رفعت رشاد يكتب: أحزاب فاترة (2)
رفعت رشاد يكتب: أحزاب فاترة (2)
الفتور فى معجم المعانى يعنى افتقاد الحرارة والسخونة، فإذا أصاب الجسم تلين مفاصله وتضعف، وإذا فتر العمل يصيبه التقصير والإهمال، وإذا قلنا ماء فاتر نعنى ماءً بلا معنى أو قيمة، ولا يستساغ فى الشرب أو حتى للاستحمام.
وإذا فترت الأحزاب صارت مجرد كيانات تبدو ظاهرياً وكأنها أحزاب، وتبدو وكأنها تمارس نشاطاً سياسياً، وهو الحادث فى الأحزاب المصرية، فهى من حيث المبدأ منزوعة الفاعلية فى الشارع السياسى بعدما أقصت فى داخلها الممارسة الديمقراطية، التى هى سبب جوهرى فى وجودها.
استحوذت نخب صغيرة على السلطة واستأثرت بها، وهى سمة مشتركة فى الأحزاب، وتعتبر نظاماً يصعب اختراقه.
النظم السياسية للأحزاب أو اللوائح الداخلية التى تحكم سير العمل داخل الأحزاب تحرص على ألا تقترب من مأسسة العمل بطريقة ديمقراطية.
المتبع فى دول العالم الديمقراطية أو شبه الديمقراطية أن ينتخب المؤتمر العام للحزب قياداته، بمن فيهم رئيس الحزب والمستويات التنظيمية العليا بعدما تجتاز تلك القيادات عن طريق الانتخاب المستويات التنظيمية الأقل فى المرتبة، أى فى الوحدات الحزبية التى تشكل كيانات الحزب فى الأحياء أو المدن، ثم بعد ذلك فى المحافظات أو الولايات، وبهذا تكون قد فازت بثقة قواعد الحزب، بدءاً من أصغر وحدة، ويكون لها الحق فى أن تطمح بالانتخاب أيضاً فى الفوز بالمستوى الأعلى بجدارة الشعبية، وتكون الكلمة الفصل فى هذا الأمر للمؤتمر العام الذى يُعقد دورياً حسب نظام كل حزب.
هذا ما يحدث بشكل عام فى الأحزاب الديمقراطية أو شبه الديمقراطية، ولو نظرنا إلى أحزابنا لا نجد فيها مثل هذه الأمور، نجد فيها أن رئيس الحزب ذاته يمكن أن يتم تعيينه بجرة قلم دون استيفاء مُدد أو خبرات يكون قد مر بها فى أضابير وكواليس ودهاليز السياسة وأروقة حزبه ودون أن يعرف عن حزبه وأعضائه أى شىء. أذكر هنا أن الرئيس الصينى الحالى شى جين بينج بدأ حياته الحزبية منذ كان فى طلائع الحزب الشيوعى الصينى، ومر فى مسيرته الحزبية بكل ما أشرت إليه من قبل، كما نعلم جميعاً كيف يتم تصعيد القيادات الحزبية فى الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، الجميع يصعد من بدايات المستوى التنظيمى.
إن ممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب ليست ترفاً، بل هى جوهر العملية السياسية التى تخدم الدولة والنظام السياسى بأفضل شكل، وهى مسألة يجب أن نتداركها حتى لا تتعمّق فينا سلبية عدم المشاركة، وهو ما يؤثر على حياتنا السياسية ومستقبلنا بشكل عام، خاصة أن أعضاء الأحزاب لا يفترض أن يكون بينهم خلافات جذرية، فهم انضموا إلى حزبهم بإرادتهم، بناءً على اتفاقهم فى الاتجاه السياسى وفى البرنامج، وبالتالى يكون إقصاء الأقلية للأكثرية مسألة نهم واستحواذ وسيطرة على السلطة داخل الحزب ليس لها ما يبررها.