معركة تجارية بين أمريكا والصين.. «ترامب» يقود الولايات المتحدة إلى «حرب فيتنام»

كتب: محمود العيسوي

معركة تجارية بين أمريكا والصين.. «ترامب» يقود الولايات المتحدة إلى «حرب فيتنام»

معركة تجارية بين أمريكا والصين.. «ترامب» يقود الولايات المتحدة إلى «حرب فيتنام»

فى عالم تتشابك فيه المصالح الاقتصادية، وتُرسم فيه السياسات الكبرى بلغة الأرقام والتعريفات الجمركية، تأتى تحذيرات الخبراء لتدق «ناقوس الخطر»، حين يندفع القادة نحو مواجهات لا رابح فيها، وفى الوقت الذى يبدو فيه أن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين تزداد «شراسة» نتيجة سياسات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب حذر أحد أبرز الاقتصاديين الأمريكيين من تداعيات تلك المعركة التى يبدو أنها لا رابح فيها، من خلال عقد مقارنة بين ما يجرى حالياً وأحد أكثر الصراعات إصراراً على الاستمرار، رغم الخسائر، وهى «حرب فيتنام».

وبينما اعتبر آدم بوسن، رئيس معهد «بيترسون» فى واشنطن، والعضو السابق فى لجنة السياسة النقدية ببنك إنجلترا، أن «التكتيكات» التى يتبعها الرئيس «ترامب» خلال الحرب التجارية القائمة حالياً مع الصين تتشابه إلى حد كبير من «التكتيكات» التى سبق أن اتبعها الرئيسان ليندون جونسون وريتشارد نيكسون خلال «حرب فيتنام» عندما رفضا التراجع عن قرار الحرب، فقد حذر الخبير الاقتصادى الأمريكى، فى تصريحات لصحيفة «الجارديان»، من أن كلا الطرفين سيجد نفسه فى «مستنقع» لا يمكن الخروج منه دون فقدان ماء الوجه.

ونشر «بوسن» مقالاً فى مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، أشار فيه إلى أن الرئيسين «جونسون ونيكسون» تمسَّكا بمواصلة الحرب على فيتنام، ولم يمكنهما إدراك حقيقة أن الولايات المتحدة لن يمكنها تحقيق النصر بمجرد تصعيد الهجمات، كما رفضا دعوات التفاوض من أجل التوصل إلى «سلام حقيقى»، وأكد الخبير الاقتصادى أن كلاً من الرئيس «ترامب»، ووزير الخزانة سكوت بيسينت الذى يتبنى قرار فرض تعريفات جمركية مرتفعة على الصين، «يرتكبان خطأ جسيماً»، كما اتهم الخبير الاقتصادى الأمريكى الفريق الرئاسى فى «البيت الأبيض» بأنه «يتفاخر بمستوى الأذى الذاتى الذى تستعد الولايات المتحدة لتحمله من أجل تحقيق انتصار زائف على الصين».

«الجارديان»: فريق «البيت الأبيض» يتفاخر بالقدرة على تحمل «إيذاء الذات» من أجل «انتصار زائف» على الصين

وأوردت صحيفة «الجارديان»، فى تقرير لها، أن العديد من الاقتصاديين يتهمون مستشارى «البيت الأبيض» بـ«سوء فهم آليات التجارة الدولية»، وكيف أن الصناعات تعمل عبر الحدود، فى كثير من الأحيان، للاستفادة من العمالة الأرخص، وكذلك للوصول إلى تقنيات ومهارات غير متوافرة محلياً، مشيرةً إلى أن الأسواق الدولية، التى أصيبت بالارتباك على مدار الأسبوع الماضى، نتيجة اشتعال الحرب التجارية بين أمريكا والصين، شهدت «حالة من الفزع»، فى نهاية الأسبوع، بعدما قررت بكين زيادة الرسوم الجمركية على السلع الأمريكية من 84% إلى 125%، وردت واشنطن بإجراءات مماثلة، تتضمن رفع النسبة الإجمالية للرسوم الجمركية على السلع الصينية إلى 145%.

وأصبحت الصين ساحة المعركة الرئيسية لهذه الحرب التجارية بعد أن وافق «ترامب» على «هدنة مؤقتة» تتضمن تأجيل تطبيق الزيادة المقررة فى الرسوم الجمركية على السلع الواردة إلى الولايات المتحدة لمدة 90 يوماً، مع الإبقاء على رسوم استيراد بنسبة 10%، دون أن يتضمن القرار الواردات الأمريكية من الصين، ليرد الرئيس الصينى، شى جين بينج، بقوله إنه «لا يوجد منتصر فى حرب الرسوم الجمركية»، ونقلت صحيفة «الصين اليوم» عن الرئيس «جين بينج» قوله، خلال استقباله رئيس الوزراء الإسبانى، بيدرو سانشيز، فى بكين، يوم الجمعة، إن «الصين لا تخشى القمع غير المبرر»، داعياً الاتحاد الأوروبى إلى التعاون مع الصين لمواجهة ما وصفه بـ«البلطجة الأحادية».

