أشرف غريب يكتب: عندما قال عادل إمام: لا

كتب: محرر

 أشرف غريب يكتب: عندما قال عادل إمام: لا

أشرف غريب يكتب: عندما قال عادل إمام: لا

أتم الفنان الكبير عادل إمام اليوم (17 مايو) عامه السادس والثمانين من عمره المديد، قضى منه نحو ثلاثة وستين عاماً في عالم الفن، ممثلاً صغيراً، ثم بطلاً مساعداً، حتى اضطلع بأدوار البطولة التي قادته كي يكون النجم الأغلى والأشهر في مصر والوطن العربي، وإذا كان «الزعيم»، بأفلامه التي تجاوزت المائة والعشرين فيلماً، قد حقق على شاشة السينما نجاحاً ساحقاً لم يتحقق لأي ممثل غيره، فإنه مدين لخشبة المسرح ببداياته الحقيقية وبنقطة الانطلاق التي وثب منها لاعتلاء عرش النجومية.

لكن هذا كله كان وراءه مشوار طويل من الكفاح والمعاناة حتى وصل إلى ما وصل إليه، فرغم ظهوره اللافت في مسرحيته الجماهيرية الأولى «أنا وهو وهي» بشخصية كاتب المحامي «دسوقي أفندي» فإنه صادف ظروفاً عامة ذات علاقة بالمناخ المسرحي تركت أثرها على مشواره الفني كله، فقد كان نجوم مسرح التليفزيون فؤاد المهندس ومحمد عوض وعبدالمنعم مدبولي وأمين الهنيدي يسيطرون على خريطة المسرح الكوميدي، متمسكين بكل الفرص التي أتيحت لهم للبقاء في صدارة المشهد المسرحي، ومن ثم تراجعت حظوظ عادل إمام وبقية أبناء جيله في الحصول على أدوار رئيسية تُظهر قدراتهم الكوميدية وتعدل من مسارهم المتأرجح. غير أن الظروف القدرية تلك والتي لم تكن رحيمة بعادل إمام في بداياته عادت تدريجياً وحسَّنت من موقفها تجاهه بداية من عام 1966، في هذه السنة تحديداً شهد المسرح المصري حراكاً مختلفاً أفرز واقعاً جديداً، إذ آلت تبعية الفرق الأربع الخاصة بمسرح التليفزيون: الكوميدي والعالمي والحكيم والحديث إلى وزارة الثقافة بدلاً من وزارة الإعلام، فتبدلت معها آليات الإنتاج المسرحي، كذلك توقفت تماماً عروض فرقة إسماعيل ياسين، وتأثرت فرقة الريحاني برحيل رائدها بديع خيري في نفس السنة، وتذبذبت عروض فرقة تحية كاريوكا، كل هذا -ويا للدهشة- في عام واحد كانت نتيجته فراغاً مسرحياً واضحاً بانتظار من يملأه.

