«كنيسة القيامة».. شاهدة على قمع الاحتلال للمسيحيين والمسلمين
«كنيسة القيامة».. شاهدة على قمع الاحتلال للمسيحيين والمسلمين
داخل الشوارع الضيقة للبلدة القديمة، تقف كنيسة القيامة الشامخة، معلنة أن واحدة من أقدم المعالم المسيحية هى رمز للتعايش بين المسلمين والمسيحيين، فتلك الكنيسة التى تجمع فى أروقتها بين الكاثوليك والأرثوذكس والسريان والأرمن، تحمل مفاتيحها عائلة مسلمة منذ قرون طويلة، وفق ما قال أمين مفاتيح كنيسة القيامة أديب جواد الحسينى، مؤكداً أن تلك الأمانة متوارثة بين أجيال عائلته منذ قرون.
العلاقة بين المسلمين والمسيحيين فى مدينة القدس بدأت منذ قرون طويلة، وقد تم تكليف عائلة «أديب» بحمل تلك الأمانة عندما فتح القائد صلاح الدين الأيوبى مدينة القدس فى العام 1187 ميلادية، واجتمع برؤساء الكنائس المختلفة لبحث سُبل الحفاظ على كنيسة القيامة المقدسة، وطرح فكرة تضمن الحفاظ على الكنيسة، وهى تسليم مفاتيح الكنيسة لعائلة مسلمة مشهود لها بالأمانة والمكانة الرفيعة. فكانت ثقته فى عائلة «جودة آل غضية الحسينى» التى يعود نسبها إلى آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان رجالها من شيوخ وعلماء المسجد الأقصى المبارك، ولهم احترام كبير فى المجتمع المقدسى، حسبما يقول.
«الحسينى»: الطوائف المسيحية وافقت قبل 9 قرون على تولى عائلتى المسلمة الإشراف على أهم الكنائس
وافق رؤساء الكنائس على هذا المقترح بالإجماع، وتم تسليم مفاتيح كنيسة القيامة لعائلة «الحسينى»، ليكونوا الأمناء على هذا المكان المقدس، منذ العام 1187 وحتى يومنا هذا، ما زالت مفاتيح الكنيسة تتوارثها العائلة، حتى وصلت إلى أديب الحسينى، قائلاً: «نرعاها ونتوارثها أباً عن جد، حتى يُحدث الله أمراً كان مفعولاً.. فحملنا هذه الأمانة، وسنظل على عهدها ما حيينا».
تتوارث عائلة «الحسينى» مفتاح الكنيسة، ومفتاح القبر المقدس، والذى لا يتم اعتباره فقط قطعة من الحديد، بل هو رمز للتعايش، وللكرامة، وللقضية الفلسطينية.
أمين مفاتيح كنيسة القيامة لديه مهام يومية، بخلاف المناسبات الرسمية، ويوضح «الحسينى» أنه يبدأ يومه قبل الفجر وذلك فى الساعة الرابعة صباحاً، حيث يتوجه إلى باب كنيسة القيامة ومعه المفتاح التاريخى. يلتقى هناك مع الرهبان من الطوائف المختلفة، والذين يقومون بطقوس فتح الباب عند الفجر. ثم يقوم بإدخال المفتاح فى القفل الضخم، مضيفاً أنه عند فتح أبواب الكنيسة فى الصباح تكون الصلوات داخل الكنيسة مستمرة ويبدأ توافد المؤمنين إلى داخل الكنيسة للاشتراك بالصلاة.
وعلى مدار اليوم، يوجد الحسينى فى محيط الكنيسة، يراقب الأجواء، يتعامل مع الزوار، يشرح تاريخ الكنيسة، وأهمية كل حجر، وتقديم المساعدة لأى زائر يحتاج إلى مساعدة، ومع غروب الشمس، وفى ساعة الإغلاق، يعود إلى الباب، ومعه أحد ممثلى الطوائف، ويتم غلق الكنيسة رسمياً. ويحفظ المفتاح معه دائماً، قائلاً: «إنه أمانة عمرها قرون».
وخلال «أسبوع الآلام»، يكون دور «أمين مفاتيح القيامة» مضاعَفاً، حيث يكون هذا الأسبوع أكثر الأسابيع ازدحاماً ورهبة فى كنيسة القيامة، يبدأ من أحد الشعانين، حيث نرى المواكب تدخل الكنيسة من كل الطوائف، تحمل سعف النخيل، والصلوات تملأ الأجواء.
يعتبر هذا الأسبوع الملىء بالطقوس والقداسات، والتى تختلف يومياً، كما يوضح «الحسينى» فلكل يوم طقوسه، وبداية من يوم الخميس تكون القداسات مضاعفة، فهو يُطلق عليه خميس الأسرار، يليها الجمعة العظيمة، وسبت النور، ثم أحد القيامة. ورغم أن أسبوع الآلام مرهق ومتعب، إلا أنه أيضاً ملىء بالإيمان والمشاعر الروحانية، ويُشعرنى بعِظم الأمانة التى أحملها.
«سبت النور، هو اليوم الأهم فى أسبوع الآلام، وهو يتضمن الطقس الأهم»، وبحسب «الحسينى» فإنه يوم استثنائى بكل معنى الكلمة، حيث يبدأ الحجاج بالتوافد إلى كنيسة القيامة. وتمتلئ الساحات والممرات، رغم القيود الصارمة التى يفرضها الاحتلال الإسرائيلى.
طقوس سبت النور هى الأهم والأكثر شهرة ومتابعة من العالم، والتى يشرف عليها «الحسينى»، ويروى تفاصيل هذا اليوم، قائلاً: «قبل الساعة 12 ظهراً يلتقى مطران من طائفة الروم الأرثوذكس ومطران من طائفة الأرمن الأرثوذكس ويتوجهان إلى القبر المقدس وهو المكان الذى يُعتقد أن المسيح دُفن فيه، يتم تفتيشه بدقة للتأكد من أنه خالٍ»،
وبعد هذا التفتيش الرسمى، يُغلق باب القبر المقدس بالشمع المقدس، الذى يوجد مع «الحسينى» الذى يقوم بعد ذلك بوضع الختم الخاص به على الشمع، إعلاناً ببدء العيد للطوائف المسيحية الأرثوذكسية.
بعد غلق القبر المقدس، يتجه «الحسينى» يرافقه الآباء المطارنة إلى بطريركية الروم الأرثوذكس، حيث يكون فى انتظارهم البطريرك ثيوفيلوس الثالث بطريرك الروم الأرثوذوكس فى صالونه لتهنئته بالعيد، وإبلاغه رسمياً بانتهاء مراسم التفتيش وختم القبر المقدس، ليتوجه إلى الكنيسة ليبدأ الشعائر الدينية داخل القبر المقدس ويخرج وهو يحمل بيديه النور المقدس، وهو الحدث الأهم عالمياً ويشاهده ملايين البشر عبر شاشات التلفاز وفى البث المباشر.
عيد القيامة فى القدس له طعم خاص لا يشبه أى مكان آخر. رغم الاحتلال، كما يؤكد «الحسينى»، مضيفاً أن يوم الأحد «عيد القيامة»، يكون مزدحماً بالقداسات حيث تُقام من الفجر حتى المساء، لكل طائفة حسب جدولها.
القيود التى يفرضها الاحتلال على مسيحيى القدس، وفق «الحسينى»، ممتدة منذ سنوات، حيث بات الاحتلال يفرض قيوداً قاسية على حضور الفلسطينيين طقوس سبت النور. يجب التقدُّم بطلبات للحصول على تصاريح مسبقة قبل أسابيع. غالباً لا يتم الرد على الكثير منها، ويتم رفض أعداد كبيرة، حتى للكهنة والسكان الأصليين فى القدس والضفة.
ويتحدث «الحسينى» أنه رغم أنه أمين مفاتيح القيامة فإنه يجب أن يحصل على تصريح، والذى قد لا يحصل عليه قبل مساء يوم الجمعة العظيمة، وهو قبيل ساعات قليلة من بدء طقوس سبت النور. ورغم أن الطوائف المسيحية المختلفة حاولت التنسيق والضغط من أجل الحصول على تصاريح للمسيحيين والزوار، إلا أن الوضع يزداد سوءاً عاماً بعد عام. حيث يؤكد «الحسينى» أن الاحتلال يسعى لتقليل أعداد الفلسطينيين، وتحويل القدس إلى مدينة سياحية فقط، خالية من روحها الحقيقية.
الانتهاكات الإسرائيلية لا تتوقف عند الحواجز وطرق التفتيش المهينة والمنع، فبحسب «الحسينى» يتدخل الاحتلال بشكل مباشر فى إدارة الكنيسة، خاصة فى الأعياد؛ يُقيد عدد المصلين، يفرض الحواجز، يمنع الناس من الدخول، ويُعامل رجال الدين أحياناً بإهانة.
وتستمر انتهاكات الشرطة، حيث تتدخل فى التنظيم بدلاً من أن تترك الأمر للكنائس ولأصحاب هذا العيد، وتمارس عنصرية واضحة تجاه الفلسطينيين والمؤمنين والحجيج. كما يقول «أمين مفاتيح القيامة» موضحاً أن هناك أيضاً محاولات مستمرة من المستوطنين للاستيلاء على عقارات حول الكنيسة، لتغيير الطابع المسيحى العربى للمنطقة.
ورغم أن العيد فرحة، فإن «الحسينى» يؤكد أنه يأتى هذا العام حزيناً، قائلاً: «قلوبنا حيث الإبادة فى غزة، وإغلاق الطرق فى الضفة، ومنع الحجاج من الوصول إلى القدس. لكن رغم الألم، تُقام الطقوس، وتُعلن القيامة. لأن رسالة العيد هى النور بعد الظلمة، والحياة بعد الموت.. ونحن نُصلى لأهل غزة، ونرفع الشموع من أجل السلام، ولن يسمح الاحتلال بإطفاء نور الإيمان فى قلوبنا».
