رئيس التحرير

محمود مسلم

نجريج القرية المحظوظة.. هنا أشرقت شمس «فيرارى مصر» صلاح.. والشيخ «الطنطاوى» أول معلم لغة عربية فى روسيا

10:12 ص | الأربعاء 09 مايو 2018
مؤسسة «صلاح الخيرية»

مؤسسة «صلاح الخيرية»

هنا «نجريج» قرية بسيطة، منها أشرقت شمس لاعب مصر العالمى والفرعون المتوهج فى ملاعب أوروبا محمد صلاح، فيها ولد وترعرع وبدأ ممارسة معشوقته كرة القدم، أعطاها وقته فأعطته كل شىء؛ الشهرة والمال والنجومية وفوق كل ذلك عشق الجماهير الأجانب قبل المصريين، «نجريج»، التى تبعد 130 كم عن القاهرة، خرج منها أيضاً أول معلم للغة العربية فى روسيا وهو الشيخ محمد عياد الطنطاوى.

الوصول إلى القرية رحلة من مرحلتين الأولى من القاهرة إلى طنطا لمسافة 90 كم، والثانية من طنطا إلى القرية الصغيرة التابعة لمركز بسيون لمسافة 40 كم، الطريق من طنطا، عاصمة الغربية، إلى نجريج لا يتعدى عرضه 8 أمتار حتى مدينة بسيون، ثم يضيق إلى 4 أمتار حتى الوصول إلى مدخل القرية التى يبلغ عدد سكانها 15 ألف نسمة، وهى لا تختلف عن قرى الريف المصرى فى شىء؛ فارتفاع منازلها لا يتعدى 4 طوابق، والمساحات الخضراء تحيط بها من كل جانب، الاختلاف الوحيد أنه خرج منها الأيقونة المتوهجة محمد صلاح فى رحلة شاقة بحثاً عن المجد، فمنها انطلق إلى المقاولون العرب ثم إلى بازل السويسرى ومنه إلى تشيلسى الإنجليزى ثم إلى فيورينتينا الإيطالى على سبيل الإعارة ثم انتقل منه إلى روما الإيطالى فازداد بريقاً ثم انتقل إلى ليفربول الإنجليزى ليصل إلى قمة المجد.

الناشئون: «الكل عاوز ابنه يطلع لاعب كرة ويبقى مشهور زى صلاح».. الأطفال: «غير فكرة أهالينا عن اللعب لأنه قدوة فى الرياضة والأخلاق».. مدرسوه: «غيّر نظرة المجتمع إلى مدارس التعليم الفنى»

«هنا لا صوت يعلو فوق صوت تحطيم الأرقام القياسية، فالقرية لا تخلو يومياً من وجود وسائل الإعلام بها لمتابعة أخبار أسرة اللاعب وأهالى قريته.. «كنا الأول بنجمع بعض ونتهافت على أى وسيلة إعلام تنزل القرية.. دلوقتى بقى أمر طبيعى»، هكذا قال غمرى السعدنى من أهالى القرية، مؤكداً أن وسائل الإعلام فى زيارة مستمرة للقرية، وأصبح طبيعياً هنا أن يشاهد الأهالى الكاميرات فى زيارات متكررة تتجول فى شوارع القرية يومياً، بعد تألق الفرعون محمد صلاح، الذى أصبح فى أقل من 5 سنوات من ضمن أفضل 5 لاعبين فى العالم.

فى مدخل القرية صور ولافتات معلقة حول الملاعب الخماسية وداخل الكافتيريات وأعلى جدران المنازل وفى الشوارع تحمل صور محمد صلاح، وأناس يجلسون على المقاهى وبجوار المنازل لا حديث لهم إلا عن «صلاح» الذى يطلقون عليه لقب صاحب السعادة، وما زالوا يطالبونه بالمزيد من الألقاب والجوائز وينتظرون لقب أفضل لاعب فى العالم.

