ناصر عبدالرحمن يكتب: «من هاجر إلى.. في الشخصية المصرية» (3) النيل أول مهاجر إلى مصر
ناصر عبدالرحمن يكتب: «من هاجر إلى.. في الشخصية المصرية» (3) النيل أول مهاجر إلى مصر
أولاً هجرته من الخارج إلى داخل مصر، ثانياً هجرته داخلية من الجنوب للشمال، ثالثاً هجرته عكس الجاذبية الأرضية، رابعاً هجرة النيل من صورته إلى صور المصريين أنفسهم.
أربع صور تؤكد وتثبت بالدليل وبالعلم أن النيل أول مهاجر إلى مصر وكأنه بين قوسين أحدهما فى الجنة والقوس الآخر فى بحر الإسكندرية يا له من مهاجر ساحر جميل محارب يحمل ملامح الشخصية المصرية بتفاصيلها كما يحدد هويتنا المصرية وجغرافيتها وتاريخها واقتصادها ونفسيتها ومناخها الاجتماعى وتحولاتها.
هكذا النيل والشخصية المصرية وجهان فى عملة واحدة.
النيل مهاجر وهجرته الأولى خارجية جاءت من الجنة إلى الأرض، هجرة بالصورة، هجرة من عالم إلى عالم، من الجنة إلى أرض مصر، حقيقته فى الجنة ووصله فى صورة النيل لم ولن ينقطع الوصل بين الحقيقة والصورة فلم تمح صورة لها حقيقة، ما يتبع كون النيل حقيقته فى الجنة أن الهجرة بالصورة وكان النيل رسول الحقيقة.
ثانى هجرة هى هجرة النيل الداخلية من الجنوب للشمال وهى هجرة جغرافية لها أحوال وأشكال وعناوين ومدن وقرى واختلافات فى الأعمار، لكن موصولة بشريان سره سارٍ فى قلوب المصريين، هجرة النيل من الجنوب إلى الشمال محل خدمة المصريين وتقديسهم للمهاجر المرسل لتراب وجذور يصنع ألوان الأرض.
لذلك سميت مصر فى القرآن بالأرض وسماها الأرض، هى كيمت الأرض، هى النيل، فى الفناء لا تستطيع أن تفرق بين الأرض والنيل، لأن فناءهما يصنع الأرض السوداء، تراب ونيل فناؤهما أرض سوداء (كيمت) كما صنعت هجرة النيل الأولى من الجنة على صورة نيل مصر من جمال وروح وسحر واتصال فارق بين عالمين، عالم الحقيقة فى الجنة وعالم الأمر.
أما الهجرة الثانية وهى هجرة النيل الداخلية من جنوب مصر إلى شمالها، فهى هجرة تصنع اتحاداً وتصنع اتصالاً واحداً، تصنع صلة لا تنقطع، وتصنع سراً ينتقل أثناء سريان النيل، كما أن هجرة النيل الداخلية من الجنوب للشمال تصنع قانون الإيجاد بالذوبان والتحول، فالهجرة ليست مقتصرة على فروع النيل لكن الهجرة تشمل هجرة الشخصية المصرية وفى أوصاله وعروقه وعرق جبينه وريقه وريحته ودمعه ودمه صور للنيل.
نعم وألف نعم، بكاء المصرى نيل، وريقه نيل، وعرق جبينه والله نيل، يعكس صفات وتحولات وألواناً وأشكالاً متجسدة فى المصرى الذى خلقه الله من تراب وماء كالفخار.
هجرة النيل الداخلية من الصعيد من أسوان للإسكندرية تصنع وتبنى شعباً متجانساً متفرداً كان المصرى حقيقته فى الجنة.
وكان أول مصرى إلى آخر مصرى نبعه واحد وجذره واحد وعروق جسده واحدة، فمَن هذا الذى يقدر على هزيمته أو العدوان عليه. مَن هذا الذى يستطيع أن يكذب الحقيقة.
هجرة النيل من الجنوب صنعت تنوعاً ومرونة ورسوخاً فى الأقدام وشجاعة وقوة احتمال.
المصرى فى حلايب وأسوان وقنا وسوهاج وأسيوط هو نفسه المصرى فى السويس وبورسعيد والإسماعيلية هو المصرى فى المنوفية وكفر الشيخ والشرقية هو المصرى فى الواحات وسيوة وسيناء هو نفسه الإسكندرانى والمحلاوى والطنطاوى هو هو المصرى صاحب الشخصية المصرية هو الممتزج بالنيل وهو الفانى فى الأرض وهو صاحب البنيان المرصوص من رأسه لقدميه، بين الجنوب والشمال يتمدد بلا انفصال عن ريقه وطعمه ورائحته ولون جلده وصلابة جسده وشمائل صفاته هو المعجوب الخالد الذى خلق من ماء وطين.
النيل المهاجر صنع أبعاد الشخصية المصرية.
تجد البعد الشكلى واضحاً كاللون النيلى والبعد النفسى للشخصية المصرية بنفس تشكل النيل تجده هادئاً لكنَّ هدوءه يخفى حركة لا تتوقف.
يخلق إيجابية وإقداماً بلا تراجع رغم المعوقات تجذبه للأمام أو للشمال على صورة وحركة النيل.
أما عن هجرة النيل عكس اتجاه الجاذبية الأرضية وعكس الناموس المعتاد هو نفسه ينعكس على الشخصية المصرية التى هى هجرة عكس الطبيعة، عكس الجاذبية.
وهكذا الشخصية المصرية خارج المألوف خارج الصندوق وخارج التوقع سرها يفاجئ ويدافع ويحمى ويهاجم إن لزم الأمر.
■■ السلام على نهر النيل، نهر الجنة الذى هاجر إلى أرض مصر وأهل مصر. هاجر من الجنة لمصر كما هاجر بسر وفناء إلى عروق المصريين
سلام على النيل صاحب الهجرة الحية المتجددة من أول الخلق إلى آخره.