الشيخ ياسر مدين يكتب: كيف وصلتنا السُّنة؟ (10)
الشيخ ياسر مدين يكتب: كيف وصلتنا السُّنة؟ (10)
- القرآن الكريم
- السنة النبوية
- الصحابة الكرام
- كتابة السنة
- القرآن الكريم
- السنة النبوية
- الصحابة الكرام
- كتابة السنة
بيَّنا فى المقالات السابقة أن السنة كُتبت باعتبارها وحياً شريفاً ينبغى أن يحافظ المسلمون عليه، فأمر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابتها، وإرسالها إلى الآفاق، وأن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم كتبوا السنة أيضاً، وصنفوا فيها، وأن التابعين جاءوا فنقلوا كتب الصحابة وقرأوها عليهم، وأنه قد بدأ فى هذا الوقت الكلام عن طرائق تلقى العلم، والمفاضلة بينها نظراً لطبيعة السُّنة وكونها وحياً ينبغى التدقيق فى نقله، ومن هنا كان الاهتمام بالحفظ، وعدم الاتكال على الكتابة وحدها، وذكرنا أن الحث على حفظ السنة لم يكن معناه إهمال كتابتها وتدوينها.
ثم بعد ذلك جاء جيل جديد وهو جيل أتباع التابعين، وهم الجيل الذين تتلمذوا على أيدى التابعين الذين تتلمذوا على الصحابة الكرام أنفسهم، ومن هذا الجيل الإمام الكبير مالك بن أنس (ت 179هـ) إمام دار الهجرة (المدينة المنورة)، وإمام المذهب المالكى أحد المذاهب الفقهية الأربعة المشهورة، وقد أخذ العلم وروى السنة المطهرة عن عدد كبير من العلماء، منهم نافع مولى الصحابى الجليل سيدنا عبدالله بن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنهما، والذى ذكرنا أنه كان له كتاب سجَّل فيه ما سمعه من ابن عمر من أحاديث.
وقد اعتبر الإمام البخارى أن أصح الأسانيد [جمع إسناد، وهو سلسلة الرواة الذين يروى بعضُهم السُّنةَ عن بعض] هو: مالك عن نافع عن ابن عمر. و[الإمام مالك شيخ شيوخ البخارى]، وقد سُميت هذه السلسلة من الرواة بسِلسلة الذَّهَب، وهذا يبين جلالة قدر علماء هذه السلسلة، ومدى دقتهم وضبطهم لما يروونه من أحاديث.
وقد كانت الدقة وضبط الرواية سمة للإمام مالك ومجالسه فى رواية السنة المطهرة كما كانت سمة عامة للثقات من رواة الأحاديث، حتى إن بعض تلامذته يقول: كان مالك يتّقى فى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الياءَ والتاءَ ونحوَهما.
وينبغى أن نتدبر هذه الكلمة الدقيقة، إن الياء والتاء من الأحرف المتشابهة التى يُفرّقُ بينَها بالنقْط، وهذا معناه أن الإمام رضى الله عنه كان يدقق فى كتابته وإملائه حتى لا يقع تحريف أو تصحيف نتيجة الأحرف المتشابهة فى الكتابة، وهذا معناه أن الكتاب كان جزءاً أساسياً من عملية رواية السنة المطهرة، وأن العلماء كانوا يتحرزون من وقوع التصحيف والتحريف فى رواية طلبة العلم إذا تُركوا للكتاب فقط، ولهذا كان يتم التدقيق شفوياً وكتابياً، حتى إن الإمام مالكاً كان يأخذ كتب تلاميذه فيقرأ منها ليتأكد من عدم وقوع الخطأ بنفسه.
وقد طلب الخليفة آنذاك إلى الإمام مالك أن يضع كتاباً يجمع الناس عليه، فوضع الإمام مالك كتاباً سمَّاه (الموطَّأ)، وقد وصلنا هذا الكتاب برواية تلاميذه عنه، وهو مطبوع متداول.
ولكن الإمام مالك لم يرتضِ من الخليفة أن يجعل كتابه هذا دون غيره هو الكتاب المعتمد فى السنة المطهرة، وقد علّل هذا بأنَّ كثرةَ الفتوحات على عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه صحبَها إرسالُ الصحابة الكرام معلمين إلى هذه البلاد، فأُخِذَ العلمُ عنهم، وتحويل أهل كل بلد عمَّا بأيديهم من علم وكتب كتبوها عمن وفد إليهم من الصحابة قد يتسبب فى فتنة، قال الإمام: «... فإنْ ذهبتَ تُحولُّهم ممَّا يَعرفون إلى ما لا يعرفون رأوْا ذلك كفراً، ولكن أقرَّ أهلَ كلِّ بلدةٍ على ما فيها مِن العلمِ، وخُذ هذا العلمَ لنفسِك»، وقول الإمام للخليفة: «رأوا ذلك كفراً»؛ أى: فتنةً عظيمةً، يدل على أن أهل كل بلدة كان فيها من العلم ما يكفيها لصلاح أمرها وفهم دينها، وأن العلم كان موثقاً بالتدوين والحفظ حتى إنهم يرون فى إلغائه ضرباً من الفتنة شبيهاً بالكفر.