تحدثنا مع حمادة عطية، أحد أصدقاء محمد صلاح، فقال: رغم النجومية إلا أن تواضعه جعل أصدقاءه وزملاءه يفتخرون أنهم ضمن من مارسوا كرة القدم معه فى طرقات وشوارع ومركز شباب القرية، مضيفاً: «محمد كنت بلعب معاه وهو فى 3 ابتدائى.. من صغره دايماً كان بيشارك معانا فى الدورات الرمضانية.. كنت ضمن الفريق الأول فى القرية ومحمد كان ضمن فريق من الناشئين ويقولنا قبل الدورة هتخسروا انتم حصالة الدورة.. على سبيل المداعبة»، موضحاً أن فارق العمر بينه وبين «محمد» سنتان وكان لاعباً يحبه الجميع، وكان معروفاً بين أصدقائه وشباب القرية بـ«حمادة».

وأشار «عطية» إلى أن القرية كان فيها لاعبون على مهارة كبيرة جداً تفوق مهارة محمد صلاح، ولكن بسبب عدم صبرهم وتحملهم مشقات السفر والالتزام فى التدريبات بشكل يومى إلى جانب الظروف المالية، أجبروا على عدم استكمال المشوار، «حمادة لاعب موهوب وموهبته لا تزيد عن موهبة لاعبين آخرين فى القرية منهم كمال أبوجندى وشريف العريقى، وبسبب الظروف المالية وعدم القدرة على تحمل الصعاب لم يكملوا»، مضيفاً: «والد محمد له الفضل الأكبر فى نحاجه واستكمال المشوار، كان يوفر له كافة متطلباته لحضور التدريبات والالتزام فى ممارسة كرة القدم وده كان دافع قوى على مواصلة المشوار وتحقيق الحلم».

وأضاف وائل السعدنى أن محمد صلاح «الفرعون» بدأت نجوميته فى الظهور وهو فى نادى المقاولون العرب، ووقتها توقعنا أن يكون لاعباً كبيراً، لكنه فاق كل التوقعات وأصبح نجماً عالمياً، وهو يستحق هذا لأنه شخص يتمتع بإصرار كبير وتحمل الكثير من التعب وواجهته الكثير من الصعوبات التى كانت سبباً فى عدم وصول غيره من شباب القرية، والتشجيع الكبير الذى كان يجده «محمد» من والده الحاج صلاح غالى كان الدافع الأكبر لاستكمال المشوار، مشيراً إلى أن والد «محمد» كان يتابعه بشكل يومى للتأكد من ذهابه والالتزام فى التدريبات، خاصة بعد وجوده فى صفوف فريق عثماثون طنطا، ودائماً ما كان يرفض ممارسته اللعب على ملاعب القرية لأنها ملاعب أرضيتها بلاط خوفاً عليه من حدوث مشاكل فى المستقبل، بسبب اللعب على ملاعب خرسانية.

«العمدة»: الشيخ محمد عياد الطنطاوى نشر الإسلام وأنشأ جسراً ثقافياً بين مصر وروسيا.. والمسئولون الروس يحتفلون بذكرى وفاته كل عام

وتابع محمود البنا الحديث بقوله: محمد صلاح صديق طفولة ودراسة ويعشق لعبة كرة القدم منذ صغره وكان يترك الدراسة من أجل ممارسة كرة القدم، مستشهداً بموقف حدث بينهما حيث طلب منه كثيراً خلال فترة دراستهما معاً فى مدرسة القرية، بالمرحلتين الابتدائية والإعدادية أن يبلغ مدرس الفصل أن أحد المدرسين يطلب «محمد» حتى يخرج من الفصل لممارسة كرة القدم، وكانت الفرق الكبرى بالقرية تتهافت عليه لضمه إلى صفوفها فى المباريات.

وأكد محمد سعيود، أحد زملاء محمد صلاح فى فريق نادى اتحاد شباب بسيون، أن «محمد» عقب انضمامه إلى النادى كان مركزه «ليبرو» وبعد فترة لعب فى مركز «الجناح الشمال» ثم أشركه مدرب الفريق بعد فترة فى مركز المهاجم، ويتميز بالهدوء داخل الملعب والبعد عن التعصب والاحتكاك بالمنافس، وتمكنا من الفوز فى الكثير من المباريات فى الدقائق الأخيرة بسببه.

