فلسطينيون على طريق الآلام.. وأجراس العيد تتحول إلى أوجاع

كتب: منى السعيد

فلسطينيون على طريق الآلام.. وأجراس العيد تتحول إلى أوجاع

فلسطينيون على طريق الآلام.. وأجراس العيد تتحول إلى أوجاع

فى زقاقٍ ضيق من أزقة القدس العتيقة، فى البلدة القديمة، تنساب خطوات الحُجاج المسيحيين بهدوء فوق حجارة طريق «الجلجثة»، الطريق ذاته الذى يُعتقد أن السيد المسيح قد سار عليه فى لحظاته الأخيرة قبل أن يُصلب ويُدفن فى القبر المقدس داخل كنيسة القيامة، حسب المعتقد المسيحى.

ففى هذا المكان، يستحضر الحُجاج آلام المسيح فى ساعاته الأخيرة، غير أن «هذه الآلام لم تعد ذكرى دينية فحسب، بل أصبحت واقعاً يومياً يعيشه الفلسطينيون بفعل ممارسات الاحتلال، الذى فرض حصاره على غزة بحرب لا تنتهى، وضيّق الخناق على مسيحيى الضفة الغربية، وأثقل كاهل المقدسيين بإجراءات أمنية مشددة وحواجز تستنزف أعمارهم فى الانتظار. وهكذا، يتحول أسبوع الآلام إلى عام كامل من الصبر والثبات، حيث يترقب الفلسطينيون لحظة الانتصار على الظلم، وينتظرون قيامة جديدة تحمل معها الأمل والخلاص»، حسبما يقول ديمترى دليانى، رئيس التجمع الوطنى المسيحى، وعضو المجلس الثورى لحركة فتح.

مطران القدس: كنائسنا تُهان ومقدساتنا تُستهدف.. وباقون فى بلادنا رغم القمع والاضطهاد.. وسنظل نصلى من أجل سلام يرفع الظلم التاريخى عن شعبنا

بينما كانت أجراس الكنائس فى العالم تُقرع احتفالاً بعيد القيامة المجيد، كان آلاف المسيحيين الفلسطينيين يقفون عاجزين خلف الحواجز الإسرائيلية، ممنوعين من دخول القدس والوصول إلى كنيسة القيامة، كما يصف المشهد «دليانى»، موضحاً أن هذا المشهد المؤلم يتكرر كل عام، وسط تنديد عالمى لا يلقى الاحتلال له بالاً.

«عيد القيامة مناسبة مُفرحة تحمل رسائل الرجاء والتجديد، إلا أن إجراءات الاحتلال الإسرائيلى التى قيّدت وصول المسيحيين إلى كنيسة القيامة جعلته مكسواً بالحزن والوجع، فى مشهد يزداد سوءاً مع كل عام»، وفق ما قال «ديمترى»، معتبراً أن تلك الإجراءات جزء من سياسة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى إنهاء الوجود الفلسطينى من المدينة المقدسة.

أى مظهر، مسيحياً كان أو إسلامياً، أو بمعنى آخر أى شىء غير يهودى يذكر الاحتلال الإسرائيلى بهوية مدينة القدس الحقيقية وتاريخها وحضارتها، كما يؤكد «ديمترى»، مضيفاً أن الاحتلال يرى فى الاحتفالات إحياء لتلك الهوية من جديد، لذلك يتعامل معها بمبدأ إقصائى وزيادة إجراءات القمع، فيتم تقليص حضور المسيحيين فى القدس وتقييد حرية عبادتهم بشكل مستمر، خاصة خلال المناسبات الدينية الكبرى، واصفاً ما يحدث بأنه: «محاولة لإخماد النور الذى لم ينطفئ منذ دخل المسيح إليها حاملاً بشارة السلام».

