مصطفى عمار يكتب: «السيسى» و«البرهان».. معا لاستعادة استقرار السودان وأمن الإقليم
مصطفى عمار يكتب: «السيسى» و«البرهان».. معا لاستعادة استقرار السودان وأمن الإقليم
فى توقيت بالغ الدقة، استقبل الرئيس عبدالفتاح السيسى، أمس، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة السودانى، فى رسالة واضحة تعكس مدى التزام مصر التاريخى والاستراتيجى بدعم السودان وشعبه فى مواجهة التحديات التى تهدد وحدته واستقراره.
لم يكن اللقاء بروتوكولياً، بل كان امتداداً لتحرك مصرى مدروس يستهدف حماية الأمن القومى المصرى عبر بوابته الجنوبية، وترسيخ مبدأ الشراكة المصيرية مع السودان الشقيق.
فى هذا السياق، تؤكد مصر، بقيادة الرئيس السيسى، أنها لن تسمح بانهيار السودان، وأنها ستظل تدعم بكل السبل وحدة أراضيه، وخيارات شعبه الحرة، بعيداً عن التدخلات الأجنبية والمخططات المشبوهة.
«السيسى»، الذى أعاد مصر إلى قلب القارة الأفريقية خلال سنوات حكمه، يدرك أن مصير الشعوب لا يبنى إلا عبر جسور التعاون الصادق والتنمية الحقيقية، وهى الرؤية التى تترجمها القاهرة اليوم عملياً بدعم الانتقال السلمى فى السودان، وتقديم يد العون للشعب السودانى، وفاءً لعلاقة أزلية صنعها التاريخ ووثَّقتها الجغرافيا ووحَّدتها المصالح والمصير المشترك.
هذا اللقاء المهم يعيد إلى الواجهة أحد أهم أبعاد السياسة الخارجية المصرية، حماية الأمن القومى من خلال دعم استقرار الجار الجنوبى. اللقاء ليس مجرد اجتماع بروتوكولى بين قيادتين سياسيتين، بل هو تعبير صريح عن استراتيجية مصرية مدروسة، تقوم على التعامل مع السودان كامتداد طبيعى لمجالها الحيوى وكشريك أساسى فى صناعة الأمن والتنمية للإقليم.
العلاقات المصرية السودانية ضاربة فى أعماق التاريخ، تتجاوز أبعاد الجغرافيا والسياسة إلى روابط الدم واللغة والثقافة. منذ العصور القديمة، كان النيل هو الرابط الأبدى بين الشعبين، ومع تطور الزمن، تكرست هذه العلاقة فى مراحل مختلفة، من فترة الحكم التركى - المصرى للسودان، إلى معركة التحرر من الاستعمار البريطانى، ثم إعلان استقلال السودان عام 1956 بمشاركة ودعم مصرى واضح.
يقول الكاتب والمفكر الدكتور جمال سلامة، أستاذ العلوم السياسية، إن «العلاقة بين مصر والسودان ليست علاقة جوار فقط، بل هى علاقة توحدها الجغرافيا السياسية والمصالح العليا، وما يؤثر على السودان يصيب مصر بصورة مباشرة، والعكس صحيح».
ولعل نظرة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر للسودان كانت تقوم على اعتبار الشعب السودانى جزءاً لا يتجزأ من الأمة العربية والأفريقية، وهى النظرة ذاتها التى يتبناها الرئيس عبدالفتاح السيسى اليوم، ولكن بمنهج عصرى يتلاءم مع تحديات القرن الحادى والعشرين.
من الثوابت الراسخة فى الفكر الاستراتيجى المصرى أن أمن السودان جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى. فالسودان يمثل البوابة الجنوبية لمصر، وأى اضطرابات فيه تنعكس مباشرة على الأمن المائى والغذائى والسياسى لمصر. النيل، شريان الحياة للمصريين، ينبع من الجنوب، وأى خلل فى دول الحوض، خصوصاً السودان، يعنى تهديداً وجودياً لمصر.
وفى هذا السياق، كتب الخبير الاستراتيجى اللواء محمد إبراهيم الدويرى فى دراسة للمركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية، أن «مصر تتعامل مع السودان باعتباره حائط الصد الأول فى حماية مصالحها الحيوية فى أفريقيا، وأى محاولة لتفكيك السودان أو نشر الفوضى فيه تصب فى مصلحة قوى إقليمية تسعى لإضعاف مصر وإخراجها من معادلة التأثير فى القارة».
من هنا، تتفهم مصر حساسية الموقف السودانى وتدعم جهود تحقيق وحدة الأراضى السودانية، وترفض التدخلات الخارجية التى تؤجج الصراعات الداخلية بهدف تفتيت الدولة وإضعافها.
منذ توليه الحكم عام 2014، أدرك الرئيس عبدالفتاح السيسى أهمية أن تعود مصر لاعباً محورياً فى أفريقيا. فكان أول من أعاد الدفء إلى علاقات مصر مع السودان من خلال زيارات متبادلة، واتفاقيات تعاون شملت مختلف المجالات الحيوية، من الطاقة والبنية التحتية إلى الصحة والتعليم والزراعة.
