السيد شحتة يكتب: «سوبرمان» يعجز عن إنقاذ نفسه في «الرجل الذي سكن الشمس»
السيد شحتة يكتب: «سوبرمان» يعجز عن إنقاذ نفسه في «الرجل الذي سكن الشمس»
مع كل صباح جديد تشرق الشمس، وفي ليالٍ دون أخرى يلوح القمر، لكن في النهار كما في المساء يظل كثير من البشر في الشرق والغرب أسرى الحيرة والقلق وهم يتساءلون عن سر فرحتهم المنقوصة، والسعادة التي عجزت كل هذه المخترعات التكنولوجية عن منحها لهم.
الحقيقة أن الإنسان في نفس اللحظة التي ظن فيها أنه أصبح قادراً على هذه الأرض الفسيحة ما زال يقف عاجزاً عن فهم نفسه التي بين جنبيه وهو ما قد يفسر الحروب الضارية التي يخوضها كثير من البشر ضد بعضهم البعض وضد الطبيعة من حولهم.
في هذا الصدد تأتي المجموعة القصصية «الرجل الذي سكن الشمس» الصادرة حديثاً للكاتب الدكتور عبود مصطفى عبود عن دار الفاروق للاستثمارات الثقافية، وهي مجموعة تعزف على كثير من الأوتار الحساسة في النفس والروح، وقد تنقلت بين شخوصها بلا حدود للزمان أو المكان من الشمس إلى القمر ومن الضوء إلى الصوت ومن أمواج البحر إلى حيرة الموتى وصراعات الأحياء.
الدهشة في مجموعة «الرجل الذي سكن الشمس» تبدأ من العنوان اللافت الذي يثير شهية القارئ، ومن الصفحة الأولى يجد نفسه أسيراً لفخ سردي نصبه الكاتب بإحكام، واللغة تؤدي دورها في المجموعة على أفضل وجه، لا كلمة زائدة ولا لفظة بحاجة للاستبدال بأخرى، كل طوبة في البناء السردي بمكانها الصحيح، لا إطالة مملة ولا اختصار يختزل المعنى.
عناوين القصص تبدو مثل فاتح شهية، بداية من «قرار الشمس بالاختفاء» مروراً بـ«المرأة التي هجرت القمر» وانتهاء بـ«جسر على النهر»، ويُبرز النص قدرة «عبود» على توظيف أدواته باقتدار، نراه ونحن ننتقل من قصة لأخرى، حكّاء يغزل حروفه بخفة وإتقان. ولكل قصة قصيرة في المجموعة بريقها الخاص ونكهتها المميزة بشكل يؤشر على أن العبرة لدى المؤلف لم تكن أبداً بالكم ولكن بالهوية الخاصة لكل قصة من قصص المجموعة وهو ما يجد معه المرء صعوبة في منح قصة في المجموعة أفضلية على أخرى فجميعها تبدو مثل حبات عقد واحد.
البُعد البصري والمشهدي يبدو حاضراً بقوة في المجموعة، نراه في لحظات الذوبان في الشمس والابتعاد عن القمر وفي ثورة الموتى وفي مشاهد أخرى لم تغفل التحديات التي تواجه فيها الإبداع بكافة أشكاله خاصة في ظل سطوة الذكاء الاصطناعي وهيمنة السوشيال ميديا.
«الرجل الذي سكن الشمس» تبدو كمجموعة أدبية ذات بُعد فلسفي يحاول الكاتب من خلالها إعادة محاولة اكتشاف الإنسان والصراعات التي يموج بها من داخله في عصر تحكمه المادية، ونرى فيها ظلالاً للإنسان الذي يتمرد على محاولات مسخه عبر إعادة اكتشاف الكون من حوله ورسم صور مغايرة عن كثير من الحقائق المستقرة للانتصار للمشاعر والأحاسيس على القواعد المادية والمعادلات الحسابية. ما يميز «المجموعة» أيضاً أنها تعيد رسم حدود العلاقة بين الإنسان وعالمه بصورة لا يصبح فيها هو البطل الأوحد وكل ما دونه مجرد ظلال لصورة «سوبرمان» البراقة التي كرستها الميديا الأمريكية لسنوات طويلة.
«النور الذي تبحث عنه منذ سنوات طويلة دون أن تجد له أثراً لن تعثر عليه أبداً لأنك تفتش في المكان الخطأ، الخير والشر ينبع من أعماقك، في اللحظة التي سوف تقترب فيها أكثر من فهم نفسك سوف تكون أقدر على التناغم مع إيقاع الحياة من حولك»، هذه واحدة من ضمن معزوفات كثيرة يتردد صداها في مجموعة «عبود» الجديدة.
لا يتبنى الكاتب خطاباً وعظياً، ولا يدعو لفكرة ما بطريقة زاعقة، لكنه يصر على أن يطأ مناطق جديدة واستصلاح صحاري مقفرة أجدبت بفعل الحيرة والقلق والوهم. ونجد في المجموعة حضوراً لمدن خليجية مثل الرياض والطائف ودبي، حيث يتواصل صراع المادي والمشاعري في بيئات ومدن شتى في ظل رحلة بحث لا تنتهي عن الحب القادر على علاج جروح القلوب والأجساد.
تأخذنا «الرجل الذي سكن الشمس» بعيداً وإلى مساحة خاصة جداً لتأمل فلسفة الحياة والموت ووحدات السعادة والشقاء ومفهوم الحرية وطبيعة السجون غير المرئية التي تكبل أرواحنا في هذا العالم. وهذه المجموعة القصصية ليست للتسلية ولا تتوقف عند حدود الإمتاع رغم لغتها بالغة التشويق وسردها المتقن حيث تستفز في كل قصة العقل البشري لفك شفرة الدلالة وفهم مرامي الحكاية.
وكثير من حكايات «عبود» تظل حمّالة أوجه فعندما يبتلع البحر حبيبين في مرسى مطروح، هل يعني ذلك انتحاراً أم ميلاداً جديداً يتخلص فيه المرء من أثقاله كما نفعل عندما نذهب للمصايف؟ هل هو ذهاب بلا رجعة بعد الاستسلام لأمواج عاتية أم استراحة قصيرة لالتقاط الأنفاس؟!
تثير هذه المجموعة القصصية عدة تساؤلات في أكثر من نهاية مفتوحة، وفي ختام كل قصة تجيش في النفس مشاعر شتى يختلط فيها الضحك مع البكاء والغضب مع الرضا والدهشة مع الاقتناع.
هذه المجموعة وهي تحاول أن ترسم صورة سردية من زوايا أخرى للشمس والقمر والضوء والصوت تنبهنا إلى حقيقة مهمة جداً كثيراً ما تغيب عن أذهاننا بفعل إيقاع الحياة المتسارع، وهي أن هذا الكون الفسيح لا يضيق بنا ولكن نحن الذين نضيق به عندما نراكم في عقولنا تلالاً من الأوهام ما أنزل الله بها من سلطان، نخوض بسببها معارك شتى قبل أن نكتشف بعد فوات الأوان أننا من ضيع عمره وهو يلهث خلف سراب كان يحسبه ماء.
وختاماً، هذه المجموعة تأتي ضمن أعمال سردية قليلة للغاية تتماس مع المناخ وقضايا هذا الكوكب المأزوم بفعل نكبات البشر.