الوطن داخل محطة صرف زنين في الجيزة: حكايات ٢٤ ساعة طوارئ

كتب: رؤى ممدوح

الوطن داخل محطة صرف زنين في الجيزة: حكايات ٢٤ ساعة طوارئ

الوطن داخل محطة صرف زنين في الجيزة: حكايات ٢٤ ساعة طوارئ

تهطل الأمطار فتدوى صافرات الإنذار عبر اللاسلكى فى أرجاء محطة مياه الشرب والصرف الصحى بزنين التابعة لمحافظة الجيزة، حيث يعتبر موسم الأمطار بمثابة موسم طوارئ لجميع العاملين بالمحطة باختلاف درجاتهم الوظيفية، ولا تتوقف حالة الطوارئ طوال العام ولكن تبلغ ذروتها مع بدايات فصل الشتاء، حيث يستمر العمل بالمحطة على مدر الـ24 ساعة لتلقى جميع البلاغات، التى تتنوع ما بين أعطال ببعض شبكات الصرف، أو انسداد بعض المصارف أو انتشال بعض الجثث التى يسقط أصحابها فى بالوعة الصرف نتيجة عدم وجود غطاء والتى يكون أغلب ضحاياها من الأطفال.

ملامحه يكسوها الإرهاق والتعب، فمهنته لا تعرف طريقاً للراحة، حيث يضطر محمود خضر، غطاس الصرف الصحى بالمحطة والذى يبلغ من العمر 38 عاماً، إلى الاستيقاظ المبكر والبقاء على أهبة الاستعداد، تحسباًَ لأى حادث، وظل خلال يومى المطر يتابع بالوعات الصرف فى منطقة فيصل وقام خلالهما بتسليك بلاعتين رئيسيتين لتنتهى بعدها أزمة تكدس المياه فى شوارع فيصل.

يعمل «خضر» ابن محافظة الإسكندرية والحاصل على دبلوم زراعة بمهنة الغطس فى مياه الصرف الصحى تحديداً منذ 20 عاماً، إلاّ أنّه التحق بمحطة زنين منذ 7 سنوات، يقول الرجل الثلاثينى إنّه فضّل العمل بتلك المهنة لسعيه إلى التعيين الحكومى رغم الدخل الضعيف الذى يحصل عليه والذى يقدر بـ1600 جنيه شهرياً فى مهنة خطيرة كهذه، على حد وصفه، إلاّ أنّه يطمح إلى المعاش والتأمين الصحى الذى يتمتع به جميع العاملين بالجهات الحكومية.

"خضر": لدينا 5 غطاسين موزعين على المحافظة.. وأقرأ آية الكرسى عشان أرجع لمراتى وولادى سليم

يشرح «خضر» حالات الطوارئ نتيجة المطر التى يتعرض لها هو وزملاؤه وعلى إثرها يتم استدعاؤهم وتوزيعهم على مناطق محافظة الجيزة، وتضم المحطة 5 غطاسين يقومون بجميع أعمال الصيانة ابتداءً من منطقة الواحات وانتهاءً بالبدرشين وأبورواش، فى البداية يتلقى الغطاسون إشارة من مدير قطاع الحماية المدنية ليتم بعدها تجهيز سيارة خاصة بمعدات الغطس، تتحرك من المحطة باتجاه مكان الحادث، وخلال مدّة الطريق يقوم الغطاس بارتداء ملابس الغطس والتى يطلق عليها «البدلة»، ويشير «خضر» إلى أنّ تلك البدلة عازلة حيث تقوم بعزل جسد الغطاس تماماً عن البيئة المحيطة به كما أنها مزودة بزر مثبت على الذراع لتفريغ الهواء منها، ليتمكن الغطاس من النزول إلى الأعماق حيث يعمل الهواء الذى يتسرب إلى «البدلة» أثناء ارتدائها إلى الطفو فوق سطح الماء، ويتابع أنه بمجرد الوصول إلى موقع الطوارئ يتم إنزال معدات العمل وفرشها على الأرض ويقوم الغطاس بارتداء قناع لعزل وجهه عن مياه الصرف. ويقول «خضر» إنّ ذلك القناع يتم توصيله بـ«كمبروسر هواء» طبى يعمل على تبريد الهواء دون استخدام زيوت لتشغيله حتى لا يتعرض الغطاس إلى مشاكل فى التنفس، ويعمل «الكمبروسر» بشكل أساسى على تزويد الغطاس بالأكسجين اللازم طوال مدّة وجوده داخل بالوعة الصرف.

