ناصر عبدالرحمن يكتب: «من هاجر إلى.. في الشخصية المصرية» (4) الخيول المهاجرة (1)

كتب: محرر

ناصر عبدالرحمن يكتب: «من هاجر إلى.. في الشخصية المصرية» (4) الخيول المهاجرة (1)

ناصر عبدالرحمن يكتب: «من هاجر إلى.. في الشخصية المصرية» (4) الخيول المهاجرة (1)

المهاجر الثانى بعد النيل.. هو الحصان، فهو مهاجر ساحر، ذكى، خفيف، سريع، نبيل كبطل تراجيدى عظيم.

الحصان جاء مع الهكسوس بين 1650 و1550 قبل الميلاد.. ورغم أنه جاء مع مهاجرين إلى مصر تحولوا إلى أعداء إلا أن الحصان مهاجر جاء إلى مقصده وإلى مكانه الذى ينتمى إليه.. حتى إن الحصان فى مصر صفاته تكتب الصفات المصرية فى المرونة والعذوبة والتحمل.. هكذا صبغة الأرض المصرية على كل مهاجر.

الحصان... وقد سماه النبى صلى الله عليه وسلم السكب.. وكان عنده من الخيل ما سماه اللزاز.. الطرب.. الورد.. البحر.

المشرب واحد.. يعانق الحصان المهاجر إلى مصر فى حضن ترابها فى مقابلة ولقاء مع المهاجر الأول لمصر وهو نهر النيل.. يشرب الحصان المهاجر من ماء النيل المهاجر فى أرض مصر الحاضنة.. يجمع بين الرشاقة والقوة.. وبين السكون والحركة.

سهيلة غزل.. العينان واسعتان لامعتان فيهما ذكاء وحنان.. الأذنان منتبهتان فى دقة وتركيز.. رحب الصدر.. طويل العنق.. كريم العرق.. عنق فيه قوة ومرونة.. والذيل أوتار عود وكمان.. ليل ستر.. جمال تراجيدى جميل.

للخيل شخصية تملؤها الكرامة والوفاء.. تكره القيود والعبودية فقد خُلقت حرة أصيلة. وللخيل أسماء شائعة فى مصر.. نفيسة، عزيزة، مبروكة، غزالة، البرق، الرعد، الأدهم، الورد

قيل عن الخيل:

(والعاديات ضبحاً)

(الخيل معقود فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة)

وفى القرآن (ومن رباط الخيل)

ما الخيل إلا كالصديق قليلة

وإن كثرت فى عين من لا يجرب

الخيل والليل والبيداء تعرفنى

والسيف والرمح والقرطاس والقلم

أعز مكان فى الدنا سرج سابح

وخير جليس فى الزمان كتاب

قال امرؤ القيس:

وقد أغتدى والطير فى وكناتها / بمنجرد قيد الأوابد هيكل

وقال حسان بن ثابت:

عدمنا خيلنا إن لم تروها / تثير النقع موعدها كداء

الحصان فى الموال الصعيدى

الخيل تعرف فارسها ساعة الشدة

والناس تعرف معدن الرجال وقت المحنة

وللحصان مكانة فى مصر جعلته مقترناً بالمولد الشريف حيث صُنع من السكر ليفرح به الأطفال فى احتفالهم بالمولد النبوى الشريف.

اذهب إلى الحسينية وجزيرة سعود وبلبيس وإنشاص وبنى جرى وبطحا المرج.. اذهب إلى الشرقية واسأل عن عائلات الطحاوية.

اذهب إلى نزلة السمان... بل اذهب إلى عم حسان صاحب الحنطور الذى يربى حصانين بخيت وبخيتة وهما كنزه وثروته وهما أحبابه بجوار أبنائه صالحة وفريدة ومحمود.. عم حسان يخبرك بأن حصانه له فى كل صبح مزاج، وفى كل لفتة نظرة، ولكل تعامل معنى.. إن حصانه عالم كامل يغنيه عن تقلبات الناس وحماقاتهم.

