خالد منتصر يكتب: أهم رحلة علمية في التاريخ

كتب: هانى حسن

خالد منتصر يكتب: أهم رحلة علمية في التاريخ

خالد منتصر يكتب: أهم رحلة علمية في التاريخ

تعد رحلة البيجل هى أهم رحلة علمية فى التاريخ، ويشبهها العلماء برحلة أبوللو للقمر ولكنها على كوكب الأرض وليست فى الفضاء، بل يقولون إنها الأهم، ولكن ما هى تلك الرحلة التى لا يعرف الكثيرون تفاصيلها، رحلة البيجل (HMS Beagle) تُعد واحدة من أهم الرحلات العلمية فى التاريخ، ليس فقط لأنها جابت أماكن نائية فى العالم، بل لأنها غيرت نظرتنا للحياة والإنسان والطبيعة جذرياً، كانت رحلة استكشافية بحرية بريطانية انطلقت عام 1831 واستمرت حوالى خمس سنوات، كان اسم السفينة HMS Beagle، أما أهم راكب عليها فقد كان اسمه تشارلز داروين، وكان شاباً عمره 22 سنة وقتها، لكن لماذا اعتبرها العلماء أهم رحلة فى التاريخ؟
أولاً لأنها ارتبطت بميلاد نظرية التطور، وعلى متنها ولدت الفكرة، خلال الرحلة، جمع داروين آلاف العينات من النباتات والحيوانات، لاحظ تشابهات واختلافات مدهشة بين الأنواع فى أماكن مختلفة، خاصة جزر غالاباغوس، وهذه الملاحظات زرعت بذور نظرية التطور عبر الانتقاء الطبيعى، هذه الرحلة والأفكار التى ولدت خلالها هزت الأوساط الدينية والعلمية، قبل داروين، كان يُعتقد أن الأنواع تخضع للتصميم المستقل، بعده، صار يُفهم أن الكائنات تتغير وتتطور عبر الزمن، هذا غير فهم الإنسان لأصله ومكانته فى الطبيعة، أحدثت ثورة فى علم الأحياء والجيولوجيا، فداروين لم يكن فقط يدرس الحيوانات، بل الجيولوجيا أيضاً، ومنها لاحظ أدلة على تغير القارات والجبال بمرور الزمن، ما دعم فكرة أن الأرض نفسها تتغير، الرحلة كان لها تأثير عالمى طويل الأمد، بعد عودته، كتب كتابه الشهير «أصل الأنواع» سنة 1859، وهذا الكتاب غير مجرى العلوم والطب وحتى الفلسفة والأخلاق، تلك أهم المحطات فى رحلة البيجل:
1- البرازيل (غابات الأمازون - سواحل أمريكا الجنوبية)
حيث انبهر داروين بتنوع النباتات والحيوانات، وصُدم من مشاهد العبودية، ودوّن ذلك فى مذكراته.
2- الأرجنتين (سهول البامبا)
وجد فيها حفريات لحيوانات ضخمة منقرضة مثل الكسلان العملاق (Megatherium)، ولاحظ تشابهها مع حيوانات معاصرة صغيرة، ما جعله يسأل: لماذا تغير شكلها؟
3- تشيلى (جبال الأنديز)
اكتشف أصدافاً بحرية فى أعالى الجبال! واستنتج أن الجبال كانت قاع محيط وارتفعت بفعل الزلازل - دعم فكرة أن الأرض ديناميكية وتتغير.
4- جزر غالاباغوس (أهم محطة على الإطلاق)
رأى جزراً متقاربة جغرافياً لكن فيها أنواع مختلفة من الحيوانات! لاحظ أن السلحفاة العملاقة يختلف شكل صدفتها من جزيرة لأخرى، وجد أنواع طيور متشابهة لكن مناقيرها مختلفة - أشهرها الآن: عصافير داروين، واستنتج أن البيئة تؤثر على شكل الحيوان بمرور الوقت.
5- أستراليا:
