«رحلة رحم مجانية».. تقنية مصرية تمنح مريضات السرطان أملًا في الإنجاب
«رحلة رحم مجانية».. تقنية مصرية تمنح مريضات السرطان أملًا في الإنجاب
كتبت - أمنية سعيد
أمل جديد لمريضات السرطان، يمنحهم فرصة جديدة للإنجاب، فبدلًا من الويلات اللاتي تعانيها الفتيات والسيدات ليس فقط من السرطان؛ بل أيضًا من فقدان الرحم بسبب العلاج الإشعاعي وضعف فرصتهنّ في الحمل، نجح أستاذ الأورام الجراحية بجامعة المنصورة في ابتكار تقنية جديدة تحافظ على الرحم بعيدًا عن التأثير القاسي للإشعاع، وبعد رحلة التعافي والقضاء على الورم، يعود الرحم سليمًا وكأنه لم يبرح مكانه يومًا ليمنح هؤلاء الفتيات فرصة الأمومة، وبنجاح هذه التقنية مع ثلاث حالات، تنضم مصر إلى الدول الرائدة في الحفاظ على خصوبة مريضات السرطان.
بصيص من الضوء
وتبرز هذه التقنية الجديدة لتمنح بصيصًا من الضوء لفتيات وسيدات في أوجّ خصوبتهن وتحديدًا السيدات اللاتي تتراوح أعمارهن من 18 لـ 40 عاما، حين يدهمّهن شبح السرطان في منطقة الحوض، فالعلاج الإشعاعي، رغم ضرورته للقضاء على الخلايا الخبيثة، يحمل في طياته خطرًا يهدد مستقبلهن كأمهات، مدمرًا مبايضهن وأرحامهن، يروي الدكتور باسل رفقي أستاذ جراحة الأورام النسائية بمركز الأورام جامعة المنصورة، وسكرتير عام الجمعية المصرية لأورام النساء، في حديثه لـ«الوطن» تفاصيل هذه التقنية التي استلهمت من تجارب رائدة في أمريكا والبرازيل، وهي أشبه برحلة مؤقتة للرحم، وتعتمد على فصل الرحم عن مكانه ويهجر الحوض ليحتمي عاليًا في البطن، متصلًا بالسرة عبر مسارات داخلية، وخلال فترة العلاج الإشعاعي، تتوقف الدورة الشهرية قسرًا، ليظل الرحم في مأمن من تأثير الأشعة القاتلة.


تفاصيل تقنية رفع الرحم أثناء العلاج الإشعاعي
وبانتهاء المعركة ضد السرطان ونهاية فترة العلاج الإشعاعي، يقول أستاذ جراحة الأورام النسائية إنّ المريضة تبدأ رحلة جديدة تتمثل في عودة الرحم إلى موطنه الأصلي في الحوض، ليتصل مجددًا بالمهبل، وتتطلب هذه العملية مهارة فائقة ودقة متناهية، خاصة في الحالات الحرجة: «العملية أكيد صعبة وبتحتاج مهارة ودقة عالية، لكن بعدها بيكون عندنا فرصة للحفاظ على الرحم وبندي أمل للبنات والسيدات بالحمل والولادة».
تعميم التجربة داخل المستشفيات المصرية
وبدأت مصر في تبني هذه التقنية الواعدة منذ 7 أشهر، من خلال ثلاث حالات حتى الآن، اثنتان في جامعة المنصورة وواحدة في جامعة أسيوط، إحداهن في السابعة عشرة من عمرها، لم تتزوج بعد، وأخرى مطلقة، وثالثة آنسة، وجميعهن وجدن في هذه التقنية بارقة أمل للحفاظ على حلم الأمومة: «احنا اتكلمنا مع 5 حالات؛ حالتين قالوا لا، و3 بس وافقوا، والحمد لله حافظنا على الرحم بنسبة 100% ومحصلش أن كان فيه فقدان للرحم، ورجعت الدورة الشهرية طبيعية ويقدروا يحملوا في أي وقت».