وقال رضا مسعود، مدرب «محمد» فى مركز شباب القرية، إنه شاهد على مهارته منذ الطفولة حيث كان يتمتع بمهارة تجذب أى شخص يشاهده وتلفت نظره، ولعب فى دورى المدارس ضمن فريق القرية وحصد مع فريق مدرسة نجريج الإعدادية بطولة الغربية لكرة القدم 3 سنوات متتالية، مضيفاً أن «محمد» لعب فى فريق اتحاد بسيون، وبسبب مهاراته العالية انتقل إلى فريق «عثماثون»، التابع لشركة المقاولون العرب بطنطا، وكان عمره 15 سنة، ولم يستمر كثيراً مع فريق عثماثون، وانتقل إلى المقاولون العرب بسبب مهاراته المتميزة ولم يمر على انضمامه للفريق 3 شهور حتى تم تصعيده إلى الفريق الأول وشارك فى مباراة المقاولون العرب وإنبى، ليكون أصغر لاعب بالدورى العام المصرى، ثم بدأت تظهر نجوميته تدريجياً حتى انتقل إلى نادى بازل السويسرى لتبدأ شهرته ونجوميته وأخيراً حصل على لقب أفضل لاعب فى الدورى الإنجليزى وينافس بقوة على الحذاء الذهبى، وعلى لقب أبطال أوروبا ليكون أول لاعب مصرى يشارك فى المباراة النهائية.

أطفال القرية مغرمون بالفرعون وأكدوا أنه صاحب الفضل الأكبر فى حبهم لممارستهم كرة القدم وتغيير وجهة نظر أولياء أمورهم فى تشجيعهم على التدريب وممارسة اللعبة التى كانت سبباً فى غضبهم ونقمتهم قبل نجاح محمد صلاح، وقال إبراهيم بلال، لاعب فى نادى بتروجت، ناشئى 2004، إن محمد صلاح غيّر تفكير أهالى القرية فى ممارسة كرة القدم، وأصبحوا دائماً يشجعون أبناءهم على ممارسة اللعبة، مضيفاً: «فكرة الآباء عن كرة القدم اختلفت جداً.. الكل هنا عاوز ابنه يطلع لاعب كرة ويبقى مشهور زى محمد صلاح فوالدى أصبح مهمتاً بى أكثر من الأول ويسألنى بشكل يومى عن الكرة.. وبيقول لى عاوزك لاعب كبير».

وأشار أسامة عيد، لاعب نادى طنطا، صاحب الـ13 عاماً، إلى أن القرية بها حالياً أكثر من 40 لاعباً من الناشئين، يلعبون فى أندية مختلفة، وتابع: «محمد صلاح أصبح نموذجاً لكل لاعب مصرى وقدوة ومثلاً يحتذى به فى التغلب على كل المعوقات والصعوبات التى تواجهه فى السفر إلى نادى المقاولون العرب للمشاركة فى تدريبات الناشئين، الكابتن محمد تعب فى بدايته.. كان بيسافر 4 مرات فى الأسبوع للقاهرة ويرجع فى نفس اليوم.. وده شىء مطمنى إنى ماشى فى الطريق الصح».

أصدقاء الطفولة: القرية بها مواهب لا تقل عن «حمادة» ولم يكملوا المسيرة بسبب الفقر وضعف العزيمة.. ومدرب «صلاح»: أشهد على مهاراته منذ الطفولة

وأضاف محمد السعدنى، 11 عاماً، لاعب فى أكاديمية القرية: «الملك محمد صلاح قدوتنا فى كرة القدم وأيضاً الأخلاق وتحقيق الحلم»، موضحاً أنه يمارس كرة القدم مثل غيره من الأطفال فى شوارع القرية، ولكنه فضل الالتحاق بأكاديمية القرية بسبب محمد صلاح ويحلم أن يكون لاعباً مشهوراً مثل محمد صلاح.

