«تهانى» رضيت أن يكون راتبها 40 جنيها.. فاستكثرت الحكومة الرقم وقررت إيقافه

كتب: أحمد الليثى:

«تهانى» رضيت أن يكون راتبها 40 جنيها.. فاستكثرت الحكومة الرقم وقررت إيقافه

«تهانى» رضيت أن يكون راتبها 40 جنيها.. فاستكثرت الحكومة الرقم وقررت إيقافه

مع دقات الرابعة فجرا صلت ركعتين لله، قبل أن تحجز دورها فى طابور العيش، ذلك التقليد الثابت فى يومها، وهى فى طريق العودة وجدت الزوج يرتدى ملابسه ليبدآ الرحلة، خمس ساعات قضياها من مركز إيتاى البارود بمحافظة البحيرة مستقلين القطار حتى وصلا إلى أم الدنيا، 40 جنيها هى حقها لدى الحكومة، جاءت كل هذه المسافة للمطالبة بها، مع أشياء أخرى بسيطة قد لا يعتنى بها كثيرون؛ غير أنها أصبحت بالنسبة للمرأة الثلاثينية هماً كبيراً. «الاسم تهانى عبدالجواد عبدالله، 35 سنة، حاصلة على دبلوم زراعة عام 1994» كانت هذه هى الأسطر الأولى للمظلمة بعد «بسم الله».. عقب تخرجها بعام واحد التحقت بالعمل فى إحدى الجمعيات الزراعية. فى نهاية كل شهر تحصل على الأربعين جنيها مثل 54 ألف عامل بأقسام التشجير فى الجمهورية، لكن الحكومة استكثرت عليها ذلك المبلغ الهزيل، ومنعت صرف راتبها منذ أربع سنوات، رغم حضورها يوميا مكان عملها. مستعينة بورقة تحمل تاريخ الأول من يونيو الماضى وعبارة «الموظفة منتظمة فى الحضور والانصراف» جاءت إلى ديوان المظالم بقصر القبة عسى أن يسمع سكان القصور أنات المرأة المكلومة.[Quote_1] «كل سنة يطلبوا الأوراق عشان التعيين وآدى وش الضيف» تقولها «تهانى» بلهجة فلاحى، مستنكرة تأخر وزارة الزراعة فى تحقيق وعدها بالتعيين الذى طال لأكثر من 17 سنة، واحدة من بين 4200 زميل لها فى البحيرة تجرعوا المعاناة نفسها، «مينفعش تسحبى ورقك وتروحى وزارة تانية» رد بها الدكتور جمال حشمت، عضو مجلس الشعب، على «تهانى» حين طرقت بابه، ليبقى الحال على ما هو عليه. حلمها لا يتخطى حدود التعيين ولو بـ250 جنيها فقط تساعد بها فى مصاريف البيت وعلاج العيال. «40» هو الرقم العقدة فى حياتها، راتبها الذى لم يزد بل وتم حجبه يحمل الرقم 40، ومساحة شقتها الضئيلة بإيجارها الـ200 جنيه 40 مترا، و40 سنة هو العمر الذى تخشى الوصول إليه دون التعيين فى الوظيفة فتكون حياتها قد ضاعت هباءً. «لو جت على الوظيفة بس كانت تهون.. لكن الشقة مين يشيل همها وتعب العيال نعمل فيه إيه» يقولها «حامد عبدالعظيم» زوجها العامل بوجه ملأته حمرة من لفحة الشمس، شاخصا بصره نحو أسوار القصر الحديدية، يحكى بتأثر عن ولده الأصغر «كريم» ابن الـ8 سنوات، والذى يحتاج شهريا لـ300 جنيه علاجا؛ بسبب عيب خلقى فى الغدد الصماء يجعل حياته عرضة للخطر بمجرد تعرضه للشمس مدة نصف ساعة، حكى أيضاً عن ابنته الكبرى «نورا» -طالبة بالصف الثانى الإعدادى- التى تعمل فى أحد مصانع البطاطس خلال الصيف فى محاولة بائسة للمساعدة فى مصروف البيت «بتشتغل يوم وتقعد يومين من التعب.. بس الـ150 جنيه اللى بتاخدهم بينفعونا برضه».[Quote_2] تغيير القيادات فى البلاد هو طلبها الأول حال مقابلتها للرئيس وجها لوجه، فكل مدير مفسد تراه سببا لبذور مشاكلها وكثيرون من أمثالها البسطاء، فرياح يناير التى هبت على مصر جعلتها أكثر تفاؤلا قبل أن تصل إلى قناعة مفادها أن «الثورة مش هتنجح غير لما الواسطة والمحسوبية تتغير ويبطلوا يدوسوا ع الغلبان»، تركت الأوراق بين أسوار ديوان المظالم، مولية وجهتها صوب البحيرة، بعدما ألقت نظرتها الأخيرة للقصر الذى يحوى مئات الشكاوى، وتتمنى أن تجد مأساتها حلا، فـ«إما التعيين أو عودة الـ40 جنيه.. أهى نوايا تسند الزير وخلاص». أخبار متعلقة جوه ديوان المظالم بيحكى محكوم لحاكم.. عن الليالي الكحيلة موظفو «ديوان القبة»: من نعيم زكريا عزمى إلى مظالم «ديوان مرسى» ديوان قصر عابدين: فتحه المخلوع لتلقى الشكاوى.. لكنه لم يعمل إلا فى عهد مرسى من سوهاج والمنيا والبحيرة والإسكندرية إلى ديوان المظالم بحثا عن «العدل والحل» عسكرى الدورية أمام باب الديوان: «اللى يشوف بلاوى الناس تهون عليه بلوته» نائبون عن أبنائهم وأشقائهم جاءوا ليشكوا «الخط الساخن» لأنه أصبح «باردا» «هبة» أصغر بائعة لاستمارات التظلم أمام الديوان: «نفسى فى عروسة بتتكلم» «طريف» جاء ليزور أقاربه.. فأصبح «عرضحالجى ديوان المظالم» عبد العزيز وزوجته.. مطلب واحد وجهتان للشكوى يوم كامل قضته «الوطن» على رصيف «الشكوى لغير الله مذلة» جاء يقدم شكواه وجلس ينتظر الرد.. وبالمرة يسترزق خالد حمل صورة ابنته ضحية الإهمال الطبى واشترط: محاكمة الأطباء وضم ابنتى للشهداء خاف على ابنيه من «البطالة» التى عانى منها 16 سنة.. فأخرجهما من المدارس وعلمهما صنعة «عاليا» رحلة 30 سنة من البحث عن مأوى.. وحياة