كانت الحالة الأولى صاحبة الـ17 عامًا من المنصورة تعاني من ورم الأنسجة الرخوة في الحوض «ساركوما»، وخضعت للعلاج الكيماوي، ثم الإشعاعي الذي استدعى نقل الرحم لحين التعافي، وهي حاليًا تتمتع بصحة جيدة وفرصة مناسبة للحمل والإنجاب، أما الحالة الثانية لسيدة مطلقة من المنصورة أيضًا تبلغ من العمر 24 عامًا، وتعاني من الحالة ذاتها، والتي كانت من بين السيدات اللاتي وافقن على إجراء هذه التقنية للحفاظ على الرحم، أما الحالة الثالثة من أسيوط فهي فتاة عشرينية لم يسبق لها الزواج وكانت مصابة بورم في المستقيم، ما استلزم قرارًا من الأطباء بعملية نقل الرحم لحين انتهاء فترة العلاج الإشعاعي، فضلًا عن إجراء عملية حفظ للبويضات لضمان فرصة الإنجاب: «كل الحالات دي كانو في المراحل المبكرة وعندها أمل كبير في الشفاء، عشان كده خدنا قرار بعملية نقل الرحم وحفظ البويضات»، بحسب باسل رفقي.
ومن المعروف أنّ أي جراحة لا تخلو من المخاطر، كتلك المتعلقة بالتسمم أو فقدان الرحم لتغذيته بحسب الدكتور باسل رفقي، لكن الفريق الطبي المصري يبذل قصارى جهده لتجنب هذه المضاعفات، وقد تكللت جهودهم بالنجاح حتى الآن، لافتًا إلى أنّه في حال حدوث الحمل لاحقًا، قد يتطلب الأمر اللجوء إلى الحقن المجهري ومتابعة الحمل بدقة، مع وجود احتمالية للإجهاض.
وعلى الرغم من النتائج المبهرة لتقنية رفع الرحم، إلا أنّها قد لا تناسب جميع الحالات، ففي الحالات التي يكون فيها الورم كبيرًا ومنتشرًا خارج الحوض، أو عندما تكون نسبة الشفاء ضئيلة، يصبح اللجوء إلى تقنية رفع الرحم غير مجدٍ، يقول الدكتور باسل: «لازم يكون عندنا توقعات بنسبة شفاء عالية وأننا متوقعين يكون عندها عمر طويل لأن بيكون فيه أورام احنا بنسميها في الطب أورام لطيفة متوقع شفائها».
ويقول أستاذ جراحة الأورام النسائية وهو أيضًا أول عضو غير أوروبي في مجلس إدارة الجمعية الأوروبية لأورام النساء، إنّ التحدي الأكبر يكمن في قلة عدد الحالات المتاحة وحداثة الفكرة التي قد تثير تخوف البعض، كما أنّ اختيار الحالات المناسبة يتطلب دقة وتأنيًا، فالهدف ليس إجراء العملية فحسب، بل تحقيق أفضل النتائج الممكنة: «المشكلة اللي بتواجهنا قلة الحالات وأن الفكرة لسة جديدة ممكن تكون الناس خايفة منها، وحاليا أنا في البحرين وبنجهز لحالات زي كده نعرض عليها تنفيذ التقنية».

يزف «رفقي» بشرى للسيدات بأن عملية نقل الرحم وحفظ البويضات تكلفتها مجانيّة بالكامل وتُجرى على نفقة الدولة داخل معاهم الأورام والمستشفيات الجامعية؛ نظراً لدقة العملية التي تحتاج إلى مهارات خاصة وأطباء متخصصين في علاج الأورام، ومع الحصول على موافقة لجنة الأخلاقيات وعرض الورقة البحثية داخل وخارج مصر التي أكدت أن هذا الإجراء لا يتعارض مع أخلاق المهنة أو يؤثر على حياة المريضة، يتخذ البحث العلمي خطوة جديدة بتعميمه داخل المستشفيات المصرية ويمكن إجرائه داخل أي مستشفى بالمعايير المتفق عليها وبعد الحصول على موافقة المريضة.