفاً ومخرجاً.. ومع جاهين مؤلفاً أو كاتباً للسيناريو والحوار عرفت سعاد أيضاً النجاحات الفنية المدوية فى «خللى بالك من زوزو» و«أميرة حبى أنا» و«المتوحشة» و«شفيقة ومتولى»، ومعه باتت أغنيات سعاد التى كتبها لها على كل لسان، رغم أنها تمارس الغناء منذ عام 1961: يا واد يا تقيل، بمبى، الدنيا ربيع، شيكا بيكا، بانوا بانوا، وكل أغنيات حلقاتها التليفزيونية الوحيدة «هو وهى».

وربما هذا يفسر نوبات الاكتئاب ودوامات المرض والسنوات العجاف التى دخلت فيها سعاد حسنى بعد رحيل صلاح جاهين فى أبريل 1986، ما انعكس على أدائها واختياراتها الفنية فباتت باهتة ومتواضعة لا تليق بنجومية وبريق السندريللا على النحو الذى شاهدناه فى أفلام: «عصفور الشرق، الجوع، الدرجة الثالثة، والراعى والنساء»، وهى الحالة التى ظلت لصيقة بسعاد حتى سقوطها الغامض من شرفة ستيوارت تاور بالعاصمة البريطانية لندن فى يونيو 2001.


مواضيع متعلقة