الدكتور يسري الشرقاوي يكتب: على أبواب مرحلة اقتصادية جديدة

كتب: الوطن

الدكتور يسري الشرقاوي يكتب: على أبواب مرحلة اقتصادية جديدة

الدكتور يسري الشرقاوي يكتب: على أبواب مرحلة اقتصادية جديدة

النقطة الأولى: اقتصاد «التقسيط»

عند الحديث عن المرحلة الاقتصادية الجديدة علينا أن نأخذ فى اعتبارنا إجراء العديد من المراجعات والسلوكيات والأدوات والممارسات التى تتم فى الأسواق والوقوف عند عدد من النقاط المهمة، وأهم ما يجب أن نستحضره هو ما صنعته الرأسمالية الأمريكية وأدواتها فى العالم، والتى أعدتها لذلك قبل أكثر من نصف قرن، فامتلكت كل أدوات اللعبة للتحكم فى سلوكيات الشعوب الإنفاقية وعقدت النية على أن تجعل الشعوب دوماً تعيش تحت الاستدانة المستدامة، وتجعل الشعوب غير المثقفة ترفع سقف طموحاتها فى احتياج دائم من السلع والخدمات مهما كان حجم وشُح الدخل، وصنعت لهذه النوعية من الممارسات وجهين: وجه يتعلق بالبائع الذى يبحث عن أى رواج وهمى عبر البيع بأساليب التقسيط المختلفة كنوع من التسهيلات، وهذا النوع قد استفادت منه قطاعات مختلفة بعينها فقط، على رأسها قطاعات التطوير العقارى وقطاع السيارات وما شابه، وهناك وجه آخر للمشترى الذى أعتقد أنه كان هو المستهدف الأول للدخول فى الدوامات والغرق وسط بحر الظلمات فى رحلة تحقيق الأمانى فى ظل ضعف القوى الشرائية وغياب التأمين المستقبلى «كله عايش يوم بيومه لكنه يمتلك شاليه فاخر فى أحد المنتجعات الفخمة»، يسعى لكى يتمكن من تحقيق كل أحلامه وطموحاته لمجرد أنه يمتلك دفتراً للشيكات أو كارتاً بلاستيكياً صادراً له من أحد البنوك، وبين الوجهين الأول والثانى ضاعت العديد من الدول فى غياب وتأخر تنظيم هذه الأنظمة المتعلقة بالمدفوعات سواء من خلال استخدام أساليب وأنظمة التشريع أو الوعى والتثقيف أو التطبيق المشدد للقانون أو أنظمة حماية المتعثرين، وكالعادة هناك شعوب تفيق بعد فوات الأوان وبعد أن تتعقد الأمور تماماً، فنسمع حينها عن قوانين التمويل الاستهلاكى، ونعتبر أن ذلك يعتبر خطوة للإصلاح، ولكنها ليست الخطوة الكفيلة بحل هذه المشكلة من جذورها، ويكمن الحل فى كلمات بسيطة، أهمها استحداث أنظمة حماية اجتماعية للشريحة الكبرى من القوى العاملة، وهم نحو ٢٥ مليون موظف وعامل بالقطاع الخاص، بدلاً من منظومة التأمينات الاجتماعية البالية، التى أرى أنها لا تثمن ولا تغنى من جوع ولا تضمن لأى موظف أى نوع من الحماية أمام التزاماته حال تركه لوظيفته وأثناء الفترات الانتقالية فى البحث عن فرص عمل أخرى، وهذا نظام معمول به ويمكن أن يتم تطبيقه بالاستعانة بتجارب دول أخرى.

النقطة الثانية: اقتصاد «مكافحة العدوى»

بكل تأكيد أن بناء اقتصاد جديد يستلزم كادراً بشرياً يتمتع بحالة صحية جيدة، وقد استعرضنا ذلك فى نقطة مهمة سابقة تتعلق باقتصاديات الصحة العامة، لكن الكل يعلم أن ميزانيات الصحة العامة من الضروريات، وتمثل عبئاً ثقيلاً على موازنات بعض الدول التى تعانى شح الموارد على الرغم من أن الدستور قد كفل نسباً معينة لموازنات الصحة والتعليم وهما حق أصيل للمواطن ولدافعى الضرائب، ولكن على صعيد آخر هناك بعض الأمور والمجالات التى يجب الالتفات إليها وهى كفيلة بالسيطرة على ٣٢-٣٣٪ من موازنات الصحة العامة فى الدول النامية عبر رفع مستويات مكافحة العدوى، وهذا وفقاً لعدد كبير من الدراسات التى أجرتها منظمة الصحة العالمية، ويمكن للشعوب رفع مستويات مكافحة العدوى عبر رفع الوعى التطبيقى فى المقولة الشهيرة «الوقاية خير من العلاج»، ويمكن القول أن الوعى بمستويات النظافة العامة والصحة العامة والتدريب على ذلك واستحداث مناهج تعليمية متقدمة على غرار ما فعلته أكثر من ١١ دولة متقدمة لديها الآن معاهد تعليمية مدة الدراسة بها أربع سنوات لمكافحة العدوى يمكن أن تُخرّج الممرض المتخصص فى مكافحة العدوى وتخرّج المتخصص فى سلامة الأغذية والمتخصص فى تدريب كل المستويات والمهن والمراقب المثقف المتعلم المتقدم، فإن هذه الكوادر القوية نحتاجها فى جميع أماكن إعداد الطعام والمطاعم والمطابخ والمستشفيات وبيوت التجميل وصالونات الحلاقة والمواصلات العامة، ولعل ما حدث فى «كورونا» يجعلنا نأخذ بهذه الأساليب لنكون رواد القارة الأفريقية فى هذا المجال، الذى سيوفر الميزانيات للطب العلاجى ويقلل من الضغط على اقتصاد الدول الناشئة.


مواضيع متعلقة