نائب وزير الخارجية السابق: «القاهرة» فرضت رؤيتها في مفاوضات غزة وتسهم بفاعلية في جهود الوساطة لإنهاء الحرب الإيرانية

كتب: أحمد حامد دياب

نائب وزير الخارجية السابق: «القاهرة» فرضت رؤيتها في مفاوضات غزة وتسهم بفاعلية في جهود الوساطة لإنهاء الحرب الإيرانية

نائب وزير الخارجية السابق: «القاهرة» فرضت رؤيتها في مفاوضات غزة وتسهم بفاعلية في جهود الوساطة لإنهاء الحرب الإيرانية

أكد السفير أبوبكر حفنى، نائب وزير الخارجية السابق، أن الاحتفال بمرور 200 عام على تأسيس وزارة الخارجية وانطلاق التمثيل الدبلوماسى هو تتويج واعتراف بالدور الوطنى والتاريخى للوزارة العريقة فى الحفاظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه.

وأوضح «حفنى»، فى حوار لـ«الوطن»، أن الدبلوماسية المصرية عُرفت طوال تاريخها بالاعتدال والاتزان وسياستها العاقلة مع محيطها الإقليمى، ولذلك نالت ثقة المجتمع الدولى والإقليمى بفضل تلك السياسة، التى تميل إلى إحلال السلم والأمن، وأصبحت ركيزة أساسية لضمان أمن واستقرار الشرق الأوسط.. إلى نص الحوار:

الاحتفال بمرور 200 عام على تأسيس الوزارة اعتراف بدورها الوطنى والتاريخى العريق

■ 200 عام على إنشاء وزارة الخارجية المصرية.. كيف ترى هذا الحدث؟ وماذا يمثل لك؟

- يتملكنى شعور عميق بالفخر لانتمائى إلى واحدة من أعرق مؤسسات الدولة المصرية الحديثة، التى تحتفل اليوم بمرور 100 عام على تأسيسها عام 1922، غير أن جذور هذه المؤسسة تعود إلى ما هو أبعد من ذلك، فقد بدأت ملامحها الأولى قبل قرن من الزمان فى عهد محمد على باشا، حين أنشأ ديوان التجارة والشئون الإفرنجية، والذى تطور لاحقاً ليصبح «نظارة الخارجية» عام 1878، وعلى مدار العقدين السابقين لتأسيس وزارة الخارجية بشكلها الحديث كانت الوضعية القانونية لمصر مرتبطة بالخلافة العثمانية، وهو ما حال دون إنشاء سفارات أو تعيين سفراء، واقتصر الأمر على مندوبين شخصيين للوالى أو الخديو أو السلطان، لكن مع ثورة 1919 انطلقت أولى المحاولات الدبلوماسية المنظمة، عبر وفد مصر بقيادة سعد باشا زغلول ورفاقه، للمشاركة فى مؤتمر باريس للسلام والمطالبة باستقلال مصر وإنهاء الحماية البريطانية المفروضة منذ 1914، وأسفرت هذه الجهود عن تصريح 28 فبراير 1922، الذى منح مصر استقلالاً مشروطاً، وأعاد منصب وزير الخارجية ولقب السفير فى مارس من العام نفسه، ومنذ ذلك التاريخ انطلقت الدبلوماسية المصرية إلى آفاق أوسع.

■ كيف ترى النهج الحالى الذى تتبعه الدبلوماسية المصرية؟

- اليوم، تواصل القيادة السياسية والدبلوماسية المصرية الحفاظ على هذا الإرث من العقلانية والعلاقات المتوازنة، بعيداً عن الصدامات الأيديولوجية أو الاندفاعات العاطفية، واضعة دوماً المصالح العليا للوطن نصب أعينها. وفى محيطنا الإقليمى أصبحت مصر واحة للاستقرار والأمن، والوجهة الأولى للاستثمارات الأجنبية المباشرة، وهو ما عزز الدور المصرى فى جهود إحلال السلام وخلق حالة من الاستقرار فى بؤر التوتر، وتعمل حالياً على دعم مسار السلام بليبيا، وفرض رؤيتها المتوازنة بالقضية الفلسطينية، كما أسهمت بفاعلية فى جهود الوساطة فى النزاعات الإقليمية والدولية، وتُصنف القاهرة اليوم كشريك استراتيجى لكل من الاتحاد الأوروبى، الصين، الولايات المتحدة وروسيا، بالتوازى مع توطيد علاقاتها العربية والأفريقية، مع الحفاظ على شعرة معاوية مع إسرائيل دعماً للقضية الفلسطينية، وحتى مع إثيوبيا رغم الخلافات حول مياه النيل، حيث نجحت فى الترويج لموقفها العادل والسعى إلى اتفاق ملزم يراعى مصالح دول المصب والمنبع، وأثق أنه بمجرد حل هذه القضية ستنطلق علاقات البلدين لآفاق تنهى التوتر بالقرن الأفريقى.