الحصان فى مصر يتحول إلى مصرى.. حتى الحصان العربى يأتى إلى أرض مصر ليتحول مضافاً إليه صفات الطيبة والمرونة والرضا، ثلاث صفات مصرية تضاف إلى التحمل وهى جدران الشخصية المصرية.

كنت فى العاشرة من عمرى أهرب من بيت أبى إلى بيت جدى حمدان فى شارع عويس البحيرى.. محاولات هروبى هذه تطورت إلى الآن وإن اختلف الزمان والمكان، حتى الآن أهرب من النفاق والأنفاق ومن الخدع والبريق، من المتابعات والإلحاح إلى الوحدة والمدى، ومن الضجيج إلى الرمال والجبل.

هروب إلى هروب حتى احترفت الهروب فصرت بدروبه مدرباً كحصان لم يعد يهاب من الحروب ولعل فى الطرق علامات وفى تجارب الهروب نور وسمر.

تسللت من غرفة المندرة إلى سلالم البيت إلى الشارع إلى دروب ومسالك حتى وقفت فى فزع أنظر إلى ناصية مزدحمة.. وعند ناصية بيت جدى وقفت أغالب خوفى.. كيف لهذه الفرسة أن تسقط على التراب كأنها الجبل تهبط من السماء وكأنها الليل وسط النهار وكأنها الهويس يطلق الرمال.

فرسة فى لون الكحل ومقام الليل تحبها كل بنات الشارع، فرسة عم خليل صاحب الحنطور التى لا تغيب عن فرح.. تزف العرسان فى الحى وتمنح الجيران ميزة القرب.. فجأة فرسة عم خليل تسقط وسط الشارع.. يتجمع أهل الحى وتتعطل الأحاديث وتتوجه النظرات إليها.. عم خليل ينحنى تجاه فرسته يوشوشها فى أذنها كأنه يتلو عليها آيات الوداع.

تحركت دون إدراك حتى أصبحت أرى عين الفرسة وهى تبكى كرد بليغ بين عاشقين.

هكذا أصبحت الخيول بين أمورها تدليل ودليل عزة أو بين عشرة عمر وقوام بيت وشريك أسرة.

بعد فرسة عم خليل شاهدت على التليفزيون مسلسل (الرجل والحصان) تأليف محمد جلال عبدالقوى وإخراج أحمد خضر.. كنت قد تجاوزت العاشرة بقليل.. تأثرت بالمسلسل وبكيت مع دموع الشاويش طلبة الذى تمرد على قتل حصانه حتى لو كبر فى السن وحتى لو كان الشاويش طلبة على المعاش.

كبرت وبدأت أذهب إلى دكان جدى فى العتبة بجوار سور الأزبكية.. كنت دائماً آخذ من بائع الكتب جارنا كتاباً أو مجلة ثم أعيدها له فى نهاية اليوم. تعلمت القراءة من جلوسى بجوار بائع الكتب، كما تعلمت الكتابة من كتابتى جوابات جدتى وأبى للأهل والأقارب فى الصعيد.

قرأت للعقاد ولعبدالرحمن بدوى كما قرأت لعبدالحليم عبدالله، وقرأت لتولستوى كما قرأت لتشيكوف قصة (لمن أشكو كآبتى؟!) كانت قصة حزينة لرجل مات ابنه الوحيد يقود عربة تجرها الخيل.. يجلس فى الإسطبل لا يجد من يشكو له غير حصانه.

حتى بدأت الكتابة وجاءت فرصتى لكتابة مسلسل (جبل الحلال) وبطلها «أبوهيبة» الذى كان عنده إسطبل خيل عندما عاد من رحلة علاج وقد كاد أن يموت فى غربته كان فى انتظاره حصانه الذى كسر قيود الإسطبل ليستقبله أمام بيته يسابق زوجته وبناته وأهله.


مواضيع متعلقة