أسبوع الآلام هذا العام لم يختلف عن الأعوام السابقة، كما يوضح «ديمترى» فقد شهد إغلاقات للطرق، ومنع الوصول إلى الكنيسة، والتحكم فى من يمكنه دخولها، وحتى التحكم فى توقيت القداسات، بالإضافة إلى قمع المصلين المتوجهين إلى الكنائس، مؤكداً أنها لا تختلف كثيراً عن إجراءات القمع التى تحدث خلال شهر رمضان المبارك.

الإجراءات القمعية التى تهدف إلى طمس هوية القدس، لا تستهدف المواطن الفلسطينى فقط، بل تمتد إلى الحُجاج من كل أنحاء العالم، فهم يتعرضون أيضاً لمضايقات، حسبما يروى «ديمترى»، مؤكداً: «الاحتلال يستهدف كل ما هو غير يهودى أياً كانت هويته».

سكرتير الأقباط الأرثوذكس: دعم المدينة المقدسة والكنيسة الأرثوذكسية لا يكون بـ«الكلام» بل بزيارة هذه الأماكن.. والفرح الروحى أصبح مكبلاً بالواقع المر

الاحتلال يهدف أيضاً إلى تقسيم فلسطين، فيمنع مسيحيى الضفة من الوصول إلى القدس، وهو ما شهدناه بشكل فج خلال أحد الزعف الماضى، حسبما يقول «ديمترى»، مضيفاً أنه يقلص عدد التصاريح الممنوحة لزيارة كنيسة القيامة عاماً بعد عام، وخلال العام الحالى، لم يتجاوز عددها 6 آلاف تصريح لأهالى الضفة، فى الوقت الذى يصل فيه أعداد المسيحيين لأكثر من 50 ألفاً.

«فلسطين لنا.. ولن يردعنا قمع الاحتلال» ليس كمسيحيين ولكن كفلسطينيين يتعرضون للقمع والاحتلال فى القرن الواحد والعشرين، وفق ما قال «ديمترى»، مؤكداً أنه لا يمكن لهذه البقعة السوداء فى الأخلاق وفى الثقافة وفى الحضارة البشرية وهى الاحتلال الإسرائيلى أن تستمر، وأن القضية الفلسطينية هى قضية وطن وليست قضية دين.

للعام الثانى على التوالى، يأتى عيد القيامة حزيناً فى ظل تحجيم وصول المقدسيين المسيحيين إلى كنيسة القيامة، ومنع المؤمنين من الضفة الغربية من الوصول إلى كنيستهم، وقصف الآمنين العزل فى قطاع غزة، حيث قصف الاحتلال المستشفى المعمدانى صباح أحد الشعانين، لتتلون فرحة الأطفال بأغصان النخيل إلى لون الدم، كما وصف المطران عطا الله حنا رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس ما يحدث فى القدس.

ما يحدث هو «انتهاك فاضح لحرية العبادة، وسياسة تهويد ممنهجة تستهدف الوجود المسيحى الفلسطينى»، هكذا يصف المطران «عطا الله» الإجراءات الإسرائيلية المتشددة، التى منعت آلاف المسيحيين الفلسطينيين من الضفة الغربية من الوصول إلى مدينة القدس للمشاركة فى احتفالات، حيث تم منح التصاريح لأقل من 10% من الأعداد المقررة سنوياً.

هذه الممارسات ليس استثناءً عابراً، كما يعتقد المطران «حنا»، بل سياسة ممنهجة تستهدف حرية العبادة، وتضرب بعرض الحائط حقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية التى تضمن حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة. حيث منعت سلطات الاحتلال الحُجاج المحليين من الوصول إلى كنيسة القيامة، بينما سمحت فقط لأعداد رمزية لا تمثل حجم المجتمع المسيحى فى الضفة الغربية.