وأشار صبحى الصعيدى، رئيس قسم السيارات بمدرسة محمد صلاح للتعليم الثانوى الفنى، إلى أن «محمد» كان ضمن طلابه فى قسم السيارات، ومن الطلاب المتفوقين فى سنوات الدراسة، وجميع المدرسين فى القسم بصفة خاصة وفى المدرسة بصفة عامة، كانوا يشهدون له بالاحترام والالتزام، وتابع: «كان طالباً على خلق.. وجه مشرف للمدارس الصناعية وغيّر الصورة المعروفة عن هذه المدارس بأن معظم طلابها يتميزون بالشقاوة وقلة الاحترام»، مشيراً إلى أن «محمد» كان يعشق لعب كرة القدم، وحريصاً على اللعب مع زملائه فى الأقسام الأخرى أثناء حصة التربية الرياضية، لكنه كان يستأذن قبل أن يذهب إلى اللعب معهم، «كنا بنسمح له بحضور حصة الرياضة مع طلاب الأقسام التانية بسبب موهبته.. الكل كان متوقع إنه يكون لاعب مشهور.. ساعات كنا بنرفض نلاعبه مع الطلاب فى المدرسة خوفاً عليه من الإصابة».

يبدو أن «نجريج» لم تتوقف عن إنجاب المتميزين فمنها خرج الشيخ محمد عياد الطنطاوى، أول معلم للغة العربية فى روسيا قبل سنوات طويلة من مولد محمد صلاح، وعنه قال المهندس ماهر أنور شتية، عمدة القرية، إن هذا الرجل لا يقل عن رفاعة الطهطاوى فى خدمة الإسلام والوطن، فهو رجل نشر الإسلام فى روسيا وأنشأ جسراً ثقافياً بين مصر وروسيا وما زال يحظى باهتمام كبير حتى وقتنا هذا من قبَل الشعب والمسئولين الروسيين، وأطلق اسمه على قسم اللغات العربية فى جامعة بطرسبورج، وكل عام يحتفل بذكرى وفاته من قبَل الشعب الروسى، وجميع سفراء روسيا فى الدول العربية يتعلمون اللغة العربية داخل هذا القسم، مضيفاً أن المؤسسة المصرية الروسية للثقافة والعلوم برئاسة الدكتور حسين الشافعى، مستشار الشرق الأوسط لوكالة الفضاء الروسية، احتفلت فى أكتوبر الماضى بذكرى وفاته الـ155 من خلال احتفال شعبى بمسقط رأسه فى القرية بحضور وفد من السفارة الروسية بالقاهرة ومسئولى المحافظة، ووضع تمثاله فى المدرسة الابتدائية بالقرية وأطلق اسمه عليها.

وأضاف «شتية» أن الشيخ محمد عياد الطنطاوى ولد من أبوين مصريين عام 1810، وسافر إلى القاهرة وهو فى عمر الـ13 سنة، ودرس اللغة العربية والنحو والصرف والأدب والعروض فى الأزهر، وتوفى والده وهو ابن الـ18 سنة، ما دفعه لسوق العمل لتوفير مستلزمات والدته وفضل تدريس اللغة العربية، واكتسب شهرة واسعة وأصبح فقيهاً فى اللغة العربية وتوافد عليه الأوروبيون المقيمون فى مصر ليعلمهم اللغة العربية ومن بين تلاميذه «ن. موخين» الذى عمل مترجماً فى القنصلية الروسية فى مصر عام 1835، وفى عام 1840 تم اختياره للعمل فى وزارة الخارجية الروسية ليكون معلماً للغة العربية للسفراء والدبلوماسيين، وبعد 7 سنوات انتقل ليعمل فى كلية اللغات الشرقية بجامعة سانت بطرسبورج «عاصمة روسيا فى ذلك الوقت» ليصبح أول معلم للغة العربية فى روسيا، زار مصر وطنطا عام 1844، وظل فى روسيا حتى توفى فى 29 أكتوبر عام 1861م.

ونال «الطنطاوى» عدة أوسمة وألقاب منها وسام «القديسة»، وبلغ عدد المخطوطات التى تركها واحتفظت بها جامعة بطرسبورج 300 مخطوطة ما بين كتابات تخصه وأخرى اقتناها فى فترة عمله فى الأزهر، وأطلق اسمه على قسم اللغات العربية بجامعة بطرسبورج فى روسيا.

 

مدرسة محمد صلاح

«حمادة» صديق «صلاح»

عرض التعليقات