ويضيف الغطاس الثلاثينى أنّه يتم الاطلاع على بعض الخرائط الخاصة بشبكة الصرف الخاصة بمنطقة العمل، ليقوم مساعدو الغطاس، والذين يتم تدريبهم على قواعد السلامة ويتراوح عددهم من شخصين إلى أربعة أشخاص، بإنزال الغطاس إلى البالوعة باستخدام بكرة حبل متين مثبتة على عامود حديدى بثلاث قواعد، يتم بعدها إدخال طرف الحبل فى حلقة معدنية ضمن بدلة الغطس، ويقومون بإنزال الغطاس إلى البالوعة ببطء شديد، ويشير إلى أنّ هناك سماعة تعمل تحت المياه يقوم باستخدامها لإبلاغ مديره عن أى مشكلة قد تواجهه فى الأسفل، حيث يتلقى الشخص الذى فى الأعلى الشكوى عن طريق جهاز لاسلكى ويعمل على إمداده بالمساعدة والعمل على إيجاد حل لها، ويضيف «خضر» أنّ مهنته تعد من المهن الخطرة التى يكون فيها الشخص معرضاً للإصابة بأمراض جلدية عديدة فى حالة لم تكن الملابس عازلة بشكل كافٍ، ويقول: «فيه حاجة اسمها طبة دى بتكون خاصة بالمواسير عشان نعزل المداخل والمخارج وبيكون حجمها كبير جداً وأوقات بيحصل فيها كسر فلما بنيجى نفتحها عشان نغيرها ممكن الغازات المحبوسة جواها تسبب أمراض خطيرة فى الرئة، كما أن تيار الماء يكون شديداً جداً فى بعض الشبكات ويمكن أن يدفع أو يسحب الغطاس ما قد يفقده حياته. ويشير إلى أنه يحرص على قراءة آية الكرسى «عشان أرجع لمراتى وولادى سليم».

يوسف صابر، شاب عشرينى، نشأته فى مدينة الإسكندرية كانت لها الفضل الكبير فى امتهانه الغطس، يقول «يوسف» إنّه تعلم الغطس وهو فى سن الـ13 عاماً، حيث منزله القريب من أحد شواطئ الإسكندرية كان دافعاً كبيراً له فى تعلم الغطس والغوص.

يوضح «يوسف» أنّ مهنة الغطس فى الصرف الصحى تعد أعلى مرحلة قد يصل إليها أى غطاس، وهو ما أهله للعمل بمحطة زنين، ليواجه الأمطار فى أيام الذروة بمنطقة بولاق الدكرور وحده، تمكن خلالها من تسليك مصرف للأمطار وقام بقطع ماسورة أسفل الصرف، يضيف «يوسف»: «يعنى اللى بيغطس فى الصرف يعرف يغوص فى البحر لكن العكس مستحيل لأن الصرف أصعب وأخطر، البحر واسع لكن الصرف أمتار محدودة».

يروى «يوسف» أصعب المواقف التى تعرض لها أثناء عملية الغطس فى إحدى بالوعات الصرف الصحى، حيث اضطر فى إحدى المرّات إلى الدخول فى ماسورة يبلغ قطرها 90 سم وعلى عمق 30 متراً بمنطقة المنيرة التابعة لمحافظة القاهرة، حيث كانت الماسورة قد تعرضت لكسر نتيجة رصف الطريق، ويقول الشاب العشرينى إنّه قضى ما يقارب يومين متواصلين فى إصلاح الماسورة، ويضيف: «كنت بنزل 5 ساعات متواصلة أصلّح بعض الأعطال الناتجة عن الكسر، وبعد كده أطلع أرتاح شويه وآخد نفسى وأنزل أكمّل».

ويشير «يوسف» إلى أنّه يعمل داخل مياه الصرف دون أى مصدر للإضاءة نتيجة الظلام الشديد داخل البالوعات والتى لا يستطيع كشاف الإنارة إضاءتها، لأنّ مياه الصرف كبريتية معتمة، وأنه يعتمد على إحساسه وخبرته فى العمل: «إيدى هى عينى بحسس على مكان العطل وأحاول أصلحه من غير ما أكون قادر أشوفه»، ويشير إلى أنّ حصوله على دبلوم صنايع قسم لحام ساعده بشكل كبير فى عمله بالقطع واللحام تحت الماء.

"يوسف": شغلانتنا خطر جداً ومابناكلش قبل الشغل بساعتين

ويتابع: «أصعب حاجة ممكن تعملها فى شغل الصرف الصحى هو القطع تحت المياه لأنك بتستخدم حاجة اسمها بنسة قطعية تحت الميّه حاجة كده زى الإشعال الذاتى عشان طبعاً مش هينفع تستخدم آلة كهربائية تحت الميه فممكن القطع ده يسبب إصابة للغطاس حتى لو لابس جوانتى لأن الحرارة بتكون عالية جداً وبتوصل 1100 درجة وبيقطع وهو مش شايف ومعتمد على إحساسه وخبرته»، ويقول «يوسف» أنّه قبل العمل بساعتين تقريباً لا يتناول الغطاس أى طعام أو شراب وذلك بسبب الضغط الكبير الذى يتعرض له فى الأسفل.


مواضيع متعلقة