اقتصاديون: «سوء فهم لآليات التجارة الدولية»

وأكد الخبير الاقتصادى «بوسن»، فى مقاله، أن وزير الخزانة «بيسينت»، وهو ملياردير ومدير سابق لأحد الصناديق المالية، ارتكب خطأ آخر حينما وصف المعركة التجارية مع الصين بأنها تشبه «لعبة بوكر تمتلك فيها الولايات المتحدة جميع الأوراق الرابحة»، وذلك فى إشارة لتصريحات سابقة للوزير الأمريكى قال فيها: «أعتقد أن التصعيد الصينى كان خطأ كبيراً، لأنهم يلعبون بورقتين اثنتين فقط، ماذا سنخسر إذا زادت الصين الرسوم علينا؟ نحن نصدر لهم خُمس ما يصدرونه لنا، لذا فإن فرصتهم فى الفوز ضعيفة».

وأوضح الخبير الأمريكى، فى تصريحاته للصحيفة البريطانية، أن «تشبيه بيسينت للمعركة مع الصين بالبوكر مضلل، لأن البوكر لعبة صفرية، بمعنى أفوز أنا إذا خسرت أنت، أو العكس، أما التجارة فهى ممارسة ذات محصلة إيجابية فى معظم الحالات، وهذا يعنى أنه كلما ربحت أنت ربحت أنا أيضاً، كما أن فى لعبة البوكر لا يمكنك أن تستعيد شيئاً مما راهنت عليه إلا إذا فزت، أما فى التجارة فإنك تحصل على مقابل فورى فى شكل سلع وخدمات تشتريها»، وأضاف أن الإدارة الأمريكية تنطلق من قناعة بأن «كلما زادت وارداتك، قلَّ ما تُخاطر به»، بسبب العجز التجارى الأمريكى مع الصين، الذى يعنى، بحسب اعتقادهم، أن أمريكا أقل عرضة للخسارة.

لكن «بوسن» شدد على أن «هذا الاعتقاد خاطئ من الناحية الواقعية، وليس مجرد رأى، فإن منع التجارة يقلل من الدخل الحقيقى، والقوة الشرائية للدولة، فالدول تقوم بالتصدير كى تكسب ما يُمكِّنها من شراء ما لا تنتجه، أو ما يكون إنتاجه محلياً مكلفاً للغاية»، وتابع: «حتى لو ركزنا فقط على الميزان التجارى الثنائى، كما تفعل إدارة ترامب، فإن الأرقام ليست فى صالح أمريكا»، وأوضح أنه فى عام 2024، بلغت صادرات الولايات المتحدة من السلع والخدمات إلى الصين 199.2 مليار دولار، بينما بلغت وارداتها من الصين 462.5 مليار دولار، مما أدى إلى عجز تجارى قدره 263.3 مليار دولار، وإذا كان الميزان التجارى الثنائى مؤشراً على من سيفوز فى الحرب التجارية، فإن اليد العليا ستكون لمن لديه «فائض»، وليس الذى لديه «عجز».

واستطرد الخبير الأمريكى قائلاً إن «حرمان الأسر والشركات الأمريكية من واردات لا يمكن استبدالها أو إنتاجها محلياً إلا بتكلفة باهظة يُلحق ضرراً بأمريكا أكثر بكثير مما تعانيه الصين من تراجع المبيعات»، وأوضح أن منطق «ترامب» فى هذه الحرب يستند إلى «نظرية الألعاب»، حيث يعتقد أن لديه «تفوقاً تصعيدياً» على الصين، أى أنه قادر على تصعيد الصراع، دون أن تتمكن بكين من الرد المماثل، لكن «بوسن» ردَّ قائلاً: «هذا المنطق خاطئ، الصين وليس أمريكا هى من تملك التفوق التصعيدى فى هذه الحرب التجارية، الولايات المتحدة تعتمد على الصين فى الحصول على سلع حيوية لا يمكن استبدالها فى المدى القريب، ولا يمكن إنتاجها محلياً بتكلفة معقولة»، واختتم قائلاً: «قد يكون تقليل الاعتماد على الصين مبرراً للعمل، لكن خوض الحرب التجارية قبل تحقيق ذلك هو وصفة لهزيمة شبه مؤكدة، وبتكلفة هائلة».


مواضيع متعلقة