الرئيس السيسى لم يتعامل مع السودان بمنطق المساعدات المشروطة أو التدخل فى الشأن الداخلى، بل تبنى سياسة الاحترام الكامل للسيادة السودانية، ودعم خيارات الشعب السودانى مهما كانت، ما أكسب مصر احترام مختلف الأطراف داخل السودان، سواء فى الشمال أو الجنوب، فى الشرق أو الغرب.
وقد شهدت العلاقات طفرة لافتة عبر مشاريع مثل الربط الكهربائى بين مصر والسودان، الذى بدأ تشغيل مرحلته الأولى بالفعل، فضلاً عن دعم مصر للقطاع الصحى السودانى عبر إرسال قوافل طبية ومساعدات إنسانية متواصلة، خاصة مع اندلاع الأزمة الحالية فى السودان.
فى ظل الحرب الداخلية التى اندلعت فى السودان منذ أبريل 2023، بين الجيش السودانى وقوات الدعم السريع، كان موقف مصر واضحاً منذ البداية: الدعوة إلى وقف إطلاق النار، احترام سيادة السودان، ودعم الحوار السودانى - السودانى بعيداً عن التدخلات الخارجية.
استضافت مصر مؤتمر دول جوار السودان فى يوليو 2023، وهو أول تجمع إقليمى يسعى لحل الأزمة عبر مقاربة أفريقية - عربية حقيقية بعيداً عن الأجندات الغربية أو الطموحات الإقليمية لبعض القوى. هذه المبادرة أكدت أن مصر تتحرك بروح الشقيق لا الوصى، وبمبدأ أن الحل يجب أن ينبع من الإرادة السودانية الوطنية.
ورغم الجهود المصرية والدعم المستمر، فإن الأزمة السودانية تزداد تعقيداً بفعل التدخلات الخارجية، ومحاولات بعض القوى الإقليمية والدولية استخدام الساحة السودانية كأرض معركة لتحقيق مصالحها الخاصة.
هنا، تبرز أهمية التحركات المصرية كصمام أمان، ليس فقط للسودان بل للمنطقة كلها، عبر العمل على تعزيز الحلول السياسية السلمية دون فرض وصايات. ومضاعفة الدعم الإنسانى للنازحين واللاجئين السودانيين كعادة القاهرة تجاه أشقائها، بالإضافة إلى التعاون مع الاتحاد الأفريقى والأمم المتحدة للضغط من أجل مسار سياسى شامل.
وتقف مصر أمام أى محاولات لتقسيم السودان وتحذر المجتمع الدولى من نتائجها الكارثية على السلم الإقليمى.
الرئيس السيسى لا ينظر إلى السودان كمجرد ملف سياسى، بل كمكون أصيل فى معادلة الأمن القومى المصرى. والدعم الذى تقدمه القاهرة للخرطوم هو استثمار فى الاستقرار الإقليمى والتنمية المشتركة، وتجسيد لمبدأ «لا استقرار لمصر بدون استقرار السودان».
ومن هذا المنطلق يمثل التنسيق بين مصر والسودان حجر الزاوية فى الحفاظ على الأمن المائى للبلدين، خاصةً فى ظل التحديات المتصاعدة داخل حوض النيل. وقد أدركت القاهرة والخرطوم مبكراً أن توحيد المواقف والرؤى تجاه قضايا المياه، وعلى رأسها ملف العلاقات مع دول المنبع، ضرورة لا خياراً.
حيث تقوم الرؤية المشتركة على عدة محاور، أبرزها التأكيد على مبدأ الاستخدام العادل والمعقول لمياه النهر دون الإضرار بمصالح الدول المصبّية، وهو ما نصت عليه الاتفاقيات الدولية ذات الصلة. كما يعكس التنسيق المتنامى بين البلدين رغبة استراتيجية فى بناء شراكات تنموية حقيقية مع دول حوض النيل، تقوم على المصالح المشتركة ومشروعات الربط الكهربائى والزراعى، بدلاً من منطق الصراع والصدام.
وتتسم الاجتماعات الثنائية والزيارات المتبادلة بطابع عملى، يركز على تبادل المعلومات، وتوحيد الخطاب السياسى والقانونى، خاصة فى المحافل الإقليمية والدولية. وقد أظهر التنسيق المصرى السودانى، فى عدة مناسبات، قدرة البلدين على تقديم جبهة موحدة، مما يعزز من ثقلهما التفاوضى ويدعم جهود الحفاظ على حقوقهما التاريخية فى مياه النيل.
فى هذا الإطار، يظل تعميق التعاون المؤسسى والدبلوماسى بين مصر والسودان خياراً استراتيجياً حتمياً لمواجهة أى محاولات لتفتيت وحدة الصف أو إضعاف الموقف التفاوضى أمام الأطراف الأخرى فى حوض النيل.
مصر تدرك جيداً أن رهانات المستقبل لا تبنى على القوة فقط، بل على بناء شبكات المصالح والتكامل الحقيقى مع الأشقاء.
■■ ستظل القاهرة على العهد، حاملة رسالة السلام، وداعمة لإرادة الشعوب، حريصة على أن تظل شعوب وادى النيل جسداً واحداً وقلباً نابضاً بالتكامل والمصير المشترك.