د. محمود خليل يكتب: إن العهد كان مسؤولاً

كتب: أحمد فكري

د. محمود خليل يكتب: إن العهد كان مسؤولاً

د. محمود خليل يكتب: إن العهد كان مسؤولاً

لك أن تتصور حال المجتمعات عندما يختفى خلق الوفاء بالعهود والعقود بين أفرادها، ويحيدون عن التوجيه الإلهى الكريم بالالتزام بما تعاقدوا وتعاهدوا عليه، وذلك فى قوله تعالى فى سورة «المائدة»: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»، فالتعاقدات تمثل أساس التعاملات داخل أى مجتمع، تعاقدات السكن، وتعاقدات البيع والشراء، وتعاقدات تقديم الخدمات، وغير ذلك، تخيل ماذا ستكون الحال إذا لم يلتزم أى من أطراف التعاقد بما تعهد بالوفاء به؟ ستكون النتيجة أن يمتنع صاحب المسكن عن تأجيره لمن يحتاج، وأن يمتنع التجار عن إبرام عقود الشراء والبيع بسبب عدم الالتزام بالسداد، وسيعزف مقدمو الخدمات عن تقديم أى خدمة لغيرهم ما داموا لا يلتزمون بالدفع. باختصار عدم الوفاء بالعقود والعهود لا يؤدى إلى اضطراب أحوال المجتمعات وفقط، بل يعنى تخريبها ووقف حال أهلها.

الوفاء خصلة وسمة تؤدى حين تسود أى مجتمع إلى صلاح أحوال أهله، وإذا غابت ارتبكت أوضاعه واندلعت الصراعات المريرة بين أفراده. يقول تعالى فى سورة «الأنعام»: «وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ». ويقول تعالى فى سورة «البقرة»: «وَأَوْفُوا بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّاىَ فَارْهَبُونِ»، فوفاء الإنسان بعهده مع الله يتمثل فى الإيمان بوحدانية الخالق، لكن ثمة جانباً آخر للوفاء يتمثل فى الوفاء مع عباد الله، فوفاء الإنسان لغيره يمثل وفاء لربه الذى أمره بهذا الخلق الرفيع حتى تستقر الحياة وتستقيم التعاملات ما بين البشر.

وفاء الإنسان بعهد الله سواء على مستوى التوحيد، أو على مستوى الالتزام مع غيره من عباد الله، نتيجته رضا الله تعالى، وهو الرضا الذى يؤدى إلى تناغم أحوال الحياة وارتقاء العلاقات ما بين البشر فى الدنيا، ثم يقود الإنسان إلى الجنة فى الآخرة، الوفاء يؤدى إلى السلام على الأرض، والسلام هو جوهر الحياة فى الجنة: «وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ». الله تعالى يسأل عباده يوم القيامة عن الوفاء بالعهد، قال تعالى: «وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا». وقد جعل الله «الوفاء بالعهد» مؤشراً على «البر»، فقال تعالى فى تعريف الأبرار: «وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا». يقول المفسرون فى شرح هذه الآية: والعهد: هو الالتزام بإلزام الله أو إلزام العبد لنفسه. فدخل فى ذلك حقوق الله كلها، لكون الله ألزم بها عباده والتزموها، ودخلوا تحت عهدتها، ووجب عليهم أداؤها، وحقوق العباد، التى أوجبها الله عليهم، والحقوق التى التزمها العبد كالأيمان والنذور، ونحو ذلك.

ثمة إذن وجهان للوفاء، الوفاء لله تعالى والالتزام بتعاليمه، والوفاء مع البشر وعدم أكل حقوقهم. ومن يخن عهده مع الله لا بد أن يخون عهده مع البشر. والخائن للعهد يجعل الحياة جحيما ومآله الجحيم فى الختام، لأنه تخلى عن غاية الإسلام كرسالة، والمتمثلة فى التقوى.. قال تعالى: بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِى الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ».

صدق الله العظيم


مواضيع متعلقة