زيارة «ماكرون» لمصر نقطة تحول في تاريخ المنطقة.. خطوة للاعتراف بدولة فلسطين
زيارة «ماكرون» لمصر نقطة تحول في تاريخ المنطقة.. خطوة للاعتراف بدولة فلسطين
فى لحظة فارقة من تاريخ الصراع الفلسطينى - الإسرائيلى، جاءت تصريحات الرئيس الفرنسى، إيمانويل ماكرون، لتحدث صدىً واسعاً على الساحة الدولية، كما عكست تحولاً جذرياً فى موقف واحدة من الدول الكبرى، طالما تبنّت مواقف متحفظة تجاه الاعتراف بـ«دولة فلسطين»، كما تؤكد هذه التصريحات أن الزيارة التى أجراها «ماكرون» لمصر، الأسبوع الماضى، لم تكن مجرد تحرك دبلوماسى عابر، بل كانت بمثابة إعلان بداية مرحلة جديدة، قد تغيّر ملامح السياسة الأوروبية تجاه الشرق الأوسط.
الرئيس الفرنسى: نسلك الطريق الصحيح لحماية الأمن الإقليمى.. و«الخارجية الفلسطينية»: الخطوة الفرنسية تعيد إحياء «حل الدولتين»
ففى مقابلة تليفزيونية أعقبت زيارته إلى مصر، كشف الرئيس الفرنسى عن نية بلاده الاعتراف رسمياً بدولة فلسطينية خلال الأشهر المقبلة، مشيراً إلى أن الخطوة قد تتم على هامش مؤتمر دولى يُعقد فى نيويورك خلال شهر يونيو المقبل، برئاسة مشتركة بين فرنسا والسعودية، وقال «ماكرون»، فى مقابلة مع قناة «فرانس 5»، عقب عودته من زيارة لمصر، شملت الحدود مع غزة: «علينا أن نسلك طريق الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهذا ما سنقوم به خلال الأشهر المقبلة».
وأشار «ماكرون» إلى أن التحرك قد يتم خلال مؤتمر دولى فى شهر يونيو المقبل، من المقرر أن تستضيفه فرنسا والسعودية بشكل مشترك، ويهدف إلى إنشاء دولة فلسطينية، وقال: «هدفنا هو أن نترأس هذا المؤتمر مع السعودية فى يونيو، حيث يمكن أن نُنجز هذا التحرك نحو الاعتراف المتبادل بدولة فلسطينية من قبَل عدة أطراف».
وأوضح الرئيس الفرنسى أن الهدف من المؤتمر المشترك مع السعودية هو توفير منبر دولى يتيح تحقيق اعتراف جماعى بدولة فلسطين، مشدداً على أن «باريس» تسعى إلى تحريك المياه الراكدة، لا سيما بعد تفاقم الوضع فى غزة، عقب الهجوم الذى شنّته حركة حماس فى 7 أكتوبر 2023، وما تبعه من حملة عسكرية إسرائيلية أثارت ردود فعل غاضبة فى عدد من العواصم العالمية.
وأوضح «ماكرون» قائلاً: «لن أفعل ذلك من أجل الوحدة، أو لإرضاء أحد، بل لأننى أعتقد أن ذلك سيكون عادلاً فى مرحلة ما، كما أننى أريد أن أكون جزءاً من ديناميكية جماعية تسمح لكل من يدافع عن فلسطين بأن يعترف أيضاً بإسرائيل»، وأضاف أن «هذا الاعتراف سيسمح لفرنسا بأن تكون واضحة فى نضالها ضد أولئك الذين ينكرون حق إسرائيل فى الوجود، كما هو الحال مع إيران، وأن نلتزم بالأمن الجماعى فى المنطقة».
وبينما أكد الرئيس الفرنسى أن هذه الخطوة من شأنها أن تخدم الأمن الإقليمى، فقد نقلت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» عن وزير الخارجية فى حكومة الاحتلال، جدعون ساعر، قوله إن قرار فرنسا الاعتراف بدولة فلسطين لن يخدم الأمن الإقليمى، بل سيؤدى إلى عكس ذلك، معتبراً أن قراراً بهذا الشأن سيكون بمثابة «مكافأة» لحركة حماس، التى تصنفها الولايات المتحدة وعدة دول أوروبية «منظمة إرهابية».
وكتب وزير الخارجية الإسرائيلى، عبر صفحته الرسمية على منصة «إكس»، أن «الاعتراف الأحادى بدولة فلسطينية، من قبَل أى دولة، فى ظل الواقع الذى نعرفه جميعاً، لن يكون سوى مكافأة للإرهاب، ودعم لحركة حماس»، وتابع أن «مثل هذه الأمور لن تساعد فى إقرار السلام أو الأمن أو الاستقرار فى المنطقة، بل على العكس ستبعد المنطقة أكثر عن السلام والاستقرار»، وأضاف الوزير الإسرائيلى أن التحركات الدولية نحو الاعتراف بدولة فلسطين ستضعف من موقف إسرائيل التفاوضى، وتمنح شرعية لمن وصفهم بـ«الجهات المعادية».
