فلسطينيون في «المحروسة» منذ الأربعينات.. عشرات الآلاف من اللاجئين المتميزين والباحثين عن الشفاء
فلسطينيون في «المحروسة» منذ الأربعينات.. عشرات الآلاف من اللاجئين المتميزين والباحثين عن الشفاء
عشرات الآلاف من الفلسطينيين يعيشون كـ«لاجئين متميزين» فى مصر ما يقرب من ثمانية عقود، منذ أن فروا بأرواحهم من «حرب فلسطين» فى عام 1948، أو الذين تم طردهم من الأردن بعد أحداث «أيلول الأسود»، فى بداية السبعينات من القرن الماضى، لم يتم تجنيسهم أو أبنائهم أو أحفادهم، بل احتفظوا بوضع «اللاجئ المتميز»، وتشير التقديرات إلى أن أعداد الفلسطينيين الذين يعيشون فى مصر، قبل الحرب الأخيرة على قطاع غزة، تتراوح بين 51 ألفاً و110 آلاف فلسطينى.
وأثناء حرب الإبادة، التى يشنها جيش الاحتلال الإسرائيلى على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، رفض الفلسطينيون التخلى عن أرضهم، وتصدوا بمساعدة مصر لكافة مخططات التهجير، إلا أن مصر استقبلت آلاف الغزاويين من أجل العلاج، وبحسب تقديرات رسمية، فإن إجمالى عدد الفلسطينيين الذين عبروا معبر رفح البرى، فى الفترة من ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ حتى منتصف فبراير ٢٠٢٥، بلغ 103 آلاف و769 شخصاً، فيما خضع 89 ألفاً و440 فلسطينياً للفحص الطبى فى عيادات الحجر الصحى، بعد دخولهم إلى الأراضى المصرية، لكنهم لا يعاملون كلاجئين.
«منى عبيد» امرأة فلسطينية من قطاع غزة، تروى لـ«الوطن» مأساة أسرتها التى انقلبت حياتها رأساً على عقب بعد نحو 11 يوماً من بدء عدوان الاحتلال الإسرائيلى على غزة، ففى 18 أكتوبر 2023، تم قصف المنزل الذى كانت تحتمى فيه مع عائلتها المكونة مما يزيد على 30 فرداً، فقدت فى ذلك القصف 7 أفراد، من بينهم شقيقتها، وابنتاها وحفيدتها، وأولاد أشقائها، حيث تقول: «فى لحظات معدودة تحولوا إلى أشلاء».
بقيت عائلة «منى» تحت أنقاض المنزل فى منطقة حمد بخان يونس لعدة ساعات، بعدها نجحت قوات الدفاع المدنى الفلسطينية فى إخراجهم حيث كان زوجها «سالم» أول من خرج ثم ابنها «قاسم» 7 سنوات، وابنتها «أمارة» 25 عاماً والتى كانت فى غيبوبة تامة، حيث تم نقلهم إلى مستشفى ناصر بخان يونس، وبسبب حالتهم الصحية الصعبة، حصلوا جميعاً على تحويلات للعلاج فى مصر بعد 28 يوماً.
فى 16 نوفمبر استقبلت مصر عائلة «منى» لكن بسبب اختلاف وضعهم الصحى، وشدة حالتهم فقد تم نقلهم إلى مستشفيات مختلفة، حيث تم وضع «منى» فى مستشفى العريش العام، بسبب إصابتها بكسر مضاعف فى ساقها، وحروق من الدرجة الأولى فى يديها، وجرح غائر ونزيف شديد فى الرأس.
تتحدث «منى» عن تلك الحالة، قائلة «كنت أشعر بكل ما يدور حولى، كنت أرى ساقى تتدلى من حمالة الإسعاف، وكنت متأكدة أنه سيتم بترها لا محالة»، إلا أنها بعد دخولها مستشفى العريش كان هناك استقبال جيد جداً واهتمام طبى، وهو ما جعلهم يبذلون أقصى جهدهم لإعادة ساقها إلى وضعها الطبيعى.
وتضيف أنها عانت لمدة تجاوزت الـ6 أشهر، قام خلالها الأطباء المصريون بإعادة الساق إلى وضعها الطبيعى، وتركيب شرائح ومسامير، ورغم أن حالتها لا تزال بحاجة للعلاج الطبيعى والمتابعة الطبية إلا أنها باتت قادرة على المشى بشكل طبيعى، وتعيش حياتها بشكل طبيعى وهو شىء لم يكن يتحقق لولا مهارة الأطباء التى رأتها خلال رحلة علاجها فى مصر.
أما زوجها «سالم عبيد» فقد تعرض إلى حروق من الدرجة الأولى فى 70% من جسده، فى الرأس والوجه والصدر، كما تعرض لكسر مضاعف شديد فى الساق اليمنى، فقد خرج إلى مستشفى بورسعيد العام، وهناك ظل تحت الملاحظة الشديدة، وكشف الأطباء هناك عن إصابته بتفتت فى عظم الساق، وتم التعامل مع الحالة بشكل سريع، حيث تم تركيب شرائح ومسامير، جعلته قادراً على الوقوف على قدميه مرة أخرى.
بينما «أمارة» فقد كانوا يعتقدون أنها فى عِداد «الأموات» بسبب إصابتها البالغة، فقد وقعت فى غيبوبة لمدة أسبوع، وتعرضت للعمى الجزئى، وبتر فى الساق اليمنى، واليد اليسرى، حيث تقول: «حالتى كان ميئوساً منها، ماكنتش قادرة أشوف أو أتحرك، الكسور كانت فى كل جسمى، الكل قال إنها شهيدة، ومسألة وقت فقط».
تم نقل «أمارة» إلى مستشفى السلام التخصصى، وهناك أجرت عمليات معقدة فى يدها اليمنى التى تضررت بشدة، وتم تركيب أسلاك وشرائح بعد إزالة البلاتين الخارجى.
بعد 3 أشهر من الوجود فى مستشفى السلام الدولى، نُقلت إلى مستشفى العريش للاستشفاء، إلا أنها هناك اكتشفت مشاكل صحية جديدة، حيث كان عليها أن تخضع لجراحات دقيقة، وتم نقلها إلى مستشفى عين شمس التخصصى فى العبور.
الآن، تعيش «منى» مع عائلتها فى القاهرة، لا يزالون يكملون علاجهم وفى انتظار اليوم الذى يعودون فيه إلى غزة ليلتقوا مع باقى العائلة، وتلك العائلة الجريحة ليست الوحيدة، فالألم ممتد من قطاع غزة المنكوبة كله.