■ ما أصعب المعارك الدبلوماسية؟ وهل شاركت فى مفاوضات خلال مسيرتك المهنية؟

  • فى تقديرى معركة تحرير طابا تُعد تطبيقاً عملياً لمفهوم الانتصار دون إطلاق نار، إذا ما تم توفير العناصر اللازمة للتفاوض وعلى رأسها العنصر البشرى المتمرس، ويمكن تصنيفها على أنها ملحمة تضافرت خلالها الجهود بين الدبلوماسيين والعسكريين والقانونيين وخبراء التاريخ، فضلاً عن اعتبارها نموذجاً يدرس فى فن التفاوض من حيث التنسيق، ورباطة الجأش، والعمل الجماعى وإنكار الذات فى سبيل تحرير سيناء حتى آخر شبر، حيث نجحت اللجنة القومية العليا لطابا فى اختيار مسار التحكيم، وهو الخيار الملزم عوضاً عن خيار التوفيق غير المُلزم، وبالتأكيد اكتسبت القاهرة خبرة طويلة من المفاوضات الصعبة مع الجانب الإسرائيلى وإصرار المفاوض المصرى على تضمين اتفاقية السلام خيار التحكيم، وبالنسبة لتجاربى التفاوضية فقد كانت سنوات عملى فى إثيوبيا خلال فترتين من 1997-2001، ثم كسفير من 2015-2018 من أصعب سنوات خدمتى، حيث شهدت جانباً كبيراً من المفاوضات المضنية الخاصة بمياه النيل.

الدولة منفتحة على كل القوى وأصبحت شريكاً استراتيجياً للاتحاد الأوروبى والصين وأمريكا وروسيا

■ كشفت الحرب الإيرانية الأمريكية عن الدور المحورى لمصر وثقلها الدبلوماسى.. كيف ترى هذا الدور؟

  • موقف مصر واضح منذ البداية، وبذلت جهوداً مضنية للحيلولة دون تفاقم الأزمة واحتواء الموقف، ومع بدء العمليات العسكرية شاركت بنشاط فى تشكيل الرباعية الدولية مع السعودية وتركيا وباكستان لمنع انفجار الإقليم، لا سيما أنها تمتلك علاقات ومصداقية لدى الجميع، وبالرغم من إعلان تضامنها التام والواضح والصريح مع أشقائها بالخليج، إلا أنها حافظت على النهج الدبلوماسى المتزن الذى يحظى بالثقة والقائم على احترام قواعد القانون الدولى، وإيمانها بالدور الأساسى للنظام متعدد الأطراف، والدور المصرى ليس مجرد وسيط، لأن القاهرة تحافظ على مصالحها بالبحر الأحمر وأمن الخليج باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى، كما أن دورها فى فلسطين المحتلة وجنوب لبنان يتعدى فكرة الوساطة، فالأمر يدخل فى صميم أمنها القومى والاقتصادى، والمرحلة المقبلة ستشهد تصاعداً لهذا الدور فى ضوء الاحترام المتصاعد للدبلوماسية المصرية، التى نجحت فى تثبيت مكانتها كلاعب أساسى فى أى ترتيبات إقليمية.

الاتزان الاستراتيجى

اتسمت الدبلوماسية المصرية عبر تاريخها الطويل بالاعتدال والاتزان، وبسياسة عاقلة فى التعامل مع مختلف دوائر محيطها الإقليمى والدولى. هذا النهج لم يكن وليد اللحظة، بل نابع من الإرث الحضارى والثقافى العميق الذى تمتد جذوره إلى آلاف السنين، وقد تجلى هذا الاتزان فى حفاظ مصر على حدودها ثابتة منذ عهد الأسرات الأولى، دون سعى للاعتداء أو التوسع، فجميع الحروب التى خاضتها كانت دفاعاً عن الأرض والهوية وردعاً لأى عدوان معلن، دون محاولة فرض دين أو ثقافة أو لغة على الآخرين.


مواضيع متعلقة