ناصر عبدالرحمن يكتب: من هاجر إلى؟!.. من الشخصية المصرية (6) إدريس
ناصر عبدالرحمن يكتب: من هاجر إلى؟!.. من الشخصية المصرية (6) إدريس
الفنان.. ثالث أضلاع المهاجرين بعد الحصان والنيل صاحب الهجرة من الجنة للأرض وصاحب الهجرة من الجنوب للشمال.. ويأتى الحصان ثانى مهاجر، جاء مع الهكسوس وشرب من النيل وأصبح مصرياً بملامح وشخصية مصر، الثالث هو الفنان.
والفن جاء من عالم الخيال إلى عالمنا فى الأرض.. جاء من الخيال إلى مصر.. كان يحلق يبحث عن صورة يظهر فيها، فكانت مصر هى الصورة التى تجلى بها الفن من الخيال إلى الوجود.
يمتزج الفن بطينة وملامح وتفاصيل وسحر وشخصية مصر، فكانت صورته الأولى ظاهرة تتجلى فيها الصور التى استحضرها سيدنا إدريس من عالم الخيال إلى جدران المعابد إلى رسومات مصر القديمة إلى الألوان.
كان الفن من عالم خفى حتى ظهر فى قلب الفنان المصرى الذى نقش الحجر والذى حوّل الزهر إلى عطر ولون.
الفنان المصرى أول من استخدم الأوتار وحرك القلوب وأطرب آذان العالم كله بالهارب.. هو الذى نسج من الحرير فناً ونسيجاً.
الفن فى مصر كان الجسر الذى بين عالم الخيال وعالم البشر.. ظهر أول ما ظهر فى مصر، ثم انتشر فى الحضارات من بعده؛ الآشورية والبابلية والفينيقية.
الكتابة فن مصرى، كتبت الهيروغليفية الأساطير، وكتبت التاريخ والمعارك، وكتبت الدين ورسمت الجنة والنار.. حكت عن ملوكها وعن شكوى فلاحها الفصيح.
الفن فى مصر أصله دين.. نعم إن الدين أصل كل فن.. مناشدة الخالق والتعبد.. حتى طقوس الغناء ينظمها الكهنة، ويحشد ويعلم ويدرب ويختار الأصوات الحلوة وينتخب من الحضور مراسم الفن بمقصد التعبد.
الفن هاجر من عالم الخيال إلى مصر هجرة أولى فظهر فى مصر الفنانون والحرفيون الذين نقلوا فنهم بهجرات إلى بلاد الشام.
ظهر الفنان المصرى وقد حافظ على مقامه.. وكانت الدولة المصرية تقدر الفنان، فقد صنعت التماثيل للكاتب المصرى تقديراً لهذا الفنان الكاتب الذى يحول بالحروف الأفكار والحكم إلى معانٍ مؤثرة.
تجد الفلاح الفصيح يكتب شكواه كأفضل فنان فى كتابة تسجل فى الذاكرة المصرية.
من أبرز فنانى مصر أمحوتب فى عهد الملك زوسر، وهو المهندس الذى صمم هرم زوسر.
منذ مصر القديمة، عهد ظهور الفن على الأرض، لم يهاجر فنان مصرى إلى خارج وطنه منذ ظهر وتجلى الفن فى مصر وأصبح زرعة الفن فى الأرض المصرية، «كيمت» مثمرة علمت العالم كله الفنون بأشكالها المختلفة.
نجد الفن المصرى مختلطاً فى كل مظهر فنى.. نجده فى اليونان والبطالمة، هاجر إلى مصر الفنانون وعاشوا وأثمر فنهم من أرض مصر عن طريق كلوديوس بطليموس، وكاليماخوس، ونيوكرتيوس، وأبولونيوس الرودسى والرومانى هيباتيا.
نجده فى الحضارة الإسلامية يظهر عن طريق البهاء زهير وابن دانيال.
نجده أيام محمد على عن طريق باسكال كوستا، شارل تيسيران.
نجده فى شعر الشاعر اليونانى كفافيس الذى عاش فى الإسكندرية.
نجده فى لورنس داريل.
نجده أثمر فى أبوخليل القبانى وجورج أبيض.
فى آلاف الرسامين المستشرقين.. Team leon الذى رسم الأسواق والمساجد وديفيد روبرتس الذى رسم المعابد والأهرامات والقاهرة.
نجده فى Franr Kasler الذى رسم البورتريهات للمصريين فى مختلف طبقاتهم الاجتماعية.
نجده فى Prayer Mosque الذى رسم المساجد وجسَّد تصوير المصلين.
نجد الفنان الذى هاجر إلى مصر وعاش وأظهر فنه مثل إدورد وليم الذى ألّف الكتب التى تصف حياة المصريين اليومية.
نجده فى كافكا قسطنطين، كافكا الذى عاش فى الإسكندرية وارتبط أدبه بمصر.
كذلك الأديبة أليكسندريا كارتيت التى أظهرت مصر فى أدبها.
عاش فى مصر من عهد الإسكندر حتى اليوم الفنان من كل مكان فى الدنيا لأنه بوعى وبدون وعى يشعر أنه فى أرض الفن.. فى الأرض التى تثمر الفن.
مصر هى الوجهة للفنان فى العالم، والذى يظهر فنه فى مصر يظل ليوم القيامة له ملامح وتفاصيل معجونة بالنيل والأرض المصرية، عجينة الفن فى مصر تجعلها وجهة لكل فنان يعيش فيها ويثمر فنه ويطرح خياله ويتجلى.
صدق عمر الشريف عندما قال ندمت على هجرة مصر لأن الفن فى مصر وكنت أمارسه وأشتهر به كنجم مصرى معروف لكن بعد السفر لأمريكا وأوروبا لم أستفد بأى زيادة إلا أن العالم الآخر يعرفنى رغم أن نجيب محفوظ وغيره من أصحاب الفنون عرفهم العالم وهم فى بلاد النيل لم يهاجروها.
لم تعرف مصر هجرة الفنان المصرى إلا فى فترة 67 عندما هاجر الفنانون إلى لبنان وتركيا وغيرها وعادوا مرة أخرى إلى بلادهم.
فالفن ستظل مصر أرضه ومنبته للمصريين ولكل فنان فى كل مكان فى العالم.
أما ما يظهر من هجرة فنانين إلى بلاد أخرى لكى يصنعوا بشهرتهم فناً يسىء إلى مصر وإلى ذاكرتها فى محاولات تصل إلى حد الجرم فهم يختارون المال لتنفيذ مؤامرة القصد منها طرح ثمار فن فاسد فى ذاكرتنا المصرية.
إن كل فنان يفسد فى الذاكرة المصرية فى محاولات يائسة لتشويه ملامح التجربة المصرية ويتعمد أن يعكس ملامح كاذبة لا تعكس حقيقة ذاكرتنا ولا تمثل ملامح شخصيتهم المصرية.
سوف نأتى بالحديث عن الفن فى الصفحات التالية فى تأكيد على أهمية الفن المصرى ومدى تكالب المفاسد عليه لإفساده.