علي الفاتح يكتب: عندما تصبح أمريكا عبئا على الشرق الأوسط
علي الفاتح يكتب: عندما تصبح أمريكا عبئا على الشرق الأوسط
كلما خرجت أصوات من الكيان الصهيوني تنعق بالحرب على مصر أو تطالب بمواجهة تنامي قدرات الجيش المصري؛ يبرز هذا السؤال الدقيق والحرج حول موقف القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة في المنطقة إن وقعت الواقعة بيننا وبين عصابة تل أبيب؟!
صحيح أن لدينا اتفاقية كامب ديفيد للسلام، التي أنهت حالة الحرب بعد انتصارات أكتوبر المجيدة على الكيان الصهيوني، لكننا نسمع بين الحين والحين فحيح الأفاعي الصهيونية الإرهابية تهدد تارة، وتحذر من الخطر المصري تارة أخرى، وتتوعد بمخطط التهجير تارة ثالثة؛ وهو ما استعدت له الدولة المصرية جيداً عسكرياً وسياسياً ودبلوماسياً ذاهبة إلى الحد الأقصى بشأن شكل المواجهة المتوقع إن تقدم الكيان الصهيوني شبراً واحداً نحو تنفيذه.
مجرم الحرب وزعيم عصابة تل أبيب بنيامين نتنياهو تجاوز فعلياً حدود الخط الأصفر داخل قطاع غزة، وبات قريباً من احتلال 70% من أراضي القطاع حسب تصريحاته، وبعد الانتهاكات المتعددة لاتفاق شرم الشيخ للسلام، حيث أزاح جيش الاحتلال الخط الأصفر ليشمل أكثر من 63% من غزة.
الدولة المصرية تتحرك دبلوماسياً لمنع توسع الاحتلال بالضغط على واشنطن لإرغام مجرم الحرب على الالتزام ببنود اتفاق شرم الشيخ، التي وقَّع عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصدر بشأنها قرار من مجلس الأمن. ومع ذلك يبقى احتمال المواجهة قائماً، والسؤال: ماذا لو حدث ذلك؟ هل ستقف القواعد الأمريكية في دول الخليج على الحياد؟ أم أنها ستسارع إلى مساندة عصابة تل أبيب الإرهابية؟!
العدوان الصهيوأمريكي على إيران في 28 فبراير الماضي وتداعياته اللاحقة قدَّم إجابة غير مباشرة؛ وهو ما يفرض على جميع دول المنطقة مراجعة استراتيجياتها الدفاعية.
موقع «وللا» العبري أفاد اليوم، الأحد 28 يونيو 2026، أن الولايات المتحدة تدرس إقامة قواعد عسكرية داخل الكيان الصهيوني في إطار أشمل لمراجعة إعادة انتشار قواتها العسكرية في الشرق الأوسط تأسيساً على نتائج عدوانها الفاشل على إيران.
أولى بدول الخليج أن تقوم هي بتلك المراجعة الشاملة لتحالفاتها العسكرية، فأحد أهم دروس العدوان الصهيوأمريكي؛ أن القواعد الأجنبية قد استحضرت عفريت الصواريخ الإيرانية، ولم تعمل على مواجهتها واستنفدت منظوماتها الدفاعية في حماية الكيان الصهيوني من صواريخ ومُسيَّرات إيران.
بل إن القواعد الأمريكية فشلت في الدفاع عن نفسها وفقاً لوسائل الإعلام الأمريكية من «السي إن إن» إلى «الوول ستريت جورنال» و«الواشنطن بوست»؛ والتي نشرت تقارير استخباراتية تؤكد تدمير 228 بناية داخل 16 قاعدة أمريكية، ناهيك عن تدمير عشرات الطائرات، وهي على الأرض داخل حظائرها، علاوة على خروج قاعدة الأسطول الخامس الأمريكي من الخدمة.
هذه الفوضى سمحت للكيان الصهيوني بضرب أهداف مدنية ومقار دبلوماسية بمُسيَّرات تم إطلاقها من قاعدتين سريتين سبق تدشينهما في صحراء العراق لإشعال الفتنة بين دول الخليج والجمهورية الإيرانية.
نشر منظومات دفاعية مصرية فعالة في بعض دول المنطقة يتعين أن يكون نقطة البداية لبناء تحالف عسكري إقليمي موثوق في إطار اتفاقيات الدفاع العربي المشتركة قائم على المصالح المشتركة ومفاهيم الأمن القومي الموحد، ويعزز مثل هذا التحالف إطار أشمل للتحالف المصري السعودي التركي الباكستاني، يضم إيران لاحقاً. غير أن هذه التحالفات تحتاج إلى استراتيجية عمل مشتركة هدفها الرئيسي تحجيم، إن لم يكن طرد، القواعد الأمريكية، التي ثبت فعلياً، وبسبب المغامرات الأمريكية الفاشلة، ومخططات العدو الصهيوني، أنها أصبحت عبئاً ثقيلاً على الأمن القومي العربي.
رغم وضوح بنود مذكرة التفاهم التي وقَّعتها واشنطن مع طهران بشأن وضع مضيق هرمز؛ إلا أنها انقلبت على المذكرة لاصطناع تفسير لنص لم يترك مجالاً للتأويل.
فقد نصت المذكرة على أن تتولى إيران مسؤولية ضمان العبور الآمن وما يتضمنه من وضع ترتيبات لازمة عبر التنسيق معها لتعيد معدلات الملاحة البحرية عبر المضيق إلى ما كانت عليه قبل يوم العدوان خلال شهر، وبدون أية رسوم لمدة 60 يوماً تقوم بعدها إيران بالتعاون مع سلطنة عمان لتنسيق عمليات العبور وتحصيل رسوم مقابل بعض الخدمات اللوجيستية.
المذكرة نصت أيضاً على أنه لا مفاوضات حول الملفات الشائكة، وهي، وبحسب المنشور، كل ما يتعلق بالبرنامج النووي، ورفع العقوبات بشكل كامل والإفراج عن كامل الأصول الإيرانية المجمَّدة.
ومع ذلك أرادت واشنطن، على ما يبدو، نزع ورقة مضيق هرمز من يد المفاوض الإيراني، وحاولت القفز على المذكرة بإحياء مشروع الحرية الذي فشل مرتين خلال الشهر المنصرم، وعملت على التدخل في إدارة عملية العبور على عكس ما ورد في مذكرة التفاهم.
تجدر الإشارة هنا أن ما دفع إيران لاستخدام مضيق هرمز كورقة ضغط تهديد الرئيس الأمريكي بإبادة حضارة الأمة الفارسية؛ ما جعل الصراع بالنسبة للشعب الإيراني، قبل نظامه السياسي، صراعاً وجودياً، ومسألة تتعلق بالكرامة الوطنية.
كان على واشنطن ألا تتعجل، وتستفز طهران في مضيق هرمز، فلربما غيّرت رأيها بشأن الرسوم على الخدمات اللوجيستية، بعد التوصل إلى اتفاق متوازن، وهو ما ألمح إليه وزير خارجيتها عباس عراقجي في أكثر من مناسبة.
التحركات الأمريكية غير المدروسة وإعادة الحديث عن برنامج إيران الباليستي، وملف دعم حلفائها عبر وزير الخارجية مارك روبيو؛ ليس محاولة فقط لتقويض أوراق إيران السياسية والعسكرية، فالهدف الحقيقي هو محاولة إشعال الفتنة بين عواصم الخليج وطهران؛ بعد أن بدأ الحديث عن بناء منظومة أمن إقليمي جماعي يتردد بين ضفتي الخليج العربي «إيران الفارسية وجيرانها العرب الخليجيين».
(يُذكر في هذا السياق أن الرئيس الأمريكي أقر، في تصريحات سابقة لا لبس فيها، بحق إيران في امتلاك برنامج صاروخي باليستي شأنها في ذلك شأن باقي الدول، وأن المذكرة لا تشمل هذا البرنامج وملف دعم الحلفاء ولا مفاوضات بشأنهما في الاتفاق النهائي).
العودة إلى التصعيد العسكري، الذي قد يقود إلى فوضى إقليمية واسعة بات احتمالاً غير مستبعد، خاصة إذا أضفنا إلى ما يمكن تسميتها بـ«فتنة هرمز»، إسفين الاتفاق الإطاري بين لبنان والكيان الصهيوني، الذي أحدث انشقاقاً داخل المجتمع اللبناني لأنه، وبحسب تصريحات الإرهابي بنيامين نتنياهو أعطى الحق لجيش الاحتلال بالاحتفاظ بما يسميها بالمناطق الآمنة والتي تمتد إلى شمال نهر الليطاني، ولم يضع جدولاً زمنياً لانسحاب الاحتلال الصهيوني.
علاوة على ذلك اشترط نزع سلاح حزب الله، قبل الانسحاب، وهو ما يرفضه الحزب وحركة أمل، ويصفه ساسة لبنانيون باتفاق غير متوازن أعطى الكيان الصهيونى كل شيء وبذر بذور الفتنة.
قد لا يتورط لبنان في حرب أهلية بالإقدام على نزع سلاح المقاومة عبر الوسائل العنيفة؛ لكننا نظل أمام مطالبات الرئيس الأمريكي نفسه لسوريا بالتدخل عسكرياً، وهو ما ينذر بسيناريوهات كارثية إن حدث.
هناك اعتبارات كثيرة معقدة قد تحول دون هذا السيناريو الكارثي؛ إلا أن هذه الاعتبارات قد لا تصمد طويلاً، لذلك تحتاج إلى عامل يعزز من فاعليتها.
هذا العامل يتجسد في تلك المراجعة الشاملة لاستراتيجية ومفهوم الأمن الإقليمي الجماعي، وضرورة اللجوء إلى تحالفات سياسية عسكرية إقليمية جديدة تحول أولاً دون اندفاع الولايات المتحدة نحو الحرب مجدداً أو فقدان السيطرة على أعصابها بحسب تعبير دونالد ترامب، الذي جدّد تهديداته بإبادة إيران.
وتمنع ثانياً اندلاع حرب أهلية لبنانية أو تدخلاً سورياً عسكرياً، علاوة على إجبار الكيان الصهيوني على الانسحاب من جنوب لبنان، ثم مساعدة الأطراف اللبنانية على حلحلة أزمة سلاح المقاومة، وإرغام الكيان الصهيوني على الأقل بالالتزام باتفاقية فض الاشتباك الموقعة مع سوريا عام 1974 والانسحاب من الأراضي السورية، التي احتلها بعد ديسمبر 2024.