ثوابت مصرية راسخة: وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات الإغاثية دون قيود ورفض تهجير الفلسطينيين وانسحاب إسرائيلي كامل
ثوابت مصرية راسخة: وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات الإغاثية دون قيود ورفض تهجير الفلسطينيين وانسحاب إسرائيلي كامل
كتب - أحمد عادل موسى
منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة فى أكتوبر 2023، اتخذت مصر موقفاً واضحاً ومتوازناً، ارتكز على مزيج من المبادئ الثابتة والتحركات الدبلوماسية الفاعلة، بما يعكس مكانتها الإقليمية ومسئوليتها التاريخية تجاه القضية الفلسطينية، وقد واجهت القاهرة هذه الأزمة من منظور سياسى وأمنى وإنسانى، ساعية لاحتواء التصعيد ووقف إراقة الدماء، مع الحفاظ فى الوقت ذاته على ثوابتها الوطنية والأمنية.
فمنذ اللحظة الأولى، تحركت مصر على مستوى الاتصالات الإقليمية والدولية، وطرحت مبادرات متتالية لوقف إطلاق النار وتهدئة الأوضاع، وكان أبرزها خطة التهدئة التى صاغتها القاهرة وطرحتها على الأطراف المعنية، والتى تبنتها لاحقاً الولايات المتحدة فى خطوطها العريضة، هذه الخطة تضمنت وقفاً تدريجياً لإطلاق النار، وتبادلاً للأسرى والمحتجزين بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، وضمانات دولية، على رأسها الضمان الأمريكى لمنع التنصل من الاتفاق، كما دعت الخطة إلى انسحاب إسرائيلى تدريجى من قطاع غزة، وفتح المجال لإدخال المساعدات الإنسانية بشكل آمن ومنتظم.
وفى الوقت ذاته، رفضت مصر بشكل قاطع أى حديث عن تهجير قسرى للفلسطينيين من قطاع غزة إلى أراضيها فى سيناء، وأعلنت أن هذا الأمر يمثل «خطاً أحمر» لا يمكن تجاوزه، وشددت على أن تهجير الفلسطينيين ليس حلاً، بل يمثل تصفية للقضية الفلسطينية، ومحاولة لتفريغ الأرض من أصحابها، ووجهت مصر رسائل حاسمة إلى المجتمع الدولى، لا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى، تؤكد فيها موقفها الرافض لهذا السيناريو، مع تأكيد أن أى مساس بالسيادة المصرية، أو محاولة فرض حلول على حساب أمن مصر القومى، لن يُسمح به تحت أى ظرف.
وعلى الجانب الإنسانى، كانت القاهرة المنفذ الوحيد تقريباً لدخول المساعدات إلى غزة، فى ظل استمرار الحصار الإسرائيلى الشامل على القطاع، وفتحت معبر رفح، رغم القصف المتكرر لمحيطه، وسهَّلت مرور المساعدات الطبية والغذائية، إضافة إلى نقل الجرحى والمصابين للعلاج فى المستشفيات المصرية، كما ساهمت منظمات مصرية مدنية، وعلى رأسها الهلال الأحمر، فى تنظيم قوافل دعم للشعب الفلسطينى، وهو ما يعكس البعد الإنسانى والسياسى للموقف المصرى.
أما على الصعيد الدبلوماسى، فقد كثّفت مصر تحركاتها فى أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وعززت التنسيق المشترك مع الأردن والسعودية والإمارات، للدفع نحو وقف إطلاق النار، ومنع تفاقم الكارثة الإنسانية فى القطاع، كما استعانت بعلاقاتها الدولية المتوازنة لتوسيع دائرة الضغط على إسرائيل، ونسّقت مع فرنسا وتركيا ودول الاتحاد الأوروبى لإيجاد مظلة دولية داعمة لحل سياسى مستدام، كل هذه التحركات جاءت فى إطار الحفاظ على التوازن بين حماية الأمن القومى المصرى، ومساندة الشعب الفلسطينى، وتأكيد دور القاهرة الإقليمى كوسيط موثوق لا يمكن تجاوزه فى أى مسار تفاوضى يتعلق بالملف الفلسطينى، وتجلى هذا الدور فى التأكيد المستمر على أن الحل يكمن فى العودة إلى طاولة المفاوضات، ورفض سياسة فرض الأمر الواقع، أو استغلال الأوضاع الميدانية لفرض حلول جزئية فى هذا الموقف الشامل، واجهت مصر الحرب على غزة، وسعت بكل أدواتها السياسية والدبلوماسية والإنسانية لتثبيت وقف إطلاق النار، ومنع التهجير، وتخفيف معاناة المدنيين، مع التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية فى أولوياتها الاستراتيجية.
وفى هذا الصدد، أكد أحمد العنانى، الخبير فى العلاقات الدولية، أن مصر تمتلك مساراً سياسياً قوياً، يعتمد على التفاوض كأداة رئيسية لحل الأزمة الفلسطينية، لا سيما منذ بداية الحرب فى عام 2023، مشيراً إلى أن السياسة المصرية ترتكز على التدخل الفاعل لصالح القضية الفلسطينية، من خلال رؤية واضحة تهدف إلى وقف إطلاق النار وتحقيق تسوية عادلة وشاملة، وأوضح «العنانى»، فى تصريحات لـ«الوطن»، أن التحرك المصرى يضع فى مقدمة مساعيه وقف إطلاق النار، من خلال صفقة تبادل تشمل إطلاق سراح عدد من المحتجزين الإسرائيليين مقابل الإفراج عن مئات من الأسرى الفلسطينيين فى السجون الإسرائيلية، وهى النقطة الأولى التى طرحتها الخطة المصرية الأخيرة، والتى تبنتها الولايات المتحدة الأمريكية، وأوضح أن المرحلة الثانية من المبادرة المصرية تتعلق بوقف دائم لإطلاق النار، مع وجود ضمانات أمريكية واضحة وملزمة، مشدداً على ضرورة عدم تكرار ما حدث فى المرات السابقة، حيث كانت إسرائيل تتنصل من تنفيذ المراحل اللاحقة من الاتفاق بعد الالتزام بالمرحلة الأولى فقط.
وأكد خبير العلاقات الدولية أن مصر تضغط حالياً على الولايات المتحدة لضمان التزام إسرائيل باتفاق مكتوب تتعهد به واشنطن، وتسعى القاهرة لإتمام هذه الصفقة وفقاً للبنود التى طرحتها، مع إشراك عدد من دول الاتحاد الأوروبى، وفى مقدمتها فرنسا، لزيادة الضغط الدولى على الجانب الإسرائيلى، ولفت «العنانى» إلى أن أدوات الضغط المصرية على الجانب الإسرائيلى تتمحور أولاً حول جزئيتين، الجزئية السياسية، والجزئية الدبلوماسية، وأوضح أن الضغوط الدبلوماسية تُمارَس من خلال أداة التفاوض بشكل كبير، حيث تُعتبر القاهرة وسيطاً يسعى لتحقيق الاستقرار ووقف إطلاق النار، وبالتالى تلعب مصر دور الوساطة، الذى من خلاله يتم التوصل إلى وقف إطلاق النار، وانسحاب كامل، وإدخال المساعدات الإنسانية، ومنع التهجير، فى ظل استراتيجية أمريكية - إسرائيلية تسعى إلى إخراج الفلسطينيين من أراضيهم، كما يسعى الجانب المصرى للعب دور الوسيط بين الاحتلال الإسرائيلى والجانب الفلسطينى، وصولاً إلى نتائج تُحقق مصالح الشعب الفلسطينى وقضيته، وتحافظ على مركزيتها.
وأوضح «العنانى» أن أدوات الضغط التى تمتلكها القاهرة تعتمد أولاً على كون مصر دولة قوية ومؤثرة، وبالتالى فإن تواصلها مع الولايات المتحدة وعلاقاتها الاستراتيجية مع دول العالم تُعد من أهم أدوات الضغط الفاعلة على الجانب الإسرائيلى، كما أن هناك أداة أخرى تتمثل فى التحرك المصرى فى أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، خاصة من خلال التنسيق العربى المشترك، كما أن الجانب المصرى يمتلك أدوات سياسية أخرى، وتحركات تعكس مواقفه، مشيراً إلى ما حدث على سبيل المثال، حينما أعلنت إندونيسيا فتح خط تواصل مع إسرائيل بشأن تهجير الفلسطينيين، وأعلنت استعدادها لاستقبال 2000 مواطن من غزة، وهو ما دفع مصر إلى دعوة الرئيس الإندونيسى، الذى حضر إلى القاهرة، وإبلاغه بشكل واضح رفض مصر لهذا الأمر، والتأكيد على ضرورة إيجاد حل للقضية الفلسطينية دون تهجير الفلسطينيين.
وقال «العنانى» إن هذه هى المناورات السياسية التى تستطيع مصر من خلالها مجابهة الجانب الإسرائيلى، وأنها تسعى عبر ضغوطاتها على الولايات المتحدة، التى ترى فى القاهرة شريكاً استراتيجياً وفاعلاً فى المنطقة، إلى التأثير فى مسار الأحداث، كما أن انسحاب القاهرة من المفاوضات من شأنه أن يُلحق الضرر بالجانب الإسرائيلى، إذ لن يكون هناك وسيط نزيه فى حال غياب مصر، وكل هذه الأمور تُعد أدوات ضغط تمتلكها القاهرة وتمارسها على إسرائيل، كما شدد على أن زيارة الرئيس الفرنسى، إيمانويل ماكرون، إلى مصر تمثل رسالة قوية للإقليم والعالم، مؤكداً أن العلاقات بين القاهرة وباريس تُعد شراكة استراتيجية راسخة تمتد إلى مختلف المجالات، بما فى ذلك التعاون الاقتصادى والتجارى والعسكرى، كما أن الزيارة شهدت توقيع عدد كبير من مذكرات التفاهم، لا سيما فى المجال العسكرى، مشيراً إلى أن مصر من أكبر الدول التى تمتلك طائرات «رافال» المتطورة، والتى تتميز بقدرات مناورات عالية وفاعلية استراتيجية كبيرة، وهو ما يعزز من قدرات الجيش المصرى فى توقيت يحتاج فيه إلى التحديث والتطوير.