في هذه الأجواء قرر المؤلف والمنتج المسرحي سمير خفاجي تكوين فرقة الفنانين المتحدين بأن قام بسحب نجوم فرقة المسرح الكوميدي التي كانت تابعة للتليفزيون: فؤاد المهندس وشويكار وعوض والهنيدي ومدبولي وأبوبكر عزت ومعهم الجيل الصاعد عادل إمام وسعيد صالح تحديداً، والتي بدأت عروضها بمسرحية «أنا وهو وسموه» التي لم يشارك فيها عادل إمام المنشغل وقتها ببعض أدواره السينمائية (شارك في هذه السنة في أربعة أفلام) ثم توالت عروض «الفنانين المتحدين»، ومن بينها: «حالة حب» بطولة فؤاد المهندس وشويكار، «البيجاما الحمراء» بطولة أبوبكر عزت ونجوى سالم، «غراميات عفيفي» بطولة أمين الهنيدي وليلى طاهر، وجميعها كان لعادل إمام حضوره الواضح فيها، حتى إن سمير خفاجي يذكر في مذكراته واقعة غيرة أمين الهنيدي من قدرة عادل إمام على إضحاك الجمهور أكثر منه وإصراره على استبعاد عادل من الدور وإسناده إلى حسن مصطفى، بل وقيامه بنزع صورة الممثل الشاب واسمه من على أفيش المسرحية الموجود على باب المسرح. على أية حال فقد أعادت الظروف تقديم هداياها إلى عادل إمام وجيله، فقد حدث في هذه الأثناء الانشقاق الأكبر داخل فرقة الفنانين المتحدين الذي انسحب على أثره محمد عوض من الفرقة وقام بتكوين فرقة الكوميدي المصرية التي انضم إليها بعد ذلك فؤاد المهندس وشويكار عقب انتهاء عرض مسرحية «سيدتي الجميلة»، وقام أمين الهنيدي بتكوين فرقته بمساعدة السيد بدير، وانشغل عبدالمنعم مدبولي بالإخراج المسرحي أكثر من التمثيل، فقرر سمير خفاجي تصعيد جيل الشباب إلى أدوار البطولة الأولى، فقام سعيد صالح ببطولة مسرحية «هاللو شلبي» في حضور ممثلين شباب آخرين مثل محمد صبحي وأحمد زكي ومديحة كامل مطعمين بعبدالمنعم مدبولي وعبدالله فرغلي ونظيم شعراوي أصحاب الخبرة الكبيرة.

ويبدو أن نجاح شباب الكوميديا في «هاللو شلبي» شجَّع سمير خفاجي عام 1971 على إلقاء قنبلته المدوية، هذه المسرحية التي قلبت موازين العمل المسرحي في مصر طوال نصف القرن الأخير، فعرفت العروض المسرحية تزايد عدد سنوات العرض، وارتفعت قيمة تذكرة المسرح، وأظلنا زمان المسرح السياحي، وتحولت المسرحية إلى أشرطة كاسيت مسموعة في كل بيت حفظها جيل كامل عن ظهر قلب، وأثارت جدلاً واسعاً عن واقع التعليم في مدارسنا ربما لم يتوقف حتى يومنا هذا، والأهم من هذا كله أنها دفعت بنجوم كوميديا شباب إلى الصفوف الأولى، وأزاحت جيلاً بأكمله كان السبب في تباطؤ خطوات هؤلاء الشباب نحو تصدُّر المشهد الكوميدي، فأعادت بذلك صياغة خريطة فن الكوميديا بأكمله طوال العقود الماضية، هذه المسرحية هي بالطبع «مدرسة المشاغبين» تأليف علي سالم وإخراج جلال الشرقاوي، ومن بطولة سهير البابلي وحسن مصطفى ونظيم شعراوي، ومعهم المشاغبون الخمسة الذين أصبحوا نجوم جيلهم: عادل إمام، سعيد صالح، يونس شلبي، أحمد زكي وهادي الجيار، ورغم أن جميع أبطال العرض كانوا في أفضل حالاتهم الفنية فإنني لا أبالغ إذا قلت إن النصيب الأكبر من النجاح الذي حققته «مدرسة المشاغبين» يعود الفضل فيه إلى عادل إمام وإلى شخصية بهجت الأباصيري زعيم الطلبة المشاغبين الذي أثبتت الأيام أنه لم يكن «زعيم أونطة» وإنما كان بالفعل «المخ والعضلات» لهذا الجيل الذي تشكل على أثر النجاح الساحق الذي حققته هذه المسرحية.

خرج عادل إمام إذن من هذه المسرحية بطلاً كوميدياً معترفاً به، وفي اللحظة التي أحس فيها بأنه قادر وحده على تحمُّل أي عمل مسرحي رفض المشاركة في البطولة الجماعية لمسرحية «العيال كبرت» من إنتاج «الفنانين المتحدين» أيضاً، وامتلك الجرأة على قول «لا» مقرراً، وبدعم من سمير خفاجي صاحب الفرقة، القيام بمفرده ببطولة مسرحية «شاهد ما شافش حاجة» متكئاً على النجاح الذي حققه في «مدرسة المشاغبين» ومنطلقاً منها لكل بطولاته المسرحية بل والسينمائية أيضاً التي صنعت منه هذا الكيان الفني الضخم.


مواضيع متعلقة