رأى فيها حيوانات فريدة لا تشبه غيرها فى العالم، مثل الكنغر، سأل نفسه: لماذا هناك قوانين مختلفة تماماً فى قارات مختلفة؟ هذا زرع فى ذهنه الشك العلمى فولدت فكرة التطور، وتعد قصة مناقير طيور داروين (Darwin’s Finches) واحدة من أشهر المشاهد اللى أدّت إلى صياغة نظرية الانتقاء الطبيعى، وجدها فى جزر غالاباغوس، وهى أرخبيل من الجزر البركانية غرب الإكوادور، كل جزيرة كانت فيها طيور شبيهة، لكنها تختلف فى شكل المنقار، كل الطيور كانت تشبه بعضها (نفس الأصل)، لكنها تختلف فى شكل المنقار (طويل، سميك، رفيع، منحنى...)، وطريقة التغذية، طائر بمنقار سميك يأكل البذور القاسية، طائر بمنقار طويل رفيع يلتقط الحشرات من الشقوق، طائر بمنقار منحنى يمتص رحيق الزهور، استنتج داروين أن الأسلاف كانت من نوع واحد فقط، لكنها هاجرت إلى جزر مختلفة، فى كل جزيرة البيئة فرضت تحديات مختلفة، الطيور التى صادف أن مناقيرها تناسب البيئة نجت وتكاثرت، الطيور الأخرى انقرضت أو لم تنجح فى التكاثر، مع مرور الزمن تطورت أنواع جديدة متكيفة، هذا هو الانتقاء الطبيعى، إذن «الطبيعة لا تختار الأفضل مطلقاً، بل الأكثر توافقاً مع البيئة».
الحصيلة العلمية التى خرج بها داروين من رحلة البيجل كانت مذهلة بكل المقاييس، سواء من حيث الكم أو النوع، وشكلت حجر الأساس لأفكاره لاحقاً، ماذا جمع داروين على متن البيجل:
1- آلاف العينات البيولوجية:
جمع أكثر من 5٫000 عينة من نباتات، حيوانات، أحافير، طيور محنطة، قواقع ومحاريات، واحتفظ بسجلات دقيقة لكل منها، ووصفها وصفاً علمياً مفصلاً.
2- دفاتر ملاحظات ضخمة:
كتب داروين 15 دفتراً تقريباً مليئة بالملاحظات العلمية والرسومات، دوّن فيها سلوك الحيوانات، أنواع التربة، أشكال الصخور، تأثيرات المناخ، وحتى عادات السكان المحليين.
3- أحافير ضخمة لحيوانات منقرضة:
عثر على هياكل عظمية كاملة تقريباً لحيوانات ضخمة مثل:
- الكسلان العملاق (Megatherium)
- آرماديللو ضخم منقرض (Glyptodon)
- هذه الأحافير كانت تشبه بشكل مدهش حيوانات صغيرة حية، مما أثار تساؤلاته حول «التحول عبر الزمن».
4- ملاحظات جيولوجية:
داروين كان يراقب الأرض بنفس دقة مراقبته للكائنات، رأى صعود اليابسة فى تشيلى بعد زلزال، ما دعمه فى فهم أن الأرض ليست ثابتة، لاحظ تكون الشعاب المرجانية فى المحيطات، مما جعله أول من يشرحها نظرياً بشكل صحيح.
5- نتائج غير متوقعة:
لاحظ أن الكائنات التى تعيش فى أماكن متشابهة لا تتشابه دائماً، بينما تتشابه كائنات من مناطق مختلفة جغرافياً لكنها قريبة فى النسب.
6- اكتشافات سلوكية وثقافية:
دوّن ملاحظات عن عادات وتقاليد السكان الأصليين فى أمريكا الجنوبية، رصد الفروق بين الإنسان «المتحضر» والبدائى كما كان يُفهم وقتها، ما ساهم لاحقاً فى مناقشاته عن تطور الإنسان.
بعد العودة، لم يعلن داروين استنتاجاته فوراً، بل قضى أكثر من 20 سنة يحلل ويقارن ويكتب، وفى عام 1859، نشر كتابه الأسطورى «أصل الأنواع» (On the Origin of Species) الذى أحدث ثورة فى العلم والفكر والدين والفلسفة.


مواضيع متعلقة