من جانبها، قالت وزيرة الدولة للشئون الخارجية فى السلطة الفلسطينية، فارسين أجابيكيان شاهين، فى تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية «فرانس برس»، إن اعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية سيكون «خطوة فى الاتجاه الصحيح، تتماشى مع حماية حقوق الشعب الفلسطينى، وحل الدولتين»، وأضافت أن «هذا الاعتراف سيسهم فى تصحيح اختلال تاريخى فى ميزان العدالة الدولية تجاه الفلسطينيين».
وحملت زيارة الرئيس الفرنسى لمصر، الأسبوع الماضى، فى طياتها، عدة رسائل إنسانية وأمنية، حيث شملت جولة ميدانية قرب الحدود مع قطاع غزة، كما عقد «ماكرون» قمة ثلاثية مع الرئيس عبدالفتاح السيسى، والعاهل الأردنى الملك عبدالله الثانى، ناقش خلالها تطورات الأزمة الراهنة، وسبل وقف إطلاق النار، فضلاً عن مشاركته فى مكالمة هاتفية مشتركة مع الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، لحثه على إنهاء الحرب فى غزة.
وأعلنت فرنسا مراراً دعمها لـ«حل الدولتين»، باعتباره الطريق نحو إنهاء الصراع الفلسطينى - الإسرائيلى، إلا أنه فى حالة إذا ما أعلنت «باريس» الاعتراف رسمياً بـ«دولة فلسطين»، فإن ذلك يمثل تحولاً جذرياً فى سياسة الدولة الأوروبية، وقد تتبعها دول أخرى فى الاتحاد الأوروبى، وهو ما سيؤدى إلى إثارة موجة من الغضب لدى حكومة الاحتلال، التى ترفض إقامة دولة مستقلة للفلسطينيين. وأشارت الصحيفة الإسرائيلية إلى أن رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، ومسئولين آخرين فى حكومته، بدأوا تحركات مكثفة، من خلال «خطة مضادة» لإجهاض أى نتائج قد تصدر عن مؤتمر الأمم المتحدة فى يونيو المقبل بشأن إعلان قيام دولة فلسطينية، ونقلت عن مسئولين إسرائيليين قولهم إن «الاعتراف الأحادى بالدولة الفلسطينية الآن سيُعتبر مكافأة على هجوم حماس فى 7 أكتوبر»، فى إشارة إلى عملية «طوفان الأقصى»، التى شنتها الحركة الفلسطينية على عدد من المستوطنات القريبة من قطاع غزة فى السابع من أكتوبر 2023.
وأثارت الحملة العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة، التى جاءت رداً على تلك العملية، وأسفرت عن استشهاد ما يزيد على 50 ألف فلسطينى، بينهم عدد كبير من النساء والأطفال، كما خلفت دماراً واسعاً فى القطاع الفلسطينى، تعاطفاً دولياً واسعاً مع الفلسطينيين، وهو ما يعزز الدعوات إلى الاعتراف بدولة فلسطينية فى عدد من العواصم.
وفى وقت سابق من العام الماضى، أعلنت كل من إسبانيا والنرويج وأيرلندا وسلوفينيا الاعتراف بدولة فلسطينية، ما أثار غضباً واسعاً فى إسرائيل، وفى أغسطس 2024، أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية أنها ستسحب الاعتماد الدبلوماسى لثمانية دبلوماسيين نرويجيين يقيمون فى «تل أبيب» بدعوى أنهم كانوا يتعاملون مع السلطة الفلسطينية، ولكن فى المقابل، قالت كل من ألمانيا والبرتغال إن «الوقت غير مناسب» للاعتراف بدولة فلسطينية، وفى بريطانيا، قال رئيس الوزراء، كير ستارمر، قبل الانتخابات التى أوصلته إلى السلطة، إنه يرغب فى الاعتراف بدولة فلسطينية إذا فاز، لكن هذه الخطوة يجب أن تتم فى الوقت المناسب، فى إطار عملية السلام.
ويشكل هذا التحول فى موقف فرنسا، فى حالة إذا ما اعترفت بالدولة الفلسطينية فى يونيو المقبل، خطوة كبيرة على مسار تغيير قواعد اللعبة السياسية فى الشرق الأوسط، وبينما تستعد «باريس والرياض» لاستضافة المؤتمر الأممى المشترك، تتجه الأنظار إلى مواقف بقية العواصم الأوروبية، ومدى استعدادها للحاق بركب الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ما قد يُعيد إحياء عملية السلام من رماد الحروب والنكبات.