عمار علي حسن يكتب: سيرة رجل حر طموح (2)
عمار علي حسن يكتب: سيرة رجل حر طموح (2)
ربما تكون الرغبة فى البوح، والبحث عن حياة جديدة، رغم تقدم الزمن، هى التى قادت الدكتور أيمن تعيلب أستاذ الأدب العربى بجامعة قناة السويس، للاعتناء بالتفاصيل، ليجعل من سيرته التى عنونها بـ«التحديق فى الشرر» لا تدور حول ذات أو نفس أو شخص فقط، إنما ترسم ملامح مجتمعات عاش فيها بين الريف والمدينة، فى الوطن والغربة، حتى إنه يأتى على ذكر أعلام الشرقية، فى مختلف المجالات، كاشفاً هنا عن رغبته المشروعة، أو طموحه المقدر، فى الانضمام إليهم.
وينبئنا «تعيلب» عن أسباب كتابة سيرته، وبتواضع العلماء ينفى عن نفسه التفرد والنبوغ، مع أننى أره يحوزهما، لكنه وبإقرار رجل «الحياة قد كتبته على هواها» يستجيب لرغبة جارفة، تلح عليه، فى البوح، ليفيض بما يخنقه، ويفرج عما انطوت عليه نفسه من أتراح وأفراح و«أسرار لا يدرى بها أحد». إنها الرغبة التى يصفها بـ«لذة مستطابة فى التعبير عما يغشى النفس من خواطر، وما يتنازعها من هواجس، وما يتناوشها من أفكار فى رحلة الحياة» بحثاً عن تعرية تقود إلى تصفية ثم تهوية، كى ينفتح الأفق على صفحات جديدة.
وينتقل «تعيلب» ليخبرنا عما كان ينفعل به وقت كتابة سيرته فيقول: «ظللت أعانى طوال زمن الكتابة حالة من التآكل المتبادل بين زمنين جد مختلفين لأعرفنى أكثر، أو حتى لأعرف: هل كنت أعرف نفسى، وما يدور حولى فى العالم، بصورة معقولة؟، لكن يبدو أن حبكة الزمن فى قصة حياتى كانت شديدة القسوة والسخرية معاً»، ثم يطلعنا أكثر على مفتاح سيرته هذه حين يقول: «تتملكنى رغبة وحشية أن أعيش حياتى وفق إرادة كلماتى الآن، لا وفق إرادة قدرى العاتى الذى كتبنى من قبل على هواه وليس هواى، فربما أعيش من جديد مرتين».
حاول «تعيلب» فى نصه الممتع والمفيد أن يحل معضلة التوزع بين الخيال والوهم والواقع، وأن يجعل من طاقة اللغة والزمان والمكان خطاً يسير عليه فى الكتابة، وأن يحل معضلة التفاوت بين حياته الظاهرة، وحياته الحقيقية التى تكمن فيها أسراره، من خلال النظر إلى الواقع نفسه باعتباره مرآة، والمرايا كثيرة.
وهنا يحفر لنفسه مسرباً عميقاً لنأخذ ما كتب على محمل الصراحة والجدة فيقول: «فكرة المطابقة بين حياتى التى عشتها، وحياتى التى أكتبها الآن محض خيال»، ثم يتوجه إلى قارئه قائلاً: «فبالله عليك صديقى تخلَّ مثلى عن أوهام الفكر الشائعة عن التذكر والنسيان، الصح والخطأ، الشعور واللاشعور، الحضور والغياب، السر والعلن. أريد أن أكتب حياتى لا أن أكتب عن حياتى». ويقول له فى موضع آخر: «دعنى صديقى أجرجر سفينة عمرى الموثوقة بحبال أيامى علّنى أمسك بى».
ثم يعود ويقول فى موضع آخر بعيد فى ثلاثيته: «لقد تعاقدت معك قارئى أن أقول الحقيقة، كل الحقيقة فى تصوير حياتى، لكن كيف بالله عليك أستطيع ذلك؟ أن أفسر لى ولك ولهم الآن ما حدث لى بالفعل؟ قارئى لا يكتب الحياة سوى الحياة نفسها».
ويعترف «تعيلب» بأن هناك تفاصيل سقطت منه، دون شك، وربما جاءت لكنه لم يجد لها موضعاً، أو راق له تجاهلها لقاء التقاط ما يعتبره أقوى وأهم منها، وأمضى تأثيراً، وهنا يقول: «ستظل سيرتى منقوصة، فأنا الكاتب والمكتوب، الشاهد والمشهود، أنا الموج ملتجاً فى أعماق محيطى إن قلت أرسو قليلاً على شاطئ ذاتى كى تلتقطنى كلماتى أبت لغتى إلا أن تقذف بى إلى مجاهيل المجازات، وغوامض الدلالات».
وأمسك «تعيلب» بنفسه حقاً، حين ربط حياته الشخصية، أو سيرته الذاتية بكل الذين عرفهم، وساهموا فى تشكيل تجربته، من الرفاق والأهل والجيران والزملاء، وحين أورد لنا أوجاعه ومسراته، ونجاحاته وخيباته، والفجوة التى تظل فى حياة كل منا بين الرغبة والقدرة، فى كل مكان حل به، بدءاً من المدرسة الابتدائية وحتى الجامعة.
أمسك بنفسه أيضاً حين غرف من معين الذاكرة كل شىء، وزاوج بين ما أدركه، وما سمعه من حكايات عنه، فبدأ بالميلاد عام 1962، وراح يصور لنا طقس هذه الليلة، قارسة البرودة التى تعوى فيها الريح، ثم يحدثنا عن عملية طهوره القاسية، ويصل الماضى بالحاضر حين يعود إلى مسقط رأسه بعد خمس وخمسين سنة خلت من حياته، ليرى شوارع قريته قد ضاقت بعد سعة، لكنها لم تأتِ على ما فى الذاكرة، فيرى الكُتَّاب الذى كان يحفظ فيه القرآن، ويتذكر شجرة التوت والعصافير، والساحة التى كان يحلو فيها السهر والسمر، والطاحونة، ومحاصيل الحقول، حتى مكتبة الزقازيق العامة على بحر مويس، الذى نقرأ عنه أيضاً فى سيرة صلاح عبدالصبور «حياتى مع الشعر».
(نكمل غداً)