يقول المطران «حنا»: «منع المؤمنين من الوصول إلى القدس فى أعيادهم لم يعد استثناءً، بل أصبح نهجاً متعمّداً. إنهم يريدون القدس بلا أهلها، ولا يريدون للفلسطينى المسيحى أن يكون شريكاً حياً فى هوية المدينة الروحية والتاريخية».

هذه الانتهاكات لا تستهدف المواطن أو تزداد خلال فترة الأعياد فقط، كما يقول «مطران القدس»، بل رافق المنع تصعيد واضح فى الاعتداءات بحق رجال الدين والمقدسات المسيحية، حيث سجلت الأشهر الأخيرة حوادث متكررة شملت البصق على رجال دين فى شوارع البلدة القديمة، وتخريب ممتلكات تابعة للكنائس، والاعتداء على الأديرة والمقابر، وسط صمت من سلطات الاحتلال الإسرائيلية.

وقال: «كنائسنا تُهان، ومقدساتنا تُستهدف، وهناك حملة شرسة لترهيب الحضور المسيحى الأصيل فى القدس».

ومن القدس إلى الضفة الغربية، يتحدث المطران «حنا» أن هناك تصعيداً ممنهجاً غير مسبوق فى الاقتحامات والاعتقالات، حيث لا يكاد يمر يوم دون تسجيل شهيد أو اعتقال عشرات الشبان، فضلاً عن التوسع الاستيطانى وعمليات الهدم التى تستهدف منازل الفلسطينيين وتُجبرهم على النزوح من أراضيهم. مؤكداً أن الاحتلال يسعى إلى تفريغ الأرض من أهلها، وتوسيع الاستيطان على حساب الكرامة الفلسطينية.

أما ما يحدث فى قطاع غزة، فوصفه «مطران القدس» بـ«حرب الإبادة» حيث قال: «فيما كنا نستعد للاحتفال بأحد الشعانين، كانت الطائرات الحربية تقصف بيوت الآمنين فى غزة، وتستهدف المستشفيات والمدارس. لقد تم قصف مستشفى المعمدانى، هذا الصرح المسيحى الطبى العريق، فى رسالة دموية قاسية تستهدف كل ما هو إنسانى ومقدس».

غارات الاحتلال التى اختارت صبيحة أحد الشعانين وبداية أسبوع الآلام، لتقصف مستشفى المعمدانى تلك المؤسسة الصحية المسيحية التى يتجاوز عمرها أكثر من 150 عاماً، يعتقد المطران «حنا» أنها تحمل رسالة عدوانية موجهة للمكون المسيحى الفلسطينى، وتجسد الاستهتار الإسرائيلى الكامل بحرمة الإنسان والمكان.

عيد القيامة هو رمزية للانتصار على الظلم والخيانة و«الموت»، كما يقول المطران حنا، مضيفاً أنه فى مثل تلك الأيام ندعو إلى كسر حالة الصمت، قائلاً: «آن الأوان أن تنكسر حالة الصمت. ونحن لا نطلب بيانات تعاطف، بل مواقف جريئة تعترف بالظلم الواقع علينا، وتدافع عن القدس وأهلها، وعن الوجود المسيحى الفلسطينى الذى يتهدده الخطر. نحن باقون هنا، رغم القمع والاضطهاد، وسنظل نصلى من أجل سلام عادل يرفع الظلم عن كل شعبنا».

أما أقباط القدس فإنهم يستقبلون عيد القيامة هذا العام وهم مثقلون بهموم، حسبما قال الراهب ثاؤفيلس الأورشليمى، سكرتير بطريركية الأقباط الأرثوذكس والمسئول الإعلامى فى القدس، كيف يختلط العيد بالألم، والطقس الروحى بالحواجز العسكرية؟ فيقول: «الاحتفال هذا العام يتم تحت قيود مشددة من قبل الاحتلال».

«نحن نعيش أياماً روحية عميقة، رغم الألم، ورغم الاحتلال، ورغم حرمان كثير من الأحباء من زيارة القدس هذا العام.. لكن فرحة القيامة تسكن قلوبنا»، كما يقول الراهب ثاؤفيلس، مؤكداً أن الإيمان وحده هو ما يمنحنا القوة لنكمل الرسالة وسط كل هذا الألم.

ورغم عُمق الإيمان بفرحة القيامة، إلا أن الأقباط فى القدس لا يعيشون بهجتها كما فى السنوات السابقة. يقول الراهب ثاوفيلس: «احتفالات هذا العام باهتة، يغلفها الحزن والخوف. فمن قبل كانت الأعياد لا تضاهيها احتفالات، خاصة فى كنيسة القيامة، حيث نؤمن أن السيد المسيح انتصر على الموت».

ويضيف بأسى: «اليوم، لا مظاهر احتفال تُذكر، فقط قلق وخوف من المستقبل، وتدهور اقتصادى يثقل كاهل الناس، حتى الفرح الروحى أصبح مكبلاً بالواقع المر.

رغم قدسية المكان وأهمية المناسبة، فإن دخول كنيسة القيامة خلال الاحتفالات الكبرى لا يتم بسهولة. كما يؤكد «ثاؤفيلس» حيث إن تلك العملية تتم وفق نظام صارم تفرضه سلطات الاحتلال، وتخضع لتقليصات متكررة من الشرطة الإسرائيلية، ما يحد من عدد المصلّين المسموح لهم بالمشاركة كل عام.

التصاريح المحدودة لا تلبى رغبة الجميع، بل يشعر كثيرون بالحرمان كل عام، وهو ما يؤلم الراهب ثاؤفيلس، الذى يقول إن الضغوط السياسية والأمنية تجعل حتى أبسط الحقوق الدينية فى مهب الريح. ورغم الجهود الحثيثة، تبقى الكنيسة وسلطاتها الدينية تسعى لتحقيق العدالة فى التوزيع وفق المتاح.

وقال «ثاؤفيلس»: «إحنا لا بنتحكم فى عدد التصاريح ولا بنقدر نطلب زيادة، العدد بييجى جاهز من الشرطة، وكل سنة بيقل. سألناهم ليه، قالوا إنه بيتم تحديده حسب المساحة، والكنيسة تتحمل كام فرد وبناءً عليه بنقسم العدد دا على الطوائف حسب نسبهم».

بعد الحصول على التصاريح يتم توزيعها بشكل منظم، وفق «ثاؤفيلس» حيث يحصل على التصاريح الرهبان المقيمون بالدير، خاصة من لديهم مسئوليات خلال الطقوس مثل حمل البيرق «وهى راية قديمة تمثل الكنيسة»، وتنظيم الملابس الكنسية، والمشاركة فى الدورات الرسمية.

يلى الرهبان «الأقباط الأرثوذكس» المقيمون فى القدس، حيث تُوزع نسبة محددة من التصاريح على العائلات بحسب عدد أفرادها وتاريخ وجودها فى المدينة. إذا وُجد مصريون فى الأراضى المقدسة خلال موسم الحج، يُخصص لهم جزء بسيط من التصاريح يتم توزيعه بطريقة عشوائية تماماً، مشيراً إلى أن الأولوية تظل دوماً للمقيمين وأبناء الطائفة، وفى حال غياب الحُجاج من الخارج، تتم زيادة النسبة المخصصة لأقباط القدس.

ودعا الراهب «ثاؤفيلس» المسيحيين حول العالم لزيارة الأماكن المقدسة والكنائس قائلاً: «دعم القدس والكنيسة لا يكون بالكلام فقط، بل بزياراتكم. حين تزورون هذه الأماكن المقدسة، فإنكم لا تدعمون حجراً، بل تدعمون إنساناً محاصراً.. الزيارة تشبه زيارة سجين، لها وقع نفسى ومعنوى كبير. أما الانقطاع، فله آثار سلبية عميقة».